[ميناء القطيف 27] البريطانيون شوّهوا سمعة رحمة بن جابر لأسباب استعمارية سادلير لديه وجهة نظر مختلفة.. وابن بشر سرد قصة نهايته

[من أوراقي 24]

ميناء القطيف

مسيرة شعر وتاريخ

عدنان السيد محمد العوامي

دماء وبارود وتهم

هذا العنوان يعارض تمام المعارضة، ما نقله الأستاذ محمد سعيد المسلم عن لوريمر، ونصُّه: (وتبلغ مغاصات اللؤلؤ في الجانب العربي من الخليج، وبالتحديد من دبي حتى الكويت 239 مغاصًا، وهي مباحة لجميع صيادي اللؤلؤ([1]).

والعنوان الذي يتصدر هذه الحلقة (دماء وبارود وتهم) لم أضعه تعمُّدًا للإثارة، فأنا لست يوسف شاهين كاتب (صراع في الميناء)، ولا شخصية الحلقة هو أحمد رمزي المتهم بجريمة القتل. صراع في الميناء فيلم خيالي مثير، لكن قصتنا قصة حقيقية أدار أحداثها رجال  حقيقيون.

فلنبدأ سرد الحكاية بهذا التمهيد:

تقول القاعد الشرعية: “كل متهم بريء حتى تثبت إدانتُه”، والمتهم هذه المرة رجل صار في ذمة ربِّه والتاريخ، وهو – وإن لم يكن معصومًا – فهو ليس شيطانًا بكلِّ تأكيد، ولقد تناول سيرته كثير. منهم عدَّه بطلاً يستحق الخلود، ومنهم من عدَّه قرصانًا تجاوز الحدود، وسأعرض ما وقفت عليه من التهم أولاً، ثم أعرض الشهادات. التهم موجهة من كاتبين أجنبيّين، ومن عجيب الصدف أنهما متفقان في الجنسية، الأول هو تشارلز بلغريف.

تحت عنوان: (رحمة بن جابر)، أصدر حكمه قبل أن يكتب أي كلمة عن المتهم، فقد صدر مقالته بهذا القول:

“إن القرصان عدوٌّ للجنس البشري”.

كوك

كذا!

ثم يتابع:

… وإلى اليوم نجدُ أنَّ في أسواق ومقاهي المدن الساحلية المنتشرة على ضفاف الخليج، لا يزال كبار السن يحكون قصصًا عن حياة وموت رحمة بن جابر. فقد كان أحد أكثر الشخصيات نشاطا في الخليج، وقرصانًا شجاعًا دون خوف أو رحمة.

وكان رحمة قد بدأ نشاطه قبل سنوات عديدة من وصول “لوش” إلى الخليج، ثم انتهت هذه الأنشطة بشكل دراماتيكي بعد عدة سنوات من مغادرة “لوش” للمنطقة. ويقال بأنه بدأ حياته كتاجر للخيول، ثم اشترى سفينةً بالأموال التي حصل من هذه المهنة، وجمع لنفسه 12 شخصًا، وأخذ يعمل في القرصنة، وفي أول مغامرة له استولى على سفينة تزن 300 طن، وبها 350 رجلاً، وتعتبر قصة رحمة مثالاً على العداء القبَلي، أي تلك العداوات التي كانت تستخدم لزعزعة الاستقرار في الخليج.

  (وعندما كان “بكنجهام” في أبو شهر في عام 1816، وصل رحمة ومعه أسطول من تسع سفن بها حوالي 2000 رجل أغلبهم من العبيد السود الذين كانت له سيطرة تامة عليهم. ويتحدث بكنجهام بالقول إنه عندما يبدي أي عدد من عبيده دلائل  على التمرد، يقوم بوضعهم في خزان ماء خشبي موجود في سفينته ويغلقه عليهم حتى يختنقوا فيرميهم في البحر).

