منصة شعراء القطيف تحتفل.. الشعر يتحايل على “كورنا” بـ “من وراء حجاب” الشاشات نصر الله يتذكر.. المعاتيق لا يريد "مشاكل".. صوت الدبيس مشوش.. والجشي يتورط بين نخيل القطيف وثلج أمريكا

القطيف: بتول محمد

هل تضيق روح القطيف الشاسعة عن جسدها حين تعلن ميلاد منصة شعرائها بتقريرعن رحيل الأديب الكبير عبد الله الجشي “أبي القطيف”…؟

أم هو تحديق في الذات القطيفية التي ما انفكت تمايز نفسها لتعلن حياة الشعر بها في يوم الشعر العالمي؟

سؤال يتسلل أمام الأسماء المشاركة في يوم الشعر العالمي عبر “منصة شعراء القطيف” الإلكترونية مساء البارحة. أمسية قدم لها الشاعر علي سباع، بادئاً الأمسية بالكاتب والإعلامي محمد رضا نصر الله، كمقدمة تستعرض عروجها لسماء أعلام الشعر العربي.

ومن ثم أبحر شفيق العبادي دون قلق بشأن زمن الوصول، خارجاً من جسد المكان والزمان، وكذلك أيمن الجشي الذي يتصل من أرض وزمن مفارقين. وبقصيدة فريدة تطلع للغد أحمد الرويعي.

وبعده جاءت الأنثى الغائبة بصوت فاطمة الدبيس، وتلا كل ذلك ختام حلو حد الوجع مع الشاعر حبيب المعاتيق.

ذكريات نصر الله

بدأ مقدم الأمسية علي سباع حديثه المختصر ببث شوقه إلى أمسيات على أرض الواقع في زمن الكورونا، وجاء تقديمه انطلاقة للمنصة كسبيل  ” للخروج بأقل الخسائر”، خسائر الغياب الذي امتد لأكثر من عام حتى الآن. ثم ترك المجال لنصرالله، لينطلق بنا في رحلته من قلب نخيل القطيف وكان ياما كان.

“كان أبي يأخذني إلى الدور الرابع من بيتنا القديم، وهناك تنتصف لحظة لها جناحان، فعن يساري تتوهج غابة النهر ريشاً أخضر، وعن اليمين تنبسط زرقة الخليج لازوردية تتماوج في عيني الطفلة بتشكيلات مثيرة من أجنحة النوارس البيضاء وشباك الصيادين”.

يستكمل هذا الوصف البيئي للقطيف بما تضيفه خيالاته من عالم الأسطورة وتساؤلات الانطلاقة الأولى، البحرين (دلمون) كرغبة ومحطة أولى، كجنة حلمت بها سومر وآشور.

مضيفاً: فهناك “يرتدي الناس أزياء عولمية.. ويتكلمون بألسن مختلفة.. الناس متعلمون.. يقرؤون ويلهون.. ويركبون السيارات”. شوق وجدانه الذي تلقى الأصوات الأدبية البحرينية الكبيرة خلال الراديو دفعه إلى الرحيل نحوه، وهو بعمر السابعة عشرة، لتصدمه المفارقة حيث التشابه بين البيئة القطيفية والبحرينية.

غيرأن وجود المؤسسات الثقافية وكوكبة الموجة الجديدة  (في ذلك الوقت) من الشعراء والأدباء الذين احتلوا مساحة شاسعة على المستوى العربي مثّل الأسطورة الحقيقية.

كما تحدث نصر الله عن حسن جواد الجشي الذي فتح له نوافذ المعرفة في مجالي الأدب والشعر، وهو ما قاده للسفر إلى مصر لمقابلة أعلام الأدب العربي في مصر لاحقاً، متحسسا الوجع القومي في لقائه بالشاعر أمل دنقل وحديثه الغض، بشخصيته المتواضعة ومزاجه الصفو ونبوءاته عن الهزيمة ثم خيباتها. ثم عروجه على العراق ولقاء عائلة بدرشاكر السياب وزيارته منزله الذي تحول إلى مزار للشعراء، ووقوفه على أحد مفاتيح “أنشودة المطر” نهر جيكور. ثم رحلته إلى بيروت ولقائه أدونيس الثائر على النسق والوجودي عبدالقادر الجنابي في باريس.

وأخيراً وجه نصر الله نقداً لاذعاً لشعراء قصيدة النثر المعاصرين في استسهال الطرح المنتج الأدبي واستبعاد الثروة الفكرية والشعرية في التراث. واختتم كلامه بطرح مصير الشعر على طاولة الرهان في زمن الانفجار المعرفي.

أنا أوّله…!

بعد ذلك بدأت رحلة الشعر بابن تاروت الشاعر شفيق العبادي حين أطلق قصيدته “لنا أوله ” مخاصراً الماجازات بوله شعري، ثم ليتشظى وجعاً في نصوص كان فيها كما لو أنه يعاتب غياب الأجواء الشعرية طوال فترة جائحة كورونا.

تأخرت يا صاحبي فالأحد

أتى من زمان

وموعدنا لم يزل عالقا بين بين

وشطآنه بين جزر ومد

تأخرت حتى نسينا الطريق الذي كان بوصلةً

لفوانيس هذه الحروف

التي كنت تدلي بها للقصائد

ما فاض من غيمها واقتصدْ

تأخرت حتى تلونا الوداع الأخير عليك

لكنه سريعاً ما عاد لروحه المتفائلة، فقال:

قريباً تعود الحياة إلى عهدها

لا تخف يا صديقي الجميل

فلست الوحيد الذي لم يجد ظله واقفاً عند باب الحديقةِ

يؤنس أرجوحة البيت في الانتظار الطويلْ

ثم روي عطش القصيدة بنصين نثريين عن صبية أهدته كتاب شعر وقصاصة من نهار وبنبوءة وانفراط عقد.

آناء ثلجية

أيمن الجشي مجاوزاً الليل إلى النهار، ومنقطعاً من نخيل القطيف إلى غابات الولايات المتحدة في أمسيته الشعرية الأولى بنصوص قصيرة.  هتك ستر القلب بقصيدة “يتكشف المعنى”

لابد من وجع خفي يستثير الجمر في عصبي

لتندفق الأغاني من شفاهي

إذ أسافر في ملامح زهرة بريةٍ

الليلُ ممسوس بوجهك

والضباب يموج في آنائه الثلجية

ثم لعله كان يناجي الغرقى في بحر الحيرة بين البصيرة والعمى في قصيدة  “بصيرة” متمثلا عمى المعري وبصيرته:

أيها الركب لا تنكأ الليل كي لا تسيل المنامات

…..

نحن غرقى فلا تبحثوا عن فرار ولا عن ردى

لم يعد من ضياع لنهفو له أو سدى

نحن غرقى

كأن المعريّ أدخلنا في عماه الذي ليس إلا بياضا

. …..

البياض ليس لونا

لكنه سفر في العمى ومخاض

عصا الدموع

ثم أطل أحمد الرويعي متسائلاً عن الواقعي الذي يتناثر في تشخيص الهوية، حين بنبرة المندهش بدأ قصيدته بما يشبه الغزل لنكتشف سريعاً أنه إنما يلاحق ذاته المتفلتة؛ التي تمثلت مهراً هارباً يلاحقه الشاعر، ليكتشف عجزه عن إدراكها..!

وبغتة صرت أبكي والدموع عصـا

فيرٌ تطير كما لو غادرت شجرا

والدرب يحمرّ يحمر الهواء أنا

أحمرّ يحمرّ صوتي.. ذاب.. زال.. جرى

أفقتُ كم مرة أفقت أين أنا

من هؤلاء من الملقى من انتصرا

موتى على الأرض كالغيمات بينهمُ الـ

تراب أزرق أم أن السماء ثرى

شخص يشابهني جدا تقرب لم

يكن أنا لم أصدق أن لي صورا

ما الواقعي من اللاواقعي وهل

أفيق أم يقظة الناسوت محض كرى

….

أنا غيابك في الأسماء فاتخذ الـ

غياب إسما بيوتا دون باب قرى

بالبئر علّتك الغائية ارتكب الـ

وجود، واهبط؛ تكن في المنتهى قمرا

سريالية عالية، فانتازيا.. هكذا انتزعت دهشة النص تعليقات المتلقين.

صوت مشوّش

أريد للحضور النسوي أن يكون، غير أن صوت افاطمة الدبيس جاء عبر شريط صوتي مسجل تخلله الكثير من التشويش والانقطاعات، ” ماذا إذن “نص بلغة أنثوية رقيقة، لكن ماذا إذا كان الصوت مضطرباً بالطنين والتمثل يكاد ألا يكون، ليكرس الغياب…؟ ماذا إذا أوقف السباع نقل التسجيل وانتقل بنا إلى الضيف اللاحق لئلا تتردد بداخلنا وشايات الأذى السمعي.

بلا مشاكل

اختُتم اللقاء بحبيب المعاتيق الذي بملامحه الطلقة وحيويته ومرحه أعلن أن اللحن له وأنه لا يناجي  إلا الفكرة “تجنباً للمشاكل”؛ فكان ختاماً حلواً لطيفاً بقافية اللام والهاء الممتدة والمنزاحة عن صدر الشاعر بكل ثقل الشوق وخفته!

كنت انتظرت طويلا كي أقابلها

لو كان يعرف هذا الموج ساحلها

كنت اشتجرت على هذا المدى أبداً

فربما طيرت نحوي بلابلها

تسللت فيّ كيف الآن أعصمني

ألا أفيض مع المعنى بها ولها

وأرعدت في تباريحي وأخيلتي

فمن يُهدّيءُ في قلبي زلازلها..؟

شعراء القطيف رهان أكيد، وشعراء الأمسية انداحوا من جمال الوعي إلى وعي الجمال.

 

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com