مطربات القطيف قبل عام 1400.. “عَبَادْ”.. أطربت في الأفراح.. وأبكت في عاشوراء غنّت بـ "درام قاز".. في مرحلة كانت "الطيران" تضجّ أسبوعاً كاملاً في كل عرس

إلى ما قبل عام 1400؛ عرفت القطيف فرق الغناء الشعبي من الجنسين. وكان لهذه الفرق دورها في المناسبات السعيدة، من الزواجات المستمرة، إلى الأعياد، إلى المناسبات الوطنية. لكنّ هذه الظاهرة؛ بدأت بالانحسار بعد ذلك العام، وكادت تختفي تحت تأثيرات الموجة التي داهمت المنطقة الخليجية والسعودية عموماً، والقطيف بشكل خاص.

والفرق النسائية؛ كان لها دورها الكبير، أيضاً، قبل مطلع القرن الهجري الحالي؛ وانتشرت في قرى القطيف فرق “الطرب” النسائية، بـ “طيرانهنّ” وطبولهنّ. يعملن تحت “قائدة”، وتتوزّع مهامهنّ المتداخلة ما بين “طقاقة” طبل وكورال، ودعم.

ومثلما حلّ بأغلب الفرق الشعبية الرجالية؛ حلّ بالفرق النسائية، وأخذ الناس يترددون في الاستعانة بهنّ في الزيجات والأعراس، خوف النظرة الجديدة التي بسطت هيمنة شبه شاملة، ما أدّى إلى انحسار الفن الشعبي النسائي، واختفائه تقريباً.

وفي التقرير التالي؛ قصة شخصية فنية شعبية ظهرت في قرية “الكويكب”، وبسطت شهرتها في محيط مدينة القطيف، وبعض قراها. وعلى الرغم من شحّ المعلومات؛ خرجت “صُبرة” بهذا التقرير الخاص:

صُبرة: خاص

لم يكن صوتها العذب هو الوحيد الذي جلب نسوة القطيف إلى سماعها من أماكن متفرقة، ولم يكن السبب الذي جعلها مطلوبة لإحياء الأعراس والمناسبات السعيدة. بل كان صوتها جزءاً من شخصيتها التي عُرفت بالأخلاق وحلو الكلام.

كانت مغنّية أفراح، أو مطربة، ولكنّها صنعت لنفسها قبولاً واسعاً في مجتمع نساء القطيف، وفي أواخر حياتها؛ تحوّلت إلى مهنة شقيقتها فصارت “ملّاية”.

ومثلما أطربت نساء القطيف في الأعراس؛ أبكتهم في الحسينيات، ثم رحلت بصمتٍ تاركةً أثراً طيباً في مجتمع القطيف الذي عرفها، واحترم في “أم حسين”، سيرتها الطيبة.

مظهر أنيق

ندى الزهيري تقول إنها تتذكرها جيداً، “كنتُ أسمع صوتها وأنا مازالت طفلة صغيرة، وأتذكر جيداً كيف كانت هذه السيدة فصوتها ومظهرها الأنيق جداً، ورائحتها الممزوجة بالعود والبخور، مزيج راقي يمنحك شعوراً مختلفاً عن شعورك، وأنت تسمع الآن أي صوتٍ طربي آخر”.

«عباد».. كما تشير الزهيري، لم تكن مطربة تخطط في الانتشار وتوسيع صوتها في انحاء القطيف قاطبة أو حتى خارجها؛ فكانت ترفض رفضاً قاطعاً الخروج خارج دائرتها، ولكنها قد تتعنى للخروج لإحياء حفلات الزفاف إذا طلب منها شخصاً عزيزاً ومقرباً جداً منها.

