[1] قبسٌ من سماء رمضان

د. رانية الشريف العرضاوي*

{وإذا سألك عبادي عني فإني قريب؛ أجيب دعوة الداع إذا دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون}. 186/البقرة.

 
جاء في مفردات غريب القرآن للراغب الأصبهاني: “السؤال استدعاء معرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة، واستدعاء مال أو ما يؤدي إلى المال؛ فاستدعاء المعرفة جوابه على اللسان واليد خليفةٌ له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد واللسان خليفة لها إمّا بوعد أو بِرَدّ”. انتهى كلامه.

ومن هنا لطيفة؛ فالله جلّ في علاه، يوجّهنا في الآية الكريمة لحال سؤال واقع ممّن سبق، لمقام سيدنا النبي – صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم- عن ذات الله تعالى، عن القرب والبعد، وعن فعله سبحانه، فأمّا الذات الإلهية فهي قريبة بالعِلم والحفظ : (وهو معكم أينما كنتم)، وأمّا الفعل الرباني فهو: (أجيب دعوة الداع)، وهو فعل متحصَّل في الآية الكريمة التي جاءت بعد خطاب قرآني سابق فيه تفاصيل الأمر بالصيام والذكر والشكر والتكبير، فيكون توجيها عظيما لفقه الدعاء الموجب للجواب، إذ هو الدعاء الذي يكون بعد ذكر وثناء وشكر.

وقد رويَ عن كعب الأحبار أنه قال: قال موسى -عليه السلام- :”ياربّ؛ أقريب أنت فأناجيك، أم بعيدٌ فأناديك؟! فقال: ” يا موسى أنا جليس من ذكرني”. ذكره الرازي في تفسيره.

وأمّا حقيقة الدعاء فهي استدعاء العبد ربّه جل جلاله العناية واستمداده إيّاه المعونة، وكم نحن في عوز لعونه على النفس والهوى والشيطان وحاجات الدنيا والدين، ولهذا هو أهم مقامات العبودية. وأمّا مجيء الجواب الموصول في الآية بدون فعل الأمر لرسول الله -صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم – (قل) فهو لغرض انتفاء الواسطة بين الداعي والرب سبحانه، فهو (قريب) للعبد الداع، وهذا سرّ عجيب، فالعبد الضعيف الفاني في استقبال لقرب الرب الكبير القريب، القادر بفضله وبرحمته.

وهذا ما يعني ارتفاع الوسائط بين العبد وربه، وتحقق خلو قلب العبد من شواغل تحول بينه وبين ربه القريب، وهذا مقام يستدعي الاستجابة والانقياد والاستسلام للرب القريب الرحيم، من العبد الداعي الرشيد المهتدي. والله أعلم.

——

* أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية، جامعة الملك عبدالعزيز.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com