13 عملية في 22 سنة.. “تهاني” هزمت السرطان.. بزوج صادق وأبناء لم تُنجبهم لم يتزوج بغيرها من أجل الإنجاب حتى بعد استئصال رحمها

صفوى: أمل سعيد

13 عملية جراحية خضع لها جسد تهاني محمد إبراهيم، خلال رحلة علاج امتدت 22 عاماً، ولم يمض على آخر عملية أجرتها سوى 3 أشهر.

أكثر من عقدين، اختبرت فيهما تهاني أنواعاً مختلفة من أحاسيس الألم والأمل، الخوف والرجاء، رحلة ليست سهلة أو قصيرة أو هينة، لكنها في كل لحظاتها كانت تدرك أن «وراء كل الابتلاءات فيضاً إلهياً، يداً من الغيب تحنو، ومزيداً من الصقل للروح، فالله يريدني أن أكون قريبة منه، كما هو دائماً قريب منا».

السرطان يطرق باب الرحم

كانت في نهاية العشرينيات من عمرها، وتحديداً في شهر نوفمبر من عام 1999، حين زارت تهاني عيادة النساء والولادة في المستشفى. هناك كانت البداية «لم تكن الدورة الشهرية منتظمة، كانت أشبه بنزيف حاد، حصل ذلك مراراً، ولكن في الفترة الأخيرة؛ بدأ بطني ينتفخ بصورة غير طبيعية، وكنت ما زلت عزباء لم أتزوج، وبعد الكشف والأشعة أخبروني أن عندي ورم في الرحم، ولأنني ما زلت عزباء قالوا: لا نستطيع عمل الكثير لك».

لم يكن استئصال الرحم ضمن خيارات تهاني، فهي ككل بنت تحلم أن تتزوج، وتنجب أطفالاً، لذا «خرجت من المستشفى وعدت إلى حياتي، ربما أقلقني الوضع مرات، وكلما شعرت أن الألم فوق طاقتي؛ تناولت مسكناً، لكنني سرعان ما أنساه أو أتناساه».

عام 2002؛ تزوجت تهاني، وحصل ما كانت تفر منه «بعد 3 أشهر من زواجي؛ لاحظت أن بطني انتفخ أكثر، ولأن زوجي كان يعلم بأمر مرضي؛ أصرّ أن نذهب إلى المستشفى، وهناك أخبرونا بأن المرض انتشر في الرحم، ولا بد من استئصاله».

كان اتخاذ قرار كهذا؛ خاصة أنها في بداية حياتها الزوجية، «أمراً في غاية الصعوبة، الموافقة على العملية؛ تيعني أن أقبل أن أعيش حياتي بلا أولاد. لكن زوجي أصر أكثر على أن أُجري العملية. قال: صحتك أهم.. وما زلت إلى اليوم أتذكر جملته حينها: عندما ذهبت لخطبتك من أهلك كنت أريد زوجة، ولم أطلب أماً تنجب لي أطفالاً.. بقدر الغصة التي شعرتُ بها؛ كان كلامه بلسماً، بل كان هو من أمدني بالقوة والأمل».

جلسات من العلاج الكيماوي خضعت لها تهاني في مستشفى الملك فهد.

العلاج الكيماوي

خضعت تهاني لعملية في مستشفى الملك فهد التخصصي بالدمام، تم فيها استئصال الرحم، وطمأنها الأطباء إلى أن المشكلة انتهت تماماً، وأنها في طريقها للتعافي، تقول «استمرت متابعتي في المستشفى بشكل منتظم، ثم نقلت متابعتي إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي في الرياض، وفي أول زيارة لهم؛ أخبروني أن المرض مازال يسري في جسمي، رُغم استئصال الرحم».

 في تلك اللحظة؛ تقرر أن تبدأ تهاني جلسات العلاج الكيماوي، لكنها رفضت ذلك بصورة قطعية. لم تكن تقبل أن يتدخل أحد في قرارها «حاول أفراد عائلتي في البداية، لشدة حبهم وخوفهم عليّ أن يغيروا رأيي، وأن يقنعوني بجدوى العلاج الكيماوي، لكني كنت صَمَمْتُ عن سماع ما لا أريد، وقلت لهم بشكل حازم: هذا القرار يخصني وحدي، وأنا لن أُعرّض جسمي للكيماوي، وفعلاً احترم أهلي قراري، وبقيت من عام 2002 حتى 2015 على المسكنات، وفقط عند الضرورة».

