عيون القطيف.. اختفت 263 جوفية وظهرت 2577 ارتوازية حُفرت في الخمسينيات لحل نزاع المزارعين.. والآن؛ لكل بستان عينه الخاصة

القطيف: صُبرة

يتذكّر الصحافي عبدالله الدبيسي؛ كيف حُفرت أول عين ارتوازية في قريته العوامية. لم يكن قد أكمل العاشرة من عمره وقتها. ولم يكن الحفل هو المدهش فيما يتذكره ويرويه، بل جلب آليات ضخمة من الطريق إلى وسط “فريق الجبل”، غربيّ المسجد. رجالٌ كثيرون من القرية؛ ساعدوا في نقل تلك الآليات الهائلة الحجم، وزحفوا بها خطوة خطوة، عبر النخيل، حتى وصلوا إلى موقع العين، وبدأ الحفر..!

عبدالله الدبيسي

وحسب الدبيسي؛ فإن حفر العين الارتوازية كان تنفيذاً لأمر من الملك عبدالعزيز، ترتيباً على التماس رفعه بعض أهالي العوامية، وطلبوا حفر العين للمساعدة في ريّ النخيل المحيط بالحي الذي كان مأهولاً بالسكان، ويحمل اسم “فريق الجبل”.

لماذا الارتوازية..؟

قد يبدو غريباً أن يطلب مزارعون، في العوامية، حفر عين ارتوازية في أوائل خمسينيات القرن الماضي. حتى ذلك الوقت كانت في العوامية 35 عيناً جوفية في الحدّ الأدنى. وقريباً من “فريق الجبل” ـ عيناً ـ عيونٌ ثرثارة، تتدفق أمواهها ساقيةً النخيل والبساتين، فيّاضة بما يزيد عن حاجة الريّ إلى “المرامي” و “المنجّيات” التي تنشر مستنقعات “الخريس” و “الشرجات/ الشريات”، في كل مكان. هناك عيون مهمة قريبة من المكان؛ مثل “الطيبة” و “الربيانة” و “أم جديّر”. ومع ذلك؛ طلب الناس عيناً ارتوازية للحصول على مزيد من الماء، المزيد من التدفق، لتلبية احتياجات الرّي.

نسخة عين فريق الجبل تكرّرت في العوامية، وحُفرت عيونٌ ارتوازية أُخرى تباعاً. والنسخة العوامية، نفسها، تكرّرت في كل بلدات القطيف تباعاً أيضاً. أخذت العيون الارتوازية تنتشر، عاماً بعد آخر، في سَيحات النخيل، وفي الأحياء المأهولة أيضاً. وحين بدأت البلدية في مشروع شبكات المياه في الأحياء، كانت العيون الارتوازية مصدراً للمياه.

 

نظام الوَضَحْ

مصدر الغرابة هو انعدام الحاجة الفعلية إلى الماء بوجود مئات العيون الجوفية المنتشرة في القطيف، من أقصاها إلى أقصاها، وتفجُّر المياه على نحو وضع القطيف في مشكلة صحية تاريخية جرّاء وفرة المياه وانتشار المستنقعات. إذ كيف يطلب الناس مزيداً من مصادر المياه، والعيون تتدفق في كل مكان..؟!

تنتفي الغرابة؛ حين نحاول فهم طبيعة نظام الريّ الذي كان سائداً في تلك المرحلة. العيون متوفرة، والمياه مُتاحة، ولكن ضمن تقسيمات غير عادلة، جعلت من الاستفادة من وفرة المياه أشبه ما يكون إرثاً خاصاً بمُلّاك البساتين فيما بينهم. كلُّ سَيحة لها عيونها، وكل عين تخصّ مجموعة من البساتين حصراً ضمن النظام المعروف بـ “الوَضَحْ” الذي يمنح كلّ بستان، ضمن قائمة العين، وقتاً مخصّصاً للري في الأسبوع الواحد.

