حياة الشاعر عبدالله الجشي بلسان زوجته: قبلتُ الزواج منه بشرط واحد فقط السيدة أنيسة الحكّاك تسرد تفاصيل حياته الصعبة في العراق وما بعده

القطيف: ليلى العوامي

واحد من روّاد الأدب السعودي الحديث، وأحد أعلام الجيل الثاني من شعراء المملكة، واسمٌ له أثره في الثقافة السعودية، وبالذات في الشطر الشرقي من وطننا. كرّمه الملك عبدالله حين كان وليّاً للعهد، رحمه الله، ومنحه وسام الملك عبدالعزيز في الجنادرية. وكرّمته الجامعة العربية ضمن الرواد العرب، وكرّمته محافل ثقافية وأدبية في المملكة والقطيف.

نبغ مبكّراً، وتأدّب وتثقَّف في العراق، بتأثير أوليٍّ من والده الفقيه الشيخ علي الجشي، وحين عاد إلى البلاد ظهرت مكانته على نحو لافت، حتى أنه شارك في وفد القطيف الذي سافر إلى العاصمة الرياض، سنة 1373هـ، معزّياً في وفاة الملك المؤسس، ومبايعاً لخلفه الملك سعود، رحمهما الله.

ثمّ عمل في الحكومة، وأسهم في تأسيس وزارة العمل، وقدّم عطاءً مؤثراً في قضايا العمل والعمّال، إضافة إلى إسهامه الأدبي الذي لم يتوقف منذ أن كان يافعاً في العراق، وواصله بعد عودته إلى الوطن.

في عام 1970م، تحوّلت حياته إلى العراق، ومكثف فيها حتى أزمة الخلي

حياة الشاعر عبدالله الجشي؛ مزدحمة بالأحداث. وبعد 13 عاماً على رحيله، أرادت “صُبرة” إعادة توثيق حياة الشاعر السعودي الكبير، من زاويةٍ لم تُطرق من قبل. من زاوية الأسرة، وعلى لسان قرينته السيدة أنيسة عبدالجليل الحكّاك، الزوجة التي تزوجها وهو على مشارف الخمسين، وأنجب منها ابنيه الوحيدين “قطيف” و “يمامة”.

تكريمه بوسام الملك عبدالعزيز، من الملك عبدالله في الجنادرية، رحمهم الله

سنوات العراق الطويلة

بقاء الجشي في العراق سنوات طويلة بصحبة أسرته، لم يُنسه عشقه الأبدي للقطيف، التي عاش فيها طفولته وصباه، وهو ما دفعه إلى تسمية ابنه البكر “قطيف”، كما دفعه إلى العودة مرة أخرى إلى القطيف في عام 1993 بعد حرب الخليج الثانية، والبقاء فيها.

وأثمر استقرار الجشي داخل أسرة مترابطة، عن شاعر كبير بمقاييس مرحلة الريادة، كتب قصائده ودواوينه، مستمداً موضوعاتها من تجارب عايشها على أرض الواقع، وكانت زوجته أول ناقد له، يُسمعها أشعاره، وينتظر منها رأيها، ليأخذ به. ولأن للمرأة عند “أبي قطيف” مكانة عالية، فكان لكل من زوجته وابنته نصيبه في أشعار الجشي.

التوثيق لسيرة الجشي شاعراً وزوجاً وأباً جاء على لسان زوجته العراقية أنيسة الحكّاك، التي فضلت البقاء في القطيف، على العودة إلى بلدها، بعد رحيل زوجها، مُحتفظة بكنوز من القصص والذكريات التي تُوثق بها حياة زوجها الراحل، كاشفة لـ”صُبرة” جوانب من هذه الذكريات.. وهنا كانت الخلاصة..

غربة وسفر

لم تكن حياة الجشي مفروشة بالورد، ولم يُولد وفي فمه ملعقة من ذهب، فقد كان إنساناً بسيطاً ومتواضعاً وصادقاً، يبحث عن رزقه أينما حل، وفي وقت مبكر من حياته، مالت فطرة الجشي إلى الغربة والسفر والترحال، وكانت العراق بوصلته، التي بحث فيها عن الاستقرار الأسري، وكان له ما أراد.

الزوجة أنيسة الحكاك

وقبل السفر إلى العراق، لم يكن الجشي يمتلك في القطيف سوى محل صغير لبيع المعلبات، وكان يستورد صلصة الطماطم من كربلاء العراق، ويبيعها في المحل، واتخذ هذا المحل وظيفة له، يحصل منها على قوت يومه، بعدها قرر السفر إلى العراق.

