ثلاثي تطوّعي يعيد الاعتبار لمطبخ “الأمهات القطيفيات” في مشروع وثائقي رصد تنوع المجتمع ونمط الحياة، ومسرد للوجبات المنقرضة

سنابس: صُبرة

بعد سنواتٍ من تأسيس سمعةٍ طيبة له في الطبخ المحلي؛ بدأ فاضل بريه المعروف بـ “أبو أميرة السنابسي” مشروعه الحقيقي الذي كان يفكّر فيه منذ سنوات.. إصدار كتاب وثائقي عن المطبخ القطيفي، بطريقةٍ مختلفةٍ كلّياً عن كتب الطبخ المعروفة..

كتاب يوثّق المطبخ المحلي في القطيف، بوصفه ثقافة مجتمع، لا دليل طبخات فحسب، ومن أجل ذلك؛ بدأ تكريس وقته لإنجاز مادة مشروع الكتاب الأولية، بإعداد الوجبات. ومن أجل ذلك؛ شكّل فريقاً صغيراً، انضمّ إليه صديقه اللبناني إبراهيم ياسين، وتولّت علا الضامن مهمة التوثيق الفوتوغرافي، وصحيفة “صُبرة” تتولى المهمة التحريرية، ويتمّ كل ذلك برعاية رجل الأعمال سعيد الخباز الذي أمّن المكان وأدوات الطبخ..!

المشروع يُنجَز على مرحلتين، أولاهما في شهر رمضان المبارك المقبل، بعرض طبخة يومية. أما الثانية؛ فهي مشروع الكتاب الوثائقي.

 صفاري وغَضاير

بدأت الخطوة الأولى فعلياً، وفي مطبخ صغير؛ جُهّزت “الصفاري” و “الغضاير” و “الميامچ” و “المشاكيب”، وسائر عدة الطبخ، لإعداد 30 وجبة رئيسة، إلى جانب وجبات “التحلية” والوجبات “الخفيفة”. كلُّ ذلك بطريقة الأمهات القطيفيات بحذافير ما كنّ يفعلن في يوميات حياتهنّ القديمة.

الهدف الأخير؛ هو توثيق “الطبخات” الأساسية التي كانت جزءاً من النمط الغذائي القطيفي. وما يجري، حالياً، هو إعداد الوجبات، مكوّناتها وخطوات إعدادها، فوتوغرافياً، ومن ثمّ إعداد مادة محرّرة عنها لتكون موضوعاً قائماً بذاته ضمن فصول الكتاب الذي يجري العمل على إصداره بعد شهر رمضان المبارك.

 ليس كتاب طبخ

وقال فاضل بريه إنهم لا يُريدون إصدار كتاب عن الطبخ، بل كتاب وثائقي يعبّر عن المجتمع المحلي القديم، لمعرفة ماذا كان يأكل ويشرب في حياته اليومية، بوصف ذلك جزءاً من نمط النشاط البشري الذي كان سائداً في حياة المجتمع البحري والريفي في القطيف. وعلى ذلك؛ فإن كلّ وجبة محلية؛ تحمل إشارات اجتماعية واقتصادية، ولم تكن مجرد طعام يُؤكل. ومن هذه الفكرة تتفرّع أفكار أُخرى سوف يأخذها فريق العمل على محمل الاهتمام، في عمله الوثائقي.

 مدرستان في الطبخ

يمكن القول إن المطبخ القطيفي يجمع مدرستين رئيستين في الطبخ، إحداهما بحرية، والأخرى ريفية. الوجبات التي كانت تُعدّها نساء البحّارة عادة ما تكون سريعةً ومُختصرة، على العكس من التي تُعدّها نساء الفلاحين وربّات البيوت في المُسوّرات. وقد تداخلت المدرستان بحكم اختلاط المجتمع بعضه ببعض، لكن الفوارق يمكن ملاحظتها في طريقة إعداد الطبخة، إذ لا بد من وجود تباين في طرق إعداد الطبخة الواحدة بين مجتمع وآخر. وهو تباين له صلة بطبيعة البيئة الجغرافية، كما أن له صلة بالإرث وبالاختلاط وبالهجرة. البحّارة يُسرّعون الطبخ ويختصرون خطواته، فيما يُعطي الفلّاحون وسكان المسورات وقتاً كافياً للإعداد، ويُضيفون مقادير ليست موجودة عند البحّارة.

 طبخة بطريقتين

وعلى سبيل المثال؛ تحمل “مرقة السمك” الحمراء أكثر من اسم، وأكثر من طريقة في الإعداد. فهي “مرقة سمك”، و “مقلي مُمرّق”، وفي بعض المناطق السعودية تُسمى “مطفي”. وهذه الطبخة يمكن إعدادها مختصرة بإعداد مرقتها باستخدام صلصة التمر الهندي “الصبار” والبصل والبهار والملح، قبل وضع السمك النيء. ثم تُترك المرقة حتى تتثبّت ويُسلق السمك وينضج بتوابلها. هذا كلُّ شيء في طريقة الإعداد البحرية.

لكن الطريقة الريفية أكثر تعقيداً؛ فهناك من يستعيض بصلصلة الطماطم “الصلصل” عن التمر الهندي، ويُضيف طماطم أيضاً، وباميا، وليمنوناً مجففاً، وشرائح باذنجان مقليّة. وبالطبع؛ يُوضع البصل والملح والبهار. والأهم من ذلك؛ لا يُوضع السمك في المرقة إلا بعد قليه.

الطريقة الأولى بحرية مختصرة، والثانية ريفية مصبورٌ عليها. وكلتاهما تقوم على أساس وضع السمك في مرقة حمراء.

القيمة الغذائية

ومن المخطط له الاستعانة باختصاصي ـ أو اختصاصية ـ أغذية، لتكون عضواً في الفريق، وتتولى تحليل المكونات الغذائية في كل طبخة، من الزاوية العلمية، وتحديد كمياتها، من الكاربوهيدرات، البروتين، الدهون، الفيتامينات، المعادن، الماء. وربط ذلك بنمط النشاط البشري للفرد الذي يتناول كل وجبة على حدة في المجتمع القديم. هذا التحليل العلمي يكشف لماذا تُصرّ الأمهات القديمات على تكثيف نوعية من الطعام للمرأة في أيام نفاسها، وما هو المغزى من تناول عمّال البناء والفلاّحين وجبة “العصيدة” المليئة بالدهون والسكريات كل صباح. لكل وجبة موضوع ملحق بها يشرح القيمة الغذائية.

 مجتمع متنوع

ويهتم المشروع الوثائقي بهذه الأفكار، ليكون الكتاب معبّراً عن تنوع المجتمع، كما يهتمّ باستقصاء ورصد تأثر المطبخ المحلي بالثقافات الأخرى، كالثقافة الهندية والعراقية، مع التركيز على الثقافة الخليجية التي يمثل المطبخ جزءاً منها.

فضلاً عن ذلك؛ يضم الكتاب الوثائقي معرضاً مصوّراً لأدوات الطبخ القديمة، بأسمائها المحلية ومصادرها اللغوية، واستخداماتها، وارتباطها بكلام الناس اليومي من الأمثال والصيغ الشعبية، على وزن “لا تقولوا طاسة ترى في البيت أقرع”، و “اللي في القدر يطلعه الملاس”، و “إللي عطاك بالملاس يعطينا بالخاشوقة”، و “من غير شي يضربها.. كيف امْضَيعَهْ الملاس”.

علاوةً على ذلك؛ يقدم الكتاب مسرداً للوجبات المنقرضة من المطابخ الحالية، مثل “المبصل” “البيض المفخّر”، “الحلى” و “الربيان المجفف”، وأمثال ذلك.

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com