فاطمة البيات.. بنتُ أبيها.. ودمعته الثانية خلال 75 سنة آخر من تبقّى من رائحة "الشيخ منصور" ونسخة من ورعه ولطفه ومحبّته

القطيف: ليلى العوامي

في شهر صفر سنة 1367 فقدت شقيقها الوحيد الشاب “أحمد”، قبل حفل زواجه بأيام. كانت في العاشرة من عمرها. وكان وحيد أبويه، وهي ـ مثله ـ وحيدة أبويها أيضاً. وفي شعبان 1420 فقدت والدها الشيخ منصور بن الحاج عبدالله بن عبدالعزيز البيات.

مرت ثلاث أرباع قرنٍ على ألمِها الأول بفقد شقيقها، و22 سنة على ألمها الثاني بفقد والدها الذي كان أيقونة ورعٍ وزهد وتُقى يكاد يكون استثنائياً. وأمس السبت؛ لحقت بشقيقها ووالدها، خاتمة 84 عاماً من حياة أشبهت حياة والدها العالم الزاهد، ناشرة برحيلها حزناً شفيقاً في القطيف التي فقدت واحدة من جيل الخطيبات القديم.

الحاجة فاطمة، أرملة الحاج حسين بن الحاج تقي بن مهدي الزاير الذي سبقها في الارتحال من عالم الدنيا، في 13 من ذي القعدة 1439هـ، ولهما من الأولاد: فؤاد “أبو منصور”، كامل “أبو مصطفى”، مهند “أبو هادي”، شفيق “أبو تقي”، محمد “أبو أمير”، وعلي “أبو حسين”.

ومن البنات: فاطمة هنية “أم سيد محمد”، صباح، ابتسام “أم الدكتور أحمد”، فتحية “أم حسن”.

علم وكرم وفضيلة

عُرِفت الراحلة بالعلم والكرم والفضيلة، فقد تربت في بيت علم ودين في حي القلعة بالقطيف. تعلمت الحساب الهندي عند الحاجة ملوك بنت الشيخ محمد الماحوزي، والقران الكريم عند الحاجة فاطمة بنت الحاج علي محمد الماحوزي.

فيما تعلمت الكتابة على يد الملا عيسى عبدالعال، الذي علمها الكتابة والإملاء وطريقة مسك القلم، بحسب ابنتها هنية الزاير. فيما ورثت علم والدها وعائلتها (رحمهم الله).

تنتمي المرحومة إلى أسرة دين وعلم وثقافة، فوالدتها السيدة زكية بنت المقدس السيد محفوظ العوامي، وأخوالها: المرحوم السيد محمد السيد محفوظ العوامي، المرحوم السيد علي السيد محفوظ العوامي، المرحوم السيد حسن السيد محفوظ العوامي، المرحوم السيد حسين السيد محفوظ العوامي، وعمها المرحوم السيد محمد السيد علوي بن المقدس السيد حسين العوامي.

تميزت الحاجة أم فؤاد، بكونها خطيبة حسينية وأديبة، وعرفها مجتمعها ببساطة العيش والكرم والسخاء، وباب بيتها الذي لم يغلق أبداً.

مجلس الشيخ منصور البيات في منزله بالقلعة

شريكة والدها في الكتابة

ارتبطت الراحلة بعلاقة وثيقة بوالدها، الذي اشترط على زوجها أن تبقى في منزله بعد زواجهما، بحسب ما ذكره ابنها فؤاد الزاير، الذي قال لـ”صبرة” “كانت رفيقة والدها في الكتابة والتحضير والتأليف، خاصة بعد وفاة أخيها أحمد، الذي توفي قبل زواجه بأسبوعين، إذ أصبحت تُحضرّ وتكتب للشيخ كتبه من بدايتها حتى نهايتها”.

كما كانت لها كتبها الشخصية، يضيف ابنها فؤاد “لوالدتي مؤلفات كثيرة، ومعظمها مواليد ووفيات أهل البيت عليهم السلام، ومنها: النور البادي في مولد الإمام علي بن محمد الهادي (عليه السلام)، والنور الأزهر في مولد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)، والنور الرائق في مولد الإمام الصادق، ومولد شبيه الخمسة: علي بن الحسين الأكبر (عليه السلام)، كما لديها كتاب لوفاة السيدة خديجة (عليها السلام) يحوي كل تفاصيل حياتها”.