يواصل بلجريف: (وعودة إلى رحمة نجد أنه أصبح من المعروف في أبو شهر بأن جزءًا من أسطول رحمة كان في انتظار مهاجمة مجموعة السفن التي تبحر من لِنجة حاملة معها مؤونة العام من التمر إلى البحرين إذ إن الفرس في لنجة قد أصبحوا أصدقاء لشيوخ البحرين، وهذا ما أدى إلى غضبه([2]). وأما اللقاء بين لوش ورحمة فقد كان في عام 1820 بعد فترة قليلة من توقيع معاهدة السلام بين شيوخ ساحل القراصنة وشيخ البحرين. وعندما كان لوش في بوشهر جاء رحمة وسمع  المعلومات التي تتضمنها المعاهدة، والتي لم يشارك فيها هو، وحين وصل إلى بو شهر كان معه اثنين (كذا!) أو ثلاثة من بينهم ابنه الأكبر بشر. كان من الصعب الاعتقاد بأن رجلاً مثل رحمة سوف يصبح مسالمًا، ويترك القرصنة والقتال، . ويبدو بأنه كف عن القرصنة إلا أنه استمر في مضايقة سفن أعدائه في البحرين، وقد حاول شيخ البحرين مرتين أن يعقد معه اتفاقية، كانت الثانية عام 1823. ومع أن الطرفين اتفقا على معاهدة صداقة إلا أنها لم تدم إلا لعامين فقط، حيث رجع العداء بينهما من جديد. ورغم أن القرصان المحنك قد أصيب بالجروح من جرَّاء اشتراكه في مئات المعارك وفقدان بصره، فإنه لا زال يشكل قوة لها حسابها في الخليج، فقد قاد أسطولا قويًّا يتألف من قراصنة عرب لا يرحمون، وعبيدا سود، كما ضم لاحقًا عددًا من البلوش قي خدمته. والمعروف عن هؤلاء في الخليج أنهم محاربون من الدرجة الأولى).

وفي عام 1826 كان الشيخ عبد الله بن أحمد يبحر مع قطع من أسطول البحرين بالقرب من ساحل شبه الجزيرة العربية عندما سمع  بأن رحمة قد ركب سفينته “الغطروشة”، في ميناء القطيف، الذي يقيم فيه الكثير من أتباعه، أما رحمة نفسه فقد استقر في الدمام مرة أخرى، وكان في إمكانه أن يرجع  إلى الدمام عن طريق البر، إلا أنه قرر الدخول في معركة مع آل خليفة، ولذلك فقد أعد نفسه وحرك سفنه بعيداً عن جدران مدينة القطيف، يحركها العبيد بالمجاديف، وعلى مشهد من سكان المدينة الواقفين على الساحل عبرت السفينة إلى داخل البحر حيث يوجد أسطول البحرين، وقد انتظر رحمة حتى دخلت سفن البحرين إلى المياه العميقة، ثم اندفع نحوها بشدَّة.

ومع اقترابه من السفن وقف رحمة على المؤخرة المترفعة لسفينته ومعه ابنه ذو الثمانية أعوام وعبده المفضَّل “طرار” الذي أخبر سيده بأن قائد أقرب السفن هو الشيخ أحمد بن الشيخ سلمان.

ثم اقتربت السفينتان الكبيرتان من بعضهما البعض، ومعه سمع صوت تكسر الأشرعة والأخشاب، حينها قام البحرينيون (؟!) بقيادة الشيخ أحمد والمسلحون بالسيوف والدروع الصغيرة المدورة بمحاربة رجال رحمة، ثم قفزوا إلى داخل “الغطروشة”، وفتحوا طريقًا عبر القراصنة الذين يدافعون عن السفينة باستخدام السيوف والرماح والخناجر. في هذه الأثناء قتل الكثير من الرجال، وسالت الدماء إلى البحر حتى أصبحت المياه المحيطة بالسفينتين حمراء اللون.

  بعد قتالهم اليائس، انسحب القراصنة إلى الخلف شيئًا فشيئًا نحو زعيمهم الكفيف الذي كان جالسًا في مؤخرة السفينة، وعلى مخزن البارود بالضبط، وعرف رحمة حينها بأنه خسر المعركة، وبأن خصومه قد اقتربوا من حراسه المحيطين به، حتى كاد أن يصبح رهينة في يد خصومه من آل خليفة. هنا تذكر قول الملكة الزبَّاء([3]) بيدي لا بيد عمرو، فأخذ إحدى الجمرات ورمى بها إلى مخزن البارود الواقع تحته. كان الانفجار شديدًا، وأدى