«عباد».. كانت سيدة محترمة ومحبوبة وهادئة جداً؛ بل هي كتلة واحدة بديعة بأخلاقها وبريق هندامها، ورائعة في حديثها، ولها شخصيتها المستقلة، والمعتدة بنفسها؛ ففرضت احترامها على الكبير والصغير، الغني والفقير، لم يُسمع عنها أنها كانت غليظة أو شديدة في تعاملها، مضيفةً أنها لم تعامل معاملة عادية من قبل سيدات أكبر عوائل القطيف، بل على العكس حظيت بعناية واهتمام ومعاملة خاصة، مع أنها لم تعش حياتها على هذه المهنة فكان لديها مصادر رزق أخرى.

أغاني المذياع

«عباد».. لم تكن مشترطة، ولم تفاصل يوماً في أسعارها، فكانت ترضى بـ «50 ريالاً»، لافتة إلى أنها كانت تغني أغاني تسمعها من المذياع لمطربات عربيات وخليجيات، ومن التراث الخليجي كذلك، أو ربما كانت ترتجلها لأن أغانيها كانت جميلة لم نسمع بها من قبل.

الضرب على «الطيران»، التي استخدمتها الفرق في فترة عصرها، يختلف كلياً عن المدرسة الغنائية التي انتهجتها عباد، فالأولى تميزت بأن ايقاعاتها طربية تميل إلى – الفرفشة – والدعوة للرقص، لدرجة أن صاحبة الفرقة إذا أعجبها رقص فتاة ما يقطعون جزءاً من مشمرها للاحتفاء بهذه الفتاة، وينقطون لها ويغنون: شاباش يامن ذا نقوطه.. نقوط فاطمة والسامع يصلي على النبي، وتبدأ «الطيران» المسخنة بالنار بالدق اذاناً لبدء مراسم الغناء.

لون غنائي

عباد كان لها لونها الخاص، كانت تجلس بعباءتها وجزء من ملفعها يغطي حاجبيها.. تقول الزهيري “أتذكرها في حسينية علوية بالكويكب، وكانت تضرب بـ «درام حديد»، لم أر مطربة في حياتي تغني على استحياءٍ، حتى طريقة جلوسها أو وقوفها الشامخ والمعتد بنفسه يذكرك بالمغنية الشهيرة أم كلثوم.. فهل يصح بأن أطلق عليها بأم كلثوم القطيف…؟

لم تعرف القطيف في ذلك الوقت التدين بمفهومه الآن، فكانت طقوس الزواج تسير وفق أعراف متبعة، ولا يوجد عرس للمتدينين أو الملتزمين، وأعراس غير الملتزمين، كانت “الطقاقات” تحييها دون استثناء، وتحريم الأغاني جاء متأخراً في المنطقة.

كانت الطقاقات يحيين العرس سبع ليالٍ متواصلة، ولا يخلو زواج منهن، إلا العوائل الفقيرة، هذا الأمر كان حتى على مستوى المذياع أو الأسطوانات الغنائية.. فالقطيف كانت تعيش يومياتها بشكلٍ اعتيادي فكانت تسمع لأم كلثوم، وفريد الأطرش، وغيرهم الكثير.

3 عقود من الغناء

تقول ندى الزهيري ربما توقفت “عباد” عن الغناء مع عزوف بعض الناس إلى التدين أي مع بعد بداية حرب الخليج الأولى، وتغيرت توجهاتهم من ناحية الغناء والطرب، حيث بدأت من الخمسينيات في سن صغيرة جداً وتوقفت في الثمانينيات.

وطبقاً لفوزية البراهيم فإن «عباد» احترفت الغناء في أعراس ومناسبات حي الكويكب في القطيف تحديداً، وهي صغيرة السن، ونالت شهرتها لتميز صوتها عن بقية الأصوات الغنائية النسائية الأخرى في المنطقة، وفرضت احترامها على الناس بحسن أخلاقها وجمال هندامها، ورائحة بخورها، وهيئة ملفعها المطرز بخيوط ذهبية.