يتابع الحاج فؤاد “شاركت في تأليف كتب والدها، وشارك والدها في تأليف كتبها، وهي تشير دائماً في مقدمة كتبها إلى ذلك، ومنها كتاب “النظرة الرشيدة في المباهلة السعيدة”، و”النظرة الظالمية”.

محبة للناس

وبحزن؛ تقول سهام محمد علي الجشي، إحدى قريبات المرحومة “الكلام لا يوفيها حقها، من كرم، جود، أخلاق، وسعة صدر. كانت تسأل عن الصغير والكبير، متواضعة لأبعد حد، محبة لكل الناس، وتساعد الفقراء”.

تضيف الجشي “بالنسبة لي؛ لو أتأخر عن العزية؛ كانت تكلمني وتسال: ويش فيش تأخرت؟ وأي أحد يغيب عن العزية تسأل عنه، وتوصل سهمه إلى بيته. كما كانت وصولة لأرحامها. ورغم مرضها ولكن عندما رجعت من العراق؛ جاءت لزيارتي، لا ترضى أحد يخرج من العزية وهو زعلان أبداً، دائماً ترضي الجميع، سعة أخلاقها لا توصف. في أيام صحتها كانت تمر على أمي (الله يرحمهما) وجيرانها وتدور على الفواتح في كل مكان: تاروت، صفوى، سيهات، القديح والتوبي، من تعرفه ومن لا تعرفه تروح فاتحته، للثواب”.

ولفتت إلى أنها “لا تترك قراءة القران والأدعية اليومية، مداومة على سورة الزخرف، لأنها تعتقد أنها تنجي من عذاب القبر، بكاءة على الإمام الحسين، وتشجع الجميع على المشاركة في القراءة الحسينية، بيتهم مقصد للزائرين والمصلين، كانت تقيم صلاة جعفر في آخر جمعة من شهر رمضان، وكنا نصلي معها صغاراً، ومازال بيتهم مقصداً للجميع، لو تسمع عن أحد شيء تبادر فوراً للاتصال والسؤال عنه”.

الحاج حسين الزاير زوج المرحومة الحاجة فاطمة البيات.

قدوة ومثل أعلى

بدورها، وصفت الخطيبة الحسينية مريم بنت الشيخ علي المرهون، الراحلة بأنها “مؤمنة وخادمة الإمام الحسين (عليه السلام)، كانت تلقي الكلمة من دون تحضير”، مضيفة “بيتها مفتوح للغريب والقريب والأهل، رحمة الله عليها”.

وتضيف عنها “كانت قدوتنا ومثلنا الأعلى في الإيمان، والصفات الحسنة: الإيمان، التقوى، المحافظة على العبادة، وإذا سمعت أحد متوفى؛ تسأل عن اسمه، وتصلي له صلاة الوحشة، متحدثة بارعة، محبة للناس، كريمة نفس، نشأت في بيت علم”.

وداد مهدي الجشي (قريبة الشيخ منصور البيات)، تقول عنها: “خادمة الحسين (عليه السلام) منذ طفولتها، فقد كانت تسكن منزل والدها حتى بعد زواجها في القلعة، فتحملت مسؤولية مأتم والدها وجدها قبله، فبقيت مع والديها كونها وحيدتهما. تميزت الحاجة فاطمة بأنها خلوقة حبوبة ومتواضعة، لم تتركني يوماً من دون سؤال، تحب الأهل، وكانت خالتي ملكة الماحوزي متعلقة فيها كثيراً فعلاً، إنسانة بمعنى الكلمة، خسرتها القطيف”.

في زواج أحد أحفادها (محمد فؤاد حسين الزاير) مع المرحوم الجد حسين الزاير ومعهم الأب والأعمام وأولادهم.

حنان فياض

ترتبط نهاية علي الشيخ بعلاقة قرابة مع المرحومة الحاجة فاطمة البيات، فهي ابنة عمتها، وبحزن وأسى تقول “نحن نشاطرهم الحزن بفقدها (رحمها الله)، أم فؤاد كانت أماً للجميع، فيض حنانها وأخلاقها أغرق الجميع، وهي قمة في الإنسانية والحب والعطاء والكرم، مبتسمة دائماً، رغم الألم، محبوبة من الجميع، تتواصل مع الجميع. ورغم مرضها دائماً ما تؤدي الواجبات بزيارتها الأهل والأصدقاء، وقطعت ذلك بسبب المرض، ولكنها لم تترك التواصل عبر التلفون، إنسانة مؤمنة فهي الإرث الموروث من والدها الشيخ منصور البيات”.

تسأل نهاية “ماذا أقول فيها وعنها؟ يعجز اللسان عن ذكر أفضالها وأخلاقها. بالفعل فقدنا إنسانة لا تعوض، ولكنني أقول: ربي أرحمها، وأغفر لها، وعوضها بما قاست من آلام وصبر بالجنة، إنك غفور رحيم، وألهم أولادها وبناتها وأهلها وذويها الصبر والسلوان. إنا إلى الله وإنا إليه راجعون”.

مؤلفات الفقيدة الحاجة فاطمة البيات.

الابتسامة وكسب الناس

تستحضر الحاجة زهراء بنت الشيخ فرج العمران (أم علي الجشي)، ما تعلمته من الراحلة “ابتسمي تكسبي حب الناس”، تقول “رحمها الله . منذ نشأت وأنا أراها معنا في مأتم الوالدة، وكانت تعاملني كابنتها، وأنا أبادلها احترام البنت لأمها. وطوال حياتي معها لم أسمع منها كلمة إساءة لي أو لغيري”.

تضيف “كان المكان الذي تكون فيه يشرح النفس، كنت أحبها كثيراً، ولا أعرف أصف حزني لفقدها. رحمك الله يا أمي، يا أختي، يا أم فؤاد”.

زوج الراحلة وابنها البكر الحاج فؤاد الزاير.

أخلاق عالية

وتقول السيدة صديقة علوي الخباز (أم محمد) “لا أعرف عن المرحومة الا كل الخير، منذ طفولتي وأنا أراها مقدامة على فعل الخير، تعطف على الصغير، وتصاحب اخواتها من جيلها، وتقدم النصح لمن هن في سن بناتها. كانت ذات أخلاق عالية جداً، كانت ابتسامتها تسبق كلمتها، حتى والله كنا نخجل من النظر في وجهها عندما تكلمنا، وكان بيتها مجلس الخير والذكر، متواضعة خلوقة، واللهِ يعجز لساني عن وصفها. كانت في شبابها رفيقة الدرب مع الوالدة، ومنزلها مجلس نساء القلعة. وقد تكون خانتني الذاكرة عن ذكر معظم فضائلها، اللهم أرحمها وأرحم والدتي والمؤمنات جميعاً يا رب العالمين”.

 

مجلس الشيخ منصور البيات رحمه الله.

وريثة أبيها

لم تكن أم منصور منى اليحي، زوجة فؤاد الابن البكر للراحلة، تعتبرها  عمة فقط، تقول عنها “كانت أمي، المكان الآمن الذي يحتويني حتى قبل وفاة والدتي، وبعد وفاتها، رغم أن والدتي توفيت وأنا في سن الثلاثين، إلا أني شعرت بأنها أمي التي ضمتني بحنانها وخوفها وتوجيهاتها، ولم أكن أنا فقط، بل حتى زوجات أبنائها، كانت لنا المعلمة والأم والرفيقة، رحمها الله حقاً سنفتقد منارة كانت ترشدنا في دروب الحياة”. 

وعن علمها، قالت اليحيى “كان الشيخ منصور البيات (رحمة الله عليه) كفيف البصر منذ كان عمره ثلاث سنوات، لكنه كان واسع الاطلاع وقوي الحافظة والذكاء، ودائماً كانت تجلس معه جلسات تعليم، وليس أبوة فقط، وكان يؤلف وهي تكتب، وكنتُ أيضا كوني الأولى في العائلة، أجلس معه عصراً ليوم واحد، أتعلم منه وأكتب ما يمليني إياه، فكان منزل الشيخ منزل قرآن وعلم ومنزل أهل البيت وعلومهم”.

تضيف “اليوم الذي كنت اجلس مع عمي الشيخ منصور كان الجمعة، وكنت انتظر هذا اليوم بشغف، وكنت أتسأل ما المعلومات التي سأحصل عليها منه؟ وبعد وفاة عمي قبل 20 سنة؛ صارت الجلسة مع عمتي (رحمة الله عليها) فواصلت إحياء هذا اليوم بالأذكار والقرآن الكريم وأعمال يوم الجمعة، خصوصاً أن الجمعة هو يوم العائلة، فكانت تهتم بنا، ولم يوقفها عن التجمعات الا جائحة كورونا”.

اقرأ أيضاً في صُبرة

[قبل 73 سنة] في مثل هذه الليلة.. الشيخ البيات يفقد ابنه الوحيد قبل زواجه بأيام

حسين تقي.. سِلفي مع سيدة الشجر

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com