نزاع مزارعين

فتح هذا النظام باب التنازع بين المزارعين فيما بينهم، وفيما بين المُلّاك أيضاً. وفي ظروف مختلفة؛ ترسّخت أنواعٌ من الهيمنة على الماء، حتى أن بعض العيون كانت تسقي سَيحات خارج نطاقها الجغرافي. وقد وثّق السيد أثير السادة بعض هذه الحالات، في تقصّيه لتاريخية الماء للعين المعروفة بـ “الكعيبة”. فهذه العين تقع غرب قرية الجش، لكنّ ماءها كان يذهب إلى سيهات البعيدة. ويقول السادة إن عين “الكعيبة تقع في برّ سيهات، وسيهات لكونها لا تملك عيوناً نبّاعة بقوة داخلها؛ عمد أهلها إلى عمارة سيحة سيهات القريبة من العين”.

وفي بلدة الجارودية عيون تسقي الخويلدية، وفي القديح عيون تسقي بساتين في العوامية. ويمكن فهم مثل هذا النوع من الهيمنة في السَّيحات المتداخلة. ولم تنجح الأجيال المتعاقبة في إدارة المياه على النحو الذي يستفيد من الفائض الذي يتحول إلى مستنقعات نهاية الأمر أو يذهب إلى البحر.

برزت الحاجة إلى العيون الارتوازية لمثل هذا السبب، ولسببٍ آخر؛ هو نُضوب بعض العيون الجوفية تدرُّجاً وتباعاً. وقد وثّق الشيخ عبدالله الخنيزي بداية هذه المشكلة في منتصف الخمسينيات، “قرية الجش وغربي قرية أم الحمام”، عبر مقال نشره في صحيفة “المدينة” سنة 1376هـ.

 

أعداد العيون

تتوفّر 4 إحصاءات لعيون القطيف الجوفية التاريخية، أولها رصد محمد سعيد المسلم الذي سرد قائمة بـ 160 عيناً في القطيف، ثم عبدالخالق الجنبي الذي أحصى ـ حسب بحثه ـ أكثر من 350 عيناً، ثم حسين تقي الزاير بقائمة تضم 171 عيناً. وأخيراً السيد عدنان العوامي الذي قدّم مسرداً لـ 263 عيناً في القطيف، و 3 عيون في الدمام والظهران والخبر، في كتابه الصادر مؤخراً “عيون القطيف.. الفردوس الموؤود”. ومتوسطّ كل ذلك هو 211 عيناً.

ومع اختفاء معالم أغلب العيون، خاصة الداخلة ضمن النطاق العمراني، بات من الصعب حسم العدد إلا عبر الشهادات الشفاهية.

وأيّاً كان العدد الحقيقي للعيون؛ فإن الواقع يُشير إلى اختفاء المياه من العيون الجوفية. يُقابل ذلك انتشار العيون الارتوازية في النخيل وعلى نحو مختلف عن الطريقة التي بدأت.

2577 عيناً

حُفرت العيون الارتوازية ضمن السَّيحات الزراعية، لتخدم كلّ عين مجموعة من النخيل والبساتين. ولذلك كان حفرها بجوانب الطرق الزراعية. وكان عددها محدوداً في كل قرية. لكنّ العدد تضخّم، عاماً بعد عام، ليُصبح لكل بستان عينه الخاصة به.

وطبقاً للهيئة العامة للإحصاء؛ فإن عدد الآبار الارتوازية، في القطيف، وصل إلى 2515 بئراً، يُضاف إليها 62 بئراً ارتوازية يدوية. وجميعها توفّر مياه الريّ في أوقات الحاجة، ويتمّ إيقاف تدفقها بعد الانتهاء من الريّ. وهذا ما كان مختلفاً عن العيون الارتوازية الأولى التي كانت تتدفق على مدار الساعة سَيحاً مثلها مثل العيون الجوفية. العيون الارتوازية الحالية لا يمكن الحصول على مائها إلا عبر آلات الشفط “المواطير”.

—————–

شاهد

الموقع المعروف في العوامية بـ “فريق الجبل”، وتظهر في الفيديو العين الارتوازية التي حُفرت في الخمسينيات بأمر من الملك عبدالعزيز. الفيديو لسعد الفرج، وتاريخ تصويره سنة 1985.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com