[قبل 73 سنة] في مثل هذه الليلة.. الشيخ البيات يفقد ابنه الوحيد قبل زواجه بأيام عاش بعده 53 سنة متعبداً زاهداً ومات مهيباً

القطيف: صُبرة

في مثل هذه الليلة من شهر صفر سنة 1367هـ، حدثت القصة أكثر إيلاماً في حياة الشيخ منصور البيات الذي عاش زاهداً متقشفاً حتى نهاية حياته. في تلك السنة وافق التاريخ الميلاد 22 ديسمبر 1947م، وفيها فقد الشيخ البيات ابنه الوحيد شابّاً في سن العشرين، قبيل أيام من حفل زفافه.

وصف الشيخ فرج العمران الواقعها، يومها، بقوله “افتجع الوطن لفقد هذا الشاب، وتأثر الجمهور لموته، وذلك لما يعرفونه منه من الصلاح والعفاف والديانة والأمانة والنجدة والإباء”.

ما ضاعف المأساة أن الشاب “مات في ريعان شبابه قبل أن يدخل بزوجته المعقود بها”، والأكثر إيلاماً “حاجة أبيه إليه لكونه مكفوف البصر وضعيف البدن”، على حدّ تعبير الشيخ العمران الدقيق وصفاً وتوصيفاً، في كتابه “الأزهار الأرجية”، الجزء الثالث، الصفحة 8.

رثاء

كانت وفاة الشاب حدثاً عاماً، حتى أن الشاعر خالد الفرج، رئيس بلدية القطيف وقتها، تأثر بالحدث، وأبّن الشاب “أحمد البيات” بقصيدة حزينة، جاء فيها:

غسّلوهُ بالدمع وهو سخينٌ

وحشوهُ من عابقِ الأطيابِ

حملوه كأن للكلّ منهمْ

ولداً فوق هاتك الأخشابِ

ولعمري كأنْ توارَى نفوسٌ

معهُ في أديم ذاك الترابِ

متعبّد منقطع

عاش الشيخ البيات 95 سنة، وحين توفي ابنه الوحيد كان في الثانية والأربعين. وعاش بعد ابنه 53 سنة. وسيرته التي عرفتها قائمة من أجيال المتدينين في القطيف؛ شهدت على نمط حياةٍ خاصٍّ بالرجل المتعبّد المنقطع عن متاع الحياة، إلا ما يسدُّ رمقه. وحتى وفاته؛ عاش في منزل يمكن وصفه بـ “المتهالك”، وما زال منزله قائماً حتى الآن فيما تبقى من غربيّ القلعة.

وعلى ما أحاط به من سمعة علمٍ تصفه بـ “المجتهد”؛ بلغ من تواضعه حدّ الوقوف لكل من يصافحه، رغم كِبر سنّه وضعف بُنيته النحيفة. وقد اعتاد سؤال مصافحه عن اسمه، ثم الردّ عليه بما يُريحه من تعبير وجه هاديء أو ثناءٍ ودود. كانت روحانيته بليغةً، وزيارته حظوةً، على ذلك النحو الذي يشيع في مجلسه إحساس بما يمكن وصفه “بركة”.

في مسقط رأسه

يقول بعض ناشري سيرته إن تعليمه بدأ في مسقط رأسه القطيف، وتتلمذ على يدي السيد حسين العوامي المقدس وغيره، قبل أن يرحل إلى النجف، ويدرس ما يُعرف بـ “المقدمات” على أيدي مشايخ متعددين، بينهم الشيخ علي أوال التاروتي، والشيخ باقر الجشي والشيخ فرج العمران، والسيد محفوظ العوامي، وأسماء كثرٍ، تتلمذ عليهم في العلوم العربية والمنطق والبلاغة والفقه وأصوله.

وأمضى في النجف أكثر من 20 سنة، حاضراً ما يُعرف بـ “الدروس” العليا، وعاد إلى القطيف سنة 1401، ليلزم بيته في القلعة، ومسجده في حي “البحر”.

نمط واحد

استمرّت حياة الشيخ، رحمه الله، على نمط واحد تقريباً، محاطاً بإجلال كبير من قبل رجال الدين والمجتمع، يرودون مجلسه القديم ويتتلمذون عليه، ويسألونه، ويطلبون دعاءه. كان نسخةً نادرة بين رجال الدين الزاهدين فعلياً، رجال الدين الذين لا يعنيهم من حطام الدنيا شيءٌ، ولا يديرون بالاً لما حولهم، إلا في حدود إفادات عامة يتلقّاها مريدوهم في عناوين الحثّ على الورع والتزام التشريع.

عرف الشيخ البيات الدنيا مبكّراً؛ وفطِن أوجاعها وآلامها، فأنِف أن يأمَنها، أو يأخذ منها أكثر مما يُقيم حياته.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com