الجشي في صباه

الحياة في العراق

زار الجشي العراق أول مرة عام 1935، وعمره 9 سنوات، حيث اصطحبه والده الفقيه الشيخ علي حسن محمد علي محمد يوسف محمد علي ناصر الجشي، الذي كان صديقاً لوالد أنيسة. وقضى عبدالله هناك نحو 7 سنوات، خضع فيها لدروس علمية حوزوية، وعاد إلى القطيف بعدها، وكان عمره 16 سنة. 

الجشي شاباً

وفي عام 1940 زار الجشي العراق مرة أخرى، وجلس فيها ليلتين، قضاهما في منزل ابن خالته العراقي الحاج عبد الجليل الحكاك، وهناك أنهى أعمالاً خاصة بتجارته في مدينة كربلاء، وحينما انتهي، عاد إلى القطيف.

مع إبنته يمامه وحسين الحكاك عام ١٩٨٦

وفي عام 1970، عاد الجشي إلى العراق في زيارة ثالثة، لكن السفر الأخير طال حتى عام 1993، وهناك قضى 5 أشهر في منزل ابن خالته الحاج عبد الجليل الحكاك، الذي أوصى ابنته أنيسة بخدمة الجشي، كونها البنت الكبرى، وكونه ضيفاً في منزلهم، وكانت أنيسة تقوم بهذه المهمة مع جميع الأصدقاء والجيران والضيوف الذي يأتون إليهم، وكان جلوس الجشي في منزل الحكاك مصادفة، دعته إلى التفكير في الزواج، رغم أن عمره قارب الخمسين.

في العراق مع أقرباء زوجته

الزواج بعد الخمسين

مال قلب الجشي إلى أنيسة، التي رفضت الارتباط بأحد، بعدما سخرت نفسها لخدمة أمها، وكان الجشي يلاحظ ذلك، ولكن عندما توفيت والدة أنيسة، سارع الجشي طالباً يديها، وتحدث مع خالته في الأمر، وطلب منها أن تحدث أنيسة عن أمر الزواج منها، وبالفعل وافقت، وتزوجا عام 1975.
لم يكن لأنيسة شروط لإتمام الزواج، سوى شرط وحيد، هو أن يسمح لها زوجها بالعمل في خياطة الملابس، فكان لها ما أرادت، وبعد ثلاثة أشهر من الزواج، حملت أنيسة بابنها “قطيف”، وضعته عام 1976.

الزوجة تواصل سرد قصصها مع الجشي

وتقول أنيسة “كانت مناسبة الإنجاب مناسبتين؛ ولادة “قطيف”، والذكرى الأولى لزواجي من الجشي، الذي كتب في هذه الأثناء قصيدة بعنوان “بين جيلين“، في إشارة إلى إنجاب “قطيف”، وعمره 50 سنة، وبعد سنتين ونصف السنة، حملتُ مرة ثانية، وأنجبت ابنتي يمامة عام 1979”.

في منزله بالقطيف.. ذكرى زواجه الـ 25

وتُكمل “كان زوجي سعيداً للغاية بمجيء قطيف، ورباه على الاعتماد على النفس، وشجعه على القراءة والتثقيف الذاتي، وكان يصطحبه معه إلى المكتبات”.

وفد القطيف للتعزية بوفاة الملك عبدالعزيز ومبايعة الملك سعود، رحمهما الله، وقد شارك الجشي فيه وهو شاب. ويظهر الثاني من اليمين جلوساً في الصورة.

منزل عراقي

بعد عناء كبير، أسس الجشي بمساعدة زوجته منزلاً في العراق، اشتراه بقيمة 42 ألف دينار، يحتوي على 4 غرف، وحديقة كبيرة. وتقول أنيسة “فاجأني بهذا المنزل، رغم أن قيمته كبيرة في ذاك الوقت، إلا أننا نجحنا في تدبير ثمنه وسداد قيمته قبل الخروج من العراق، ومازال هذا المنزل موجوداً إلى يومنا هذا”.

عبدالمقصود خوجة كرّم الجشي في اثنينيته المعروفة وحضر نيابة عنه ابنه “قطيف” وبعض أصدقائه

لماذا قطيف؟

ولم تفكر الحاجة أنيسة طويلاً في سؤال “صُبرة” لها “لماذا سمى الجشي ابنه بـ”قطيف”؟، وأجابت مباشرة “لأنه أحب القطيف”. وأضافت “حينما ولدته، جاء يسألني هل أسجله عراقياً أم سعودياً؟، فقلت له “أنت أبوه، والأفضل أن يكون سعودياً مثلك”.

تكريمه في مهرجان الرواد العرب

أما ابنته يمامة ـ والحديث لأنيسة ـ فكان ينوي أن يسميها “هفوف”، ولكني توجست، وبعد نقاش، اخترنا لها اسم “يمامة”.

وتُكمل الزوجة قصصاً عاشتها مع زوجها “مع مرور السنوات، واجهتنا الكثير من المعوقات المعيشية، وطلبت من زوجي أن أعود إلى ممارسة مهنة الخياطة التي توقفت عنها فترة، حتى أساعده على تأمين متطلبات الحياة الصعبة، ووافق، واتفقت مع سيدة كانت تحيك الملابس، على أن أقوم بتطريزها”.

مع درع مهرجان الرواد العرب

مجلس وقصيدة

استشعرت أنيسة أهمية أن تكون زوجة شاعر، فثقفت نفسها بنفسها، حتى تكون متذوقة للكلمة الجميلة، واستمعت كثيراً لأشعار زوجها، وكانت الناقدة الأولى لقصائده، وبجانب ذلك، التزمت مسؤوليات أخرى، مثل تربية الأولاد، وإدارة المنزل.

في روسيا.. مشاركاً في إحدى المناسبات

وفي العراق، كان للجشي مجلس يقيمه في بيت صديق له كل يوم أحد، ومجلس آخر كل يوم جمعة. وتقول الزوجة “في أحد أيام، كتب لي قصيدة يتحدث فيه عن صلة الرحم والود بيننا، وفاجأني بها عندما كان في ضيافته أحد الأصدقاء، حيث ذهبت للترحيب به، فأعطاني قصيدة، وطلب مني أن أقرأها، وكانت المفاجأة أنها خاصة بي، وتقول أيباتها:

وارتبطنا برباط أقدسٍ

صانه عهد وحُبٌّ ورحِمْ
واقترنّا ثم صُرْنا بذرةً

ببنينٍ وبناتٍ وأممْ

في مهرجان الجنادرية

قصيدة في قطيف

ولم تقتصر قصائد الجشي على زوجته فحسب. وتقول أنيسة “في عام 1988، كتب قصيدة أخرى لابنه قطيف، عندما تفوق في المرحلة الابتدائية.وفي ابنته يمامة كتب قصيدة أخرى، أسماها “بين اليمامتين”.

وتقول الزوجة “طلبت يمامة من أبيها أن يكتب لها قصيدة تعتز بها، وتقول أبياتها:

طوفي يمامة بالجزيرة

حلوة الأنغام نشوى
طيري لسربك عودة

البطل الذي بالحب يقوى
إن الديار لتزدهي

بالقرب حيث البعد يقوى
إن اليمامة موطن

لك مثل دارين وصفوى

وبعد مرور 25 سنة من زواج الجشي، عاد وكتب لزوجته قصيدة أخرى، بعنوان “باقة ورد”. وتقول الزوجة “كتبها في القطيف، وقال فيها:

أهديك ياسيدتي

باقة وردٍ عطره
تحية من مخلصٍ

لذكريات مزهره
حيث الوفاء عنده

أصالة ومأثره

العراق.. الأردن

أمضى الشاعر الجشي قرابة 23 سنة في العراق، محتفظاً بجنسيته السعودية. وكانت أموره شبه طبيعية، إلى ظهرت أزمة الخليج الثانية، باحتلال الكويت. وهنا تعقدت الأمور، وساءت العلاقات السياسية أكثر، وباتت منطقة الخليج كلها على شفا حرب كبيرة. وهنا؛ كان لا بدّ للشاعر الجشي أن يغادر العراق ويعود إلى وطنه.. وفعلاً؛ غادر أولاً إلى الأردن..

القصة طويلة، ومعقدة، لكن خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله، حسم الأمر وأمر بتسهيل عودة الشاعر الجشي وأسرته إلى وطنه، بكل احترام.. وعن الجانب الأسري في هذه القصة تقول السيدة أنيسة الحكا إنها من الذكريات الراسخة في عقلها، فقد فرقت تفاصيلها بينها وبين أسرتها أياماً عديدة..

تضيف “قبل ذهابنا إلى الأردن، كان علي أن استخرج جواز سفر عراقياً منفرداً، حيث كنت مُسجلة مع زوجي وأبنائي في جواز سفر واحد، ويجنبني هذا الجواز أي إشكاليات قانونية قد تحدث، في حال خروج زوجي من الأردن لأمر ما، وتركني في هذا البلد، وتمنع الأنظمة أن أجلس في الأردن دون جواز خاص بي، لذا طلبت من زوجي أن يذهب بقطيف ويمامة إلى الأردن، وينتظرني هناك، حتى أنتهي من إصدار جواز سفر”.

والده الفقيه الشيخ علي الجشي

وتُكمل “صدر الجواز، وأتذكر إنهم سألوني، هل تريدينه للأردن فقط برسوم 50 ديناراً، أما لأقطار عدة، برسوم 100 دينار، فدفعت المبلغ الأكبر، وأثناء تسلمي الجواز، بحثت عن جوازي في كومة كبيرة من الجوازات، ورغم ذلك وجدته بسهولة، كأني أعرف موقعه”.

17 يوماً

وتقول الزوجة “لحقت بأسرتي إلى الأردن، بمساعدة صديقنا أبو حسن علي الغنام يرحمه الله، ووصلت إلى عمان بعد قضاء 17 يوماً بعيدة عنهم، وكان ابني قطيف طوال هذه المدة يحدثني في الهاتف، ويطلب مني اللحاق بهم سريعاً، وأتذكر كلماته وهو يقول لي “يمه عاد تعالي، متى ترجعي، خبرنا بيوصل للقنوات التلفزيونية”، وجلسنا في الأردن 5 أشهر، كانت صعبة للغاية، تعلم خلالها قطيف اللغة الفرنسية، في هذه الأثناء، كان الزوج الشاعر يبذل محاولات للحصول على موافقه من خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ للعودية إلى المملكة كوني عراقية، وأثناء الإجراءات قال لي عبدالله “إما أن تذهبي معي إلى المملكة، أو نعود إلى العراق، ولكن سرعان ما حصلنا موافقة خادم الحرمين الشريفين، وحصلت على تأشيرة دخول المملكة مع أسرتي”.

إلى القطيف

وفي فبراير من عام 1993، توجه الجشي بصحبة أسرته إلى القطيف، وهو ما كان يصادف بداية شهر شعبان. وتقول الزوجة “كانت أول مرة لي أزور فيها القطيف، علماً بأنني سبق أن زرت المملكة لأداء فريضة الحج، وزيارة مسجد الرسول صلى الله عليه وآله سلم، وسكنا ـ أولاً ـ في منزل الشاعر محمد سعيد الجشي (أبي رياض) زوج أخت الجشي لمدة 8 أشهر، وجلست معنا أخته (أم رياض)، ثم انتقلنا إلى منزلهم القريب من مبنى بلدية القطيف ، وتحديداً في شارع الخزامى بعد تجديده.

مسارات التعليم

في القطيف، كان الجشي حريصاً على التحدث طويلاً مع ابنيه عن تاريخ المحافظة وأعلامها وما تشتهر به، حتى يقتربا منها، ولم يشأ الأب أن يوجه ابنيه إلى مسارات تعليمية بعينها، وإنما اكتفى بمساعدهما على تعليم نفسيهما دون الاعتماد على أحد.

وتقول الزوجة “حينما عدنا إلى القطيف، كان ابني قطيف في الصف الثاني الثانوي، ويمامة في الصف الأول المتوسط، وأتذكر أنه لم يتدخل في تعليمهما متعمداً، واكتفى بدور الموجه والمشرف فقط، لذا فقد برع قطيف ويمامة في دراستهما، وكنت أراقب دفاترهما، وكان قطيف يكتب الإنشاء بنفسه، دون مساعدة من أحد، وهو في الصف الخامس الابتدائي، وكان أسلوبه وخطه جميلين، وأتذكر عندما كان في المرحلة المتوسطة، طلب من والده أن يكتب له موضوع إنشاء، فرفض الأب بشدة، وقال له “اكتبه بنفسك، وأنا سأراجعه لك، ولكنني لن أكتب شيئاً بالنيابة عنك”. وتخرج قطيف في جامعة البترول مهندساً، ويمامة طبيبة من جامعة الخليج العربي في البحرين.

لقطة تذكارية مع بعض أصهاره في العراق

الأب والزوج

وبعيون غارقة في ذكريات الماضي الجميل، تختتم الزوجة حديثها “ليت الرجال كلهم مثل أبي قطيف، كان أبا حنوناً، في الوقت نفسه كان حازماً، لا يرفض لأسرته طلباً”.
وتُكمل “إذا كان الجشي أباً مثالياً، فهو أيضاً زوج مثالي، كانت الثقة متبادلة بيننا، وكلني أمور المنزل وإدارته بشكل كامل، وكنا يداً واحدة في اتخاذ القرار، ونشرك معنا “قطيف” و “يمامة” في أي قرار نتخذه، وقد علمنا الجشي معنى الحب والتآلف، وأن نكون أسرة متجانسة، يخاف كل منا على الآخر”.

تعليق واحد

  1. بعض المعلومات مخالفة للواقع انا ايضا كنت اعيش في بغداد في الفترة التي كان ابو قطيف في بغداد قبل زواجه من ام قطيف وكنت ازوره مع بعض الاصدقاء المقيمين في بغداد وكان هو ايضا دائما يزورنا مع علي حسن غنام والذي وقد عدت الى البلد قبل عودته وهناك معلومات اخرى لا اعلم لم تذكر .

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com