[12] قبس من سماء رمضان

الدكتورة رانية الشريف العرضاوي*

 

{وقالَ نسوةٌ في المدينةِ امرأةُ العزيز تراوِدُ فتاها عن نفسه قد شَغَفها حُبًّا إنّا لنراها في ضلالٍ مبين} يوسف/30:

في أحسن القصص، تتوالى أحداث قصة نبي الله يوسف عليه السلام، مشهد تلو مشهد، ضمن سياق تعبيري متين، الحُسن في لفظه وتركيبه يقود الألباب إلى التأمّل الطويل. وفي آية اليوم، يأتي ذكر حديث النسوة حول امرأة العزيز التي كانت محطّ نميمتهنّ، وهي السيدة ذات المقام الرفيع في الوسط المترف مالا وسلطة وصيتا. ولكنها أيضا، هي التي وقعت في جُرم حبّ خادم لها.

وتتشكّل المفردات في تركيب هو غاية في الجمال والبلاغة. حيث تقف كل لفظة لتؤدي معنى عميقا، يجتذب السامع للقصة فيتابع ما فيها بلا ملل ولا كلل. ولو وقفنا عند قول النسوة حكايةً : (قد شغفها حبا)، لوجدنا لطائف دلالية عميقة. فاختيار الشغف للتعبير عن نوع الحب الذي كان في قلب امرأة العزيز أو زليخة كما هو شائع، هو حبٌّ حجَب عقلها عن رؤية الحق، وطمس عنها كل شيء عدا الوصول إلى غايتها. وهذا هو الشغف تماما. إذ يذكر ابن قيم الجوزية في كتابه روضة المحبين، أنّ الشغف من أسماء المحبة، وهو من الشغاف، والشغاف غلاف القلب أو جُليدة دونه كالحجاب. وشغفه الحب أي بلغ شغافه؛ أو دخل حبه تحت الشغاف. وهو أعلى من المحبة؛ فالمحبة غليان القلب واهتياجه إلى لقاء المحبوب، وفيها معنى اللزوم والثبات ومصاحبة المحبوب على الدوام، يقال فيها:

وَمِن عجَبٍ أني أَحِنُّ إليهمُ

وأسألُ عنهم من لقيتُ وهم معي

وتطلبهم عيني وهم في سوادها

ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي

فالحبيب لا يغيب، ولذلك يقال:

خيالُك في عيني وذِكركَ في فمي

ومثواكَ في قلبي، فأينَ تغيبُ؟

والمحبة قد تكون مع الرشد وعدم حجب الحكمة، لكن الشغف يحمل حجبا شديدا للعقل في التمييز بين حق وباطل، ويقع تحت سيطرة تحقيق الوصول إلى المحبوب بأي وسيلة كانت، ولذلك هو خامس مراتب الحب صعودا. وهذا ما كان من فعل امرأة العزيز تماما، إذ فارقت رشدها واختارت المراودة على غيرها. وقد جاء في قراءة: (شعَفها) بالعين دون الغين. والشعَف هو الهوى إذا بلغ حدّ الاحتراق، مع حصول اللذة بألم، وهو حال عجيب للمحبة، يكون فيه العقل مغيّبا، ويكون الطيش وسوء التقدير حاضرا لا محالة، ولذلك من كلام عامة أهل الحجاز عن الولد الطائش كثير الحركة: (هذا ولد مشعوف). وهو وصف كائن في نفس امرأة العزيز التي فارقت رشدها في ذلك المقام وتحركت للوصول لغايتها بلا رشد.

ومن ثمّ، تبدو اللفظة القرآنية واصفة بدقة حال قلب امرأة العزيز، مؤكدة تخليها عن الرشد والتعقل، وانفلات زمام الإرادة معها بسبب اختراق الحب لباطن قلبها ليكون شغفا غير محمود الفعل. فيتربع في سويداء قلبها ملوّحا بالعقل ومخضعا للجوارح. وهذا الحال ناسب تماما خاتمة الآية الكريمة : (إنّا لنراها في ضلال مبين) على لسان النسوة، فالضلال نتيجة متوقعة للشغف الحاصل في هذا المشهد، من سيدة أشير إلى مقامها الاجتماعي العالي (امرأة العزيز)، وفعلها الغريب من التعلق ب(فتاها) أي خادمها الذي يصغرها عمرا ومقاما اجتماعيا، وفق نظرة المجتمع النسائي الذي يلوك نميمة يتلذذ بها مع طبيعة الطبقة المخملية المُشخّصّة في هذا المقطع من قصة يوسف عليه السلام.

والله أعلم

____________

* أستاذ مساعد، قسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

تعليق واحد

  1. مقال جميل يا دكتورة ، كجمال المقالات السابقات بين يديه.
    ملحوظة خفيفة:
    أتمنى التأكد من معنى (فتى)، والتفريق بينها وبين (خادم)، فهما لفظان متغايران لامترادفان.ولذلك استعمل القرآن الكريم في سورة يوسف ، اللفظ الأول للثاني.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com