 فوزية، تقول إنّ عباد شخصية معروفة لديها، غنت في عرس أمها وأخواتها وأخوتها فضلاً عن عرسها، وتربطها بأمها علاقة قوية ومتينة جداً، كانت بمثابة الصديقة.

تضيف “عباد هي أخت لابنتين فقط هما، “شلي” التي اتجهت اتجاهاً اخر عن اختها وظلت “ملاية” في حسينية بن جمعة في الكويكب، إلى جانب أنها كانت “خضابة” وناقشه للحناء.

أما الأخت الأخرى “رويده” فقد كانت معلمة قرآن، تزوجت عباد من رجل بحريني كان مقيماً في القطيف، وانجبت منه ثلاثة أبناء هم: حسين، محمد، وسعاد التي توفيت قبل فترة قليلة.

اعتزال

وعن فترة اعتزالها تلفت البراهيم إلى أن عباد اعتزلت الغناء بعد أن كبرت في السن، وربما أيضا بسبب ضعف بصرها وموت شقيقتها “شلي” التي كانت قارئة حسينية بالفطرة، وكانت بديلاً عن أختها فاتجهت ـ هي الأخرى ـ إلى القراءة الحسينية في نهاية حياتها.

تحول

تقول إن تحول عباد للطابع الديني كان تحولاً طبيعياً نتيجة التحول الذي اجتاح المنطقة في ذلك العقد، والبحث عن أسباب رزق أخرى، فأحيت المجالس الحسينية والعادات المنزلية، وقرأت طوال عشرة محرم، بالصوت الرخيم نفسه الذي أطرب النساء سابقاً، أبكاءهن لاحقاً.

الناس في القطيف احترموا “أم حسين”، سواء حين كانت مطربة تغني في أفراحهم، أو حين تحولت إلى قارئة حسينية تثير شجونهم وتسكب دموعهم، فأولتها العوائل الكبيرة جل الرعاية، فكانت تحت عينها، كما أنها كانت طباخة ماهرة أيضاً.

داية العروس

الابن الثاني لـ “عبّاد” محمد بن علي المرزوق.. لديه في جعبته الكثير ليحكيه عن والدته إذ يقول “اسم والدتي – رحمها الله- الرسمي هو: العبدة مبارك بلال آل مبارك، وكانت أمية لا تعرف القراءة ولا الكتابة؛ لكن الحياة علمتها كيف تسمو بأخلاقها، وجميل صبرها؛ فكانت ابتسامتها لا تفارق محياها أبداً، وظل عطاؤها ينبض حتى فارقت الحياة”.

يضيف “عملت والدتي كذلك في جانب آخر هو تجهيز العروس والعناية بها لمدة ثلاثة أيام متتالية داخل حي الكويكب وخارجه، إلى جانب أنها كانت تقوم على خرم آذان الفتيات الرضع، تمهيداً لوضع الحلقات.

أعمال متعددة

ويلفت محمد إلى أنَّ والداته كانت دؤوبة في العمل، ومتعددة الأعمال؛ فقد كانت تقوم على خدمة مطابخ الحسينيات، والمآتم، وتغسل قدور طبخ البحّاري، والمحموص، أيام شهري محرم، وصفر.

ويقول “أذكر أمي في ذلك اليوم الذي كنتُ فيه مريضاً، وعمري لا يتجاوز الـ 15 عاماً، أدخلتني في بطانية قطنية سميكة، بعد أن دهنت جسمي كاملاً بـ “الفكس”، ووضعت قدراً صغيراً مليئا بالماء الحار جداً، وقالت لي: الآن بخار الماء سوف يعمل على تعرق جسمك المريض، كنتُ استغرب فعلتها، لكن ما هي إلا فترة حتى زال المرض من جسمي تماماً”، لافتاً إلى أن والدته كانت كذلك مُطببة تعطي وصفات شعبية لبعض الحالات البسيطة.

