اللهجة القطيفية في خطر

زكي علي الصالح

كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، كنا في القطيف نسمّي:

 الرز “عيش”، الليمون “لومي”، السُّكر “شَكر”، الفطور “جدوع”، الجدة “حبّابة”، النظّارة “كشمة”، الزجاج “إكزاز/ جامة”، بوابة البيت “دروازة”، والملعقة “خاشوقة/ كمجة/ قفشة”، المظلة “شتري”، الثوب “درّاعة” مليان “متروس/ امطمطم”، موجود “هست”، كوّيس “خوش”، وبدري “مبجّر”… إلخ.

وكنا ننطق الكاف جيماً فارسية كباقي أهل البحر من سكان الخليج، فنقول عن السمك “سمچ”، السكين “سچين”، والكيس “چيس”، كم “چم”، كيف “چيف”، مناسبة عقد الزواج “ملچة”، كأنه “چنّه”، كفس “چفس”، مبكّر “مبچّر”، وبكرة “باچر”.

وبعضنا “جائيون” ينطقون الجيم جيماً كما هي، والبعض الآخر “يائيون” يقلبون الجيم ياءً على غرار بعض أهل الخليج، كأهل صفوى، سنابس، لاجام، الجش، الجارودية، سيهات وحضر عنچ، وهي ظاهرة لغوية عربية قديمة تنسب للغة تميم، فرجّال يلفظونها “ريّال”، وواجد “وايد”، وجِيت “يِيت”، ودجاج “دياي”، مسجد “مسيِد”، مجنون “مينون”، حجر “حَيَرْ”، شجر “شَيَرْ”، وجه “ويه”، جديد “يديد”، جبل “يِبل”، وجمل “يِمل”.

وكنا أقرب الناس في لهجتنا إلى لهجات حضر الكويت، قطر، الإمارات وعُمان، وكانت اللهجة القطيفية توأم لهجة البحارنة في مملكة البحرين.

هكذا سوف نروي مستقبلاً لأحفادنا حكاية موت واندثار لهجتنا القطيفية، اللهجة التي تعلمنا منها ألف باء الكلام، وبألفاظها صاغ أجدادنا أمثالهم وحزاويهم، ومن مفرداتها نسجت جداتنا أساطيرهن وحكاياتهن الخرافية، وعلى وقع موسيقى أهازيجها كانت أمهاتنا تهّودن علينا لكيما ننام، وبها صدحت حناجر النهامين بمواويل “الهولو” و”اليامال” في سفرات الغوص الطويلة، وبها كان الفلاحون يتسامرون في عتماتهم بعد قضاء يوم مضنٍ في فلاحة الأرض وجمع الحصاد، وعلى أوزانها ردد الشعراء قصائدهم في حب الأرض والنخلة والبحر والجمال.

اللهجة ذات التاريخ العتيق والأصل العريق، والتي امتزجت فيها لهجتا عبدالقيس وبكر بن وائل، وحملت خصائص لهجية من لغة تميم وقيس والأزد وكلب؛ آخذة في التآكل، وهي تسير يوماً بعد آخر نحو التقلّص والانكماش والاندثار، وبعد ثلاثة عقود ستختفي تماماً، إلا على ألسنة بعض المعمرين.

أنا أفهم إن موت وانقراض اللغات واللهجات هي ظاهرة طبيعية في المجتمعات البشرية، وتعود لآلاف السنين، فاللهجة/ اللغة كائن حي، تولد وتتطور وتشيخ وتموت، وبحسب التقارير الاستقصائية لمنظمة “يونيسكو”؛ يوجد في العالم حوالى 6000 لغة/ لهجة، هناك مخاوف لدى خبرائها من اختفاء نصفها تقريباً، وبواقع لغتين/ لهجتين أسبوعياً.

إلا أنّ ما يحدث للهجة القطيفية من تراجع في الحضور والاستعمال لا يجري ضمن السياقات الطبيعية المعروفة في سيرورة التطور الطبيعي والتاريخي للغات واللهجات المحلية؛ فالتطور الطبيعي لها يمضي بوتيرة بطيئة وغير متسارعة الإيقاع، كالذي نشهده حاضراً مع لهجتنا المحلية.

التطور الطبيعي – مثلاً – يقتضي غياب مسميات لمهن اندثرت ومفردات لأدوات توقف استعمالها، هذا مفهوم وملاحظ حصوله في كثير من اللغات واللهجات، ولكن من غير المفهوم أن يتم تعريب المفردات الأجنبية التي تولدت في لهجتنا عبر احتكاك يعود لمئات وآلاف السنين بشعوب وأمم وحضارات مجاورة كالفارسية والهندية، مثل: دريشة، دروازة، جامة، خاشوقة، كمچة، رسته وكروة…. إلخ، أو إزالة ظاهرة من الظواهر الأصيلة في اللهجة القطيفية والخليجية كقلب الكاف جيماً فارسية، والجيم ياءً، هذا لا يعد تطوراً طبيعياً، وإنما هو اغتيال للّهجة مع سبق الإصرار والترصد.

والمفارقة أن في الوقت الذي يستشعر جميع من حولنا أهمية لهجاتهم المحلية في تثبيت هوياتهم الثقافية، وتأصيل انتماءاتهم الاجتماعية، يعمد ابن القطيف إلى اقتلاع لهجته من جذورها الحضارية، ويفصلها عن سياقاتها التاريخية، ليكون أكثر مقبولية عند من يظن أنّ لديه موقفاً عنصرياً منه، ومن هويته. وكثيرون للأسف يقعون في هذا الوهم، بينما الحقيقة هي من يحترمك لذاتك سيتقبلك بكل صفاتك وعلّاتك، ومن لا يحترمك لن يتقبلك مهما غيّرت جلدك لإرضائه!

والملاحظ أنه في الوقت الذي تشهد فيه القطيف تنامياً للحس الاجتماعي بالموروث الثقافي المادي، وعشق الأماكن والمباني التراثية، وإبداء الأسف والحسرة على ما اندثر منها، نشهد أيضاً زهداً ملحوظاً وتخلياً فاضحاً عن مكونات اللهجة وخصائصها العريقة.

ويشبه اندثار أي مفردة من مفردات اللهجة القطيفية، أو اختفاء ظاهرة من ظواهرها اللغوية، أو ميزة من ميزاتها، زوال أي أثر تاريخي يمتد عمره لقرون أو آلاف السنين. والأمر الذي يثير تعجبي واستغرابي؛ إن القطيفي يحزن لزوال أي أثر أو تراث مادي خاص به، وهذا مفهوم ومقدر، ولكنه لا يبدي نفس المشاعر لموت مفردات لهجته وانحسار استعمالها!!

اللهجة هي إحدى مكونات الهوية لأي مجتمع، ومن خلالها يتواصل أفراده مع الآخرين، وبها يتعرف الآخرون على هويتهم، والمجتمع قوي الشخصية لا يفرّط في عناوين هويته، ولا يخجل أفراده من إظهار تمسكهم واعتزازهم بها.

ولا يكفي لابن القطيف أن يعبر عن حبه وانتمائه للقطيف بالكلمات وفي المناسبات الاحتفالية… من يحب القطيف فعلاً ويفتخر بالانتماء الدائم لها؛ يحب لهجتها، ولا يتنكر لها، ولا يتبرأ منها أبداً.

وإلا فمنذ متى القطيفي يقول: أيش بدلاً من “ويش”، وحِنّا بدلاً من “احنا”، وهِنا بدلاً من “اهنا / اهنيه”، وعِندنا بدلاً من “عِدنا”، وأبي (أريد)، بدلاً من “أمبى، أبغى”، ولَهُم بدلاً من “ليهم أو إليهم”، وإنّو بدلاً من “إنَّ”، وبرضو بدلاً من “بعد”، ولسّه بدلاً من “بعده أو توّه”؟

فإذا كان الآباء الآن هذا هو “حچيهم”، فماذا ننتظر من أبنائهم غداً؟!

‫5 تعليقات

  1. تغير بعض الأمور وإن كانت من الموروث الاجتماعي ليست بالعيب ، فربما التغير يكون للأفضل وليس الأسوء ،، هذا بصورة عامة ومن ضمنها بالطبع اللهجة وبعض الكلمات ..
    كثير من الكلمات ما زلنا متمسكين بها وبالخصوص في بلدات المحيط للقطيف

  2. الشكر الجزيل للكاتب الأستاذ زكي لتطرقه لهذا الموضوع المهم والذي يعكس هويتنا القطيفة وأتمنى من مجتمعنا اعطائه نفس الأهمية لأننا نرى الجيل الجديد لا يتفاعل مع لهجتنا ويحاول البقاء عليها بل بالعكس يحاول التخلي عنها بحجة انها غير مفهومة عند الآخرين بينما نجد دول الخليج يعتزون بلهجاتهم ويصرّون على استخدامها اينما كانوا لأنهم يعتبروها جزء لا يتجزأ من هويتهم. فهل يتنبه صغارنا لذلك؟

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×