في عام 2015؛ وخلال مراجعة اعتيادية للمستشفى، علمت تهاني أن المرض وصل إلى القولون والمعدة والمريء، تقول «مرة أخرى؛ حاول المقربون مني إقناعي بضرورة العلاج الكيماوي، ولأجلهم فقط وافقت، وذهبت لأول جلسة، وأخذت الجرعة الأولى، رأيت الموت حقاً، ودخلت العناية المركزة وبقيت فيها ثلاثة أسابيع».

بعد أن رأى زوج تهاني، ما حدث لها في جلسة العلاج، وبعد أن خرجت من غرفة العناية؛ اقترح على الطبيب إجراء عملية استئصال للأجزاء المصابة، بدل الكيماوي، لكنه رفض ذلك، تقول «أخبرنا الطبيب ألا فائدة من العملية حيث تمكن السرطان من الأعضاء المصابة، وأنني في الفترة الأخيرة من حياتي، وقال: بقي لك سنة، حاولي أن تعيشيها بهدوء، والعلاج الكيماوي سيساهم في تمديد ما تبقى لك من وقت».

بعد تلقي تلك الصدمة من الطبيب، خرجت من المستشفى تهاني دون تحديد موعد الثانية، خرجت تاركة خلف ظهرها كل ما سمعت، مؤمنة أن الله وحده من يحدد متى ينتهي العمر ويتوقف النفس. وكان بحسب اتفاقها مع زوجها قبل أن يدخلا المستشفى، أنهما سيذهبان للبحرين للترفيه والتسلية، تقول «هو يوم إجازة مرضية، فلا بأس من التسلية، لكن بعد أن خرجنا من المستشفى، سار زوجي في طريق العودة للبيت، فقلت له: نحن متفقان على الذهاب إلى البحرين، ولن أسمح لأحد بإفساد حياتي. أنت الشخص الذي أستمد منه قوتي فلا تجعل كلاماً بلا قيمة يؤثر فيك، وفعلاً وافقني وذهبنا إلى البحرين، وأمضينا وقتاً طيباً».

..وفي البحرين عرفت تهاني درب العلاج.

الصدفة تدبير إلهي

في البحرين؛ سألته: ما الضير في تمديد رحلتنا يوما آخر؟ وافق بلا تردد، وكأنه يلبي رغبات مُودّع، وبقيا هناك.

لتدبر السماء كلمة، وكثير من ذلك التدبير نحسبه «محض صُدفة»، تكمل تهاني «في مجمع تجاري، التقيت صدفة بامرأة تعرفت عليها في سفرة سابقة إلى العراق، سألتني عن أحوالي، فأخبرتها قصتي، فنصحتني بمستشفى متخصص في ألمانيا، ومدحته كثيراً، لأن لهم تجربة ناجحة معه، فوالدتها كبيرة في السن ومصابة بالسرطان، وبفضل الرعاية الطبية التي تلقتها هناك، تماثلت للشفاء، وفي نهاية حواري معها؛ أعطتني البريد الإلكتروني للمستشفى».

بعد هذه المحادثة بين تهاني وتلك المرأة؛ قررت وزوجها أن يخوضا التجربة، وأن تذهب برفقته لألمانيا، طلباً للعلاج، رغم ارتفاع الكلفة التي عرفاها بعد التواصل مع المستشفى، حيث بلغ التقدير الأولي 150 ألف ريال.

«لم يكن المبلغ عائقاً خاصة عند زوجي، ففي اليوم التالي ذهبنا البنك، وقدم كل منا على قرض، سافرنا إلى ألمانيا، وهناك أجريت لي كل التحاليل والأشعة المطلوبة، وقرر الدكتور فرانك المسؤول عن حالتي، سرعة إجراء العملية، واستئصال الأجزاء التي طالها المرض من المعدة والمريء والقولون، ونبهني إلى أمرين، الأول أن جسمي سيفقد من كتلته، بعد العملية، وسأصاب بالهزال في البداية، والأمر الآخر أنني سأصاب بالإمساك المزمن، وافقت ورضيت بما كتبه الله لي، ودخلت غرفة العمليات بعد 4 أيام من وصولي، ومكثت في المستشفى بعد العملية 32 يوماً».

قبل العودة؛ أعطى الدكتور فرانك مريضته وصفتين وأكد عليهما، الأولى كانت لإبر يجب أن تأخذها يومياً، ولمدة 3 أشهر، تبلغ قيمة الواحدة 400 ريال، والوصفة الثانية لأقراص يجب أن تتناولها يومياً.

«بعد عودتي اشترينا الإبر من الكويت، وشغلتني مشكلة تخزينها؛ فنسيت الأقراص؛ حيث أنه لا بد أن تحفظ في درجة حرارة معينة، إلى أن اتفقنا مع مستشفى في القطيف بأن يحتفظ لي بالإبر عندهم، والحقيقة أنهم كانوا متعاونين معي جداً، فلم يأخذوا قرشاً واحداً على هذه الخدمة».

استمرت تهاني في أخذ الإبر الوريدية كما أمر الطبيب تماماً، رغم أن ذلك كان يستغرق حوالى 90 دقيقة يومياً.

أما الأقراص التي نسيتها، والتي تعمل على الحد من انتشار المرض في حال ظهوره. فلم تنتبه لنسيانها إلا السنة الماضية، تضيف «تذكرت الأقراص التي كان يجب عليّ تناولها، بعد أن شعرت بآلام في الكلى، إضافة إلى ظهور مشكلة الأبوال المتقطعة بصورة متعبة، حيث كان تفريغ المثانة يشكل لها «عبئاً»، فلا تمضي ربع ساعة حتى تذهب للحمام، ولا يخرج منها سوى قطرات. ولأن متابعاتها كانت في مستشفى مصري؛ لم أتمكن في بداية جائحة كورونا من الذهاب. وفي شوال الماضي؛ ذهبت هناك حيث يستقبل المستشفى الدكتور فرانك الذي يتابع حالتي».

تكمل تهاني «هناك سألني عن حالي وحكيت له بالضبط الأعراض التي أشكو منها، فسألني عن الأقراص التي كان يتوجب عليّ أخذها، فقلت له إنني نسيتها، وبعد إجراء كامل الفحوصات والأشعة والتحاليل؛ تبين أن الورم وصل الغدة فوق الكظرية، وقال الدكتور إن الخوف كبير جداً من وصوله إلى الكلى، فتخسرينها، لذا لا بد من إجراء العملية، وتحدد موعد إجرائها في شهر ذي القعدة، وكتب لي 3 إبر يجب أن آخذها قبل العملية بـ3 أسابيع، إبرة كل أسبوع، ولم أجد الإبر إلا في العيادات التخصصية في الرياض، وكان سعر الواحدة 1500 ريال».

السفر يستهوي تهاني.. أذربيجان إحدى المحطات.

قبل كل عملية

تحرص تهاني أن على تعيش حياتها بشكل طبيعي، بل لا تدع مجالاً لليأس يُمكّنه من التسلل إلى روحها، وتعتبر أن كل يوم تحياه هو «نعمة كبرى فلا بد أن أعيشه وأسعد به». لذا؛ وضعت لنفسها بروتكولاً محدداً تنفذه قبل كل عملية تجريها «أنا أحب أن أمتع نفسي، وأبعد عن ذهني أي فكرة سلبية، فقبل كل عملية أحرص دائما أن أغير جو وأسافر، وكالعادة طلبت ذلك من زوجي، لكنه اعتذر، لأنه لم يستطع الحصول على إجازة من العمل، فسافرت مع أحد أولادي (أولاد أختي)، إلى أذربيجان، أمضيت أياماً مرحة، ولأن موعد العملية اقترب، كانت عودتي من أذربيجان إلى مصر، فالمستشفى مباشرة، وفي اليوم الثاني من وصولي أجريت لي العملية، وأزيلت الغدة الكظرية، ودخلت العناية المركزة».

تكمل بصوت يملؤه المرح، وبخفة ظل، يندر أن يجتمعا في مُبتلى «جاء زوجي وأختي وابنها الثاني مصر، وفي اليوم الثالث أخرجوني من العناية المركزة، وإذا بكل أحبتي حولي. نظرت إليهم وهم حافين بي، وقلت «هدويه، ليكون جايين تزوروا أبو الهول؟!!)».

خرجت تهاني من المستشفى وعادت إلى بلدها. لم تنس هذه المرة أن تجلب معها الأقراص التي نسيتها 4 سنوات.

زوجي هبة من الله

بكثير من التقدير؛ تتكلم تهاني عن زوجها، الذي ترى أنه كان «الداعم الأهم» في حياتها، «زوجي هبة من الله، لا أفتأ أشكر ربي عليها، الحمد لله لقد حظيت برجل مُحب، ومتفان، ومهما أمد الله في عمري؛ فالفضل يعود إليه في تقوية إرادتي وتعزيز ثقتي بنفسي».

تكمل «بلغ مجموع العمليات التي خضعت لها في رحلة العلاج 13 عملية، فقد أجريت عملية استئصال رحم، ثم المبيض، فغلاف الرحم، والمرارة إلى أن وصلنا للمعدة والمريء والقولون، وأيضاً إزالة ورم بجانب الثدي، ومؤخراً الغدة الكظرية (فوق الكلوية). كل تلك العمليات تمت وزوجي بجانبي، لم يتركني، لم يتخل عني يوماً، وكان بمقدوره فعل ذلك، ولن يلومه أحد، لكنه كان زوجاً مُحباً ووفياً، يندر وجوده هذه الأيام».

أولاد تهاني

لم ترزق تهاني بأولاد، فقد استأصلت الرحم بعد 3 أشهر فقط من زواجها، ومع ذلك تعتبر أن الله أنعم عليها بالأولاد، ولم يحرمها من شعور الأمومة «لم أنجب الأولاد من رحمي، لكنني رزقتهم من غير تعب حمل وولادة، فأولاد أختي بمثابة أولاديّ، بل هم أولادي، ومنذ طفولتهم وهم ينادونني «ماما»، يحيطون بي، ولا أطيق فراقهم».

السرطان القاتل

في «قروبات» الدعم لمصابي السرطان؛ يتردد اسم تهاني كثيراً، فتجربتها الطويلة تجعلها «خياراً» للنساء اللاتي يطلبن النصيحة والدعم، تقول «تردني اتصالات كثيرة من نساء، ليس بيني وبينهن سابق معرفة، يطلبن مني المساندة، ونصائح للتعامل مع المرحلة الجديدة التي يعيشونها، وأحاول بذل أقصى ما أستطيع من أجل خلق الأمل في نفوسهن، وإبعاد فكرة السرطان القاتل من أذهانهن، واستبدالها بأنه مرض كأي مرض، بإمكاننا التغلب عليه والشفاء منه، لا فرق بينه وبين الأنفلونزا، هي أيضاً تقتل من يستسلم لها، وكلاهما – ككل مرض – يحتاج من ينفخ فيه الروح، ليجعله قادراً على القتل».

تستطرد تهاني «سألتني إحدى المريضات اللاتي يتصلن بي: تهاني كيف استطعت العيش مع كل هذا الألم؟ قلت لها ومن دون مسكنات في أوقات كثيرة؟، قالت: إذن أنت تدّعين الألم».

أجبتها «أنا لا أمثل ولا أدعي، ولكنني مؤمنة أن النفسية هي المسكن الأول، وإرادتك هي المسكن الأهم، الوجع يزيد إن فكرتي فيه، فاشغلي نفسك بغير الوجع».

الموت القريب البعيد

«قبل شهر كنت في محفل نسوي، وإذا بامرأة تسعل بطريقة غير طبيعية التفت، كما الجميع إليها، وما كادت تنهي سعالها حتى انقطع نفسها وفارقت الحياة، قلت في نفسي: لا إله إلا الله، واجهتُ المَرار وما مُت، وهذه المرأة كحتين وتموت، وكأنها رسالة لي: تنبهي يا تهاني، ليس من أحد بعيد عن الموت، ولا أحد قريب منه، كل سبب قد يقود إلى الموت، وقد يكون أتفه من أن نتخيل أنه يُميت».

للمزيد من قصص محاربات السرطان؛

اقرأ أيضاً:

بعد السرطان والكيماوي والاشعاعي.. أمينة الفرج صارت «أجمل»

مريم السيهاتي.. سرق السرطان منها 15 غدة.. وانتصرت عليه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com