بناء حسينية

يضيف “أمي محبة للحسين كثيراً؛ وقد جمعت مبالغ في ذلك الزمان من أهالي حي الكويكب بالتعاون مع شقيقتي الكبرى “سعاد” التي كانت قارئة حسينية أيضاً لبناء حسينية جديدة واسموها “حسينية المؤمنين”، لأنها قائمة من أموالهم الخاصة”.

ويبدو أن محمد ورث أخلاق أمه وهدوءها وتطبّع بحلو كلامها، فضل أن يختم حديثه بضحكةٍ وبلهجة عفوية، عن والدته التي رحلت عن دنيانا قبل 10 سنوات: “الله يرحمهم ماتوا وما تركوا للأولاد ريال واحد..”.

ما قبل 1400 وما بعدها.. خليط فرَق دينية.. وغنائية

القطيف: ليلى العوامي

كثيرٌ من الفرق الشعبية اختفت من القطيف بعد عام 1400، على الرغم من الشهرة الواسعة التي حققتها بعضها. وكانت جزيرة دارين الواقعة أقصى جنوب جزيرة تاروت، من أكثر الحواضر اشتهاراً بالفنون الشعبية النسائية تحديداً.

يقول بعض سكان دارين إن أهم فرقتين عُرفت بهما البلدة البحرية:

فرقة السلمان

وكانت تديرها زهية بنت سالم العميري، وتساعدها مريم بخيت أبو ملحة، وسلمى سالم الجاسر. وقد تفرّعت من هذه الفرقة فرقتان فيما بعد، الأولى عُرفت باسم “بخيتو” تحت إدارة الأختين: ضحية وبخيتة سلطان المطيري، وقد انتقلتا إلى مدينة عنك فيما بعد.

والثانية؛ كانت بقيادة ضحية بنت عبدالكريم بلال العميري.

فرقة الجيبان

فرقة قديمة جداً، عملت تحت قيادة امرأتين اسم إحداهما “عَيبه الفيروز” والأخرى “سعيدة العنبرة”.

فرق باقي القطيف

وفي غير جزيرة دارين؛ ظهرت فرق مختلفة، في التسعينيات وما بعد الألفية، واختفى بعضها. وكان عملها مزاوجة بين الهزَج والغناء والأناشيد الدينية، كما ظهرت فرق موسيقية نسائية، وفرق الـ “دي جي”، ومنها:

  • فرقة أم نضال احبيل
  • فرقة أم أحمد احبيل
  • فرقة ابتسام الحبيل
  • فرقة زهراء الجراش
  • فرقة صفاء داود
  • فرقة فاطمة داوود
  • فرقة بني عساف
  • فرقة بيت كديش
  • فرقة أم علي الخاطر
  • فرقة أبو زيد
  • فرقة سلمى همبوبة
  • فرقة هبايب
  • فرقة أم سعيد مريم البحراني
  • فرقة نادية النخلاوي
  • فرقة بنت الدبيس
  • فرقه أم شريف
  • فرقة أم علي الخاطر

 

فرق موسيقية

  • فرقة شوق (جميلة الشواي)
  • فرقة أم أريج
  • فرقة أم شوق
  • الفنانة همس
  • فرقة القمة
  • صيته الليالي
  • فرقة اللؤلؤة
  • فرقة هبة القاسم
  • فرقة أم احمد (ديجي)
  • فرقه عشاق أهل البيت
  • فرقة أبو كله
  • فرقة البغدادية
  • فرقة أزهار السيد
  • فرقة تغريد

‫5 تعليقات

  1. شكرا جزيلا التقرير رائع ولي الفخر انها لن تنسى حبيبتي جدتي الحنونه الله يرحمها بواسع رحمته

  2. ما شاء الله عليك أم خالد تقريرك جداً رائع تعودنا على أبداعاتك الكتابية الرائعة التى تظهر تراث القطيف الحبيبة
    تسلم أناملك حبيبتي

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×