من أسرار اللهجة القطيفية.. يـِتْگاشَرْ…! يـِتْحَجّجْ بعاشور وگاشورْ

يتقاشر.. أي يتسبّب بالسوء. هكذا كانوا يفسّرون العلة والمعلول، والسبب والتسبيب، في أحداث حياتهم السيئة. كانوا يُوجدون روابطَ خفيةً أو ظاهرة بين المقدمة السيئة والنتيجة المماثلة. وبذهنيةٍ بدائيةٍ يوجدون لكل شيءٍ سبباً، من الواقع الملوس، أو المظنون، أو حتى المُتوهَّم..!

 

“اتْگاشَرتْ على رَجِلْها”. هكذا يُقال، وقد يكون ذنبها أنها أبلغته بخبرٍ سيءٍ عند باب “أدَب”، ثم داهمته حمّى في اليوم التالي. الـ “أدب” هو بيت الخلاء، وهو مكانٌ مسكونٌ بالجنّ عندهم. وقد يدخل الجنّ حياة الإنس في لحظات حرجةٍ يمرّ بها إنسانٌ غافل، أو مُباغَت، أو مصدوم. وفرصة تدخلهم في مكان كهذا، أو على مائدة، أو أثناء استيقاظهم من النوم. المهم أن الأخبار السيئة؛ يجب أن تصل المتلقّي وهو في حالة طيبة، وفي مكانٍ بعيدٍ عن مكامن الجنّ..!

 

هذا في الخرافة..!

 

أما في الواقع؛ فهناك وجوهٌ شتّى. فقد “يتگاشَرْ” الولد على نفسه ـ أو على أهله ـ بما هو أسوأ من فعلته.

 

وقد “تِتْگاشَر” زوجةٌ مهملة، أو غافلة، على حيّها بحريقٍ يأكل البيوت كلها، من شرارة طارت من تنّورها أثناء الطبخ، إلى “خوصة” في “حضار” البيت.

 

وقد “يِتْگاشَرْ” صديقٌ على صديقه بخراب بيت، أو خسارة في تجارة، أو إصابةٍ، أو موت، بسبب مشورةٍ فاسدة، أو رأيٍ لا صلاح فيه، أو صُحبةٍ مؤذية.

 

بالمحصّلة؛ هناك شؤمٌ وسوء في “لـِمْگاشَر”. ولم تأتِ هذه الكلمةُ من فراغٍ على ألسنة القطيفيين. ففي مادة “قشر” وفرةٌ من الدلالات المتصلة بالسوء والشّؤم. فـ “سنة قاشُور وقاشُورة: مُجْدِبة تَقْشِرُ كلَّ شيء، وقيل: تَقْشِرُ الناسَ”(1). و “وسنةٌ قاشورة: مُجْدبة تَقْشِر أموالَ القوم”. وجاء في الرجز:

 

فابعَثْ عليهم سنةً قاشورهْ

تحتلق المالَ احتلاقَ النُّورهْ (2)

 

“والقاشورُ والقُشَرةُ: المَشْؤوم، وقَشَرَهم قَشْراً: شَأَمَهم”. وثمة مثلٌ جاهلي يقول “أَشأَم من قاشر”. وهو فحلٌ كان لبني عُوَافةَ بن سعد بن زيد مَناةَ بن تميم، وكانت لقومه إِبلٌ تُذْكِرُ فاستطرقوه رجاء أَن تُؤْنِثَ إِبلُهم فماتت الأُمهات والنسل”(3). وهذا يعني أن للكلمة “يتقاشر، يتگاشَرْ” أصلاً لغوياً وميثولوجيّاً أيضاً. وكله على صلة بالسوء أو الشؤم.

 

والعوام يقولون “رجّال أگشَرْ”، بمعنى عنيفٌ صلف صعب المعشر. و “يومْ أقشَرْ”، أي سيء. وقد تؤنَّث الكلمة، على أن المعنى الأصل للرجل الأقشر هو “أحمر الوجه”.

 

وجاء في مثلٍ سائرٍ في القطيف، وربما في غيرها “يـِتْحَجّجْ بعاشور وگاشورْ”، أي يتذرع ليتملص من مسؤولية أو واجب أو مهمة.

:

والله أعلم.

حبيب محمود

 

———————

(1) لسان العرب، مادة “قشر”.

(2) مقاييس اللغة، مادة “قشر”.

(3) لسان العرب، و مجمع الأمثال، ج 1، ص 380.

تعليق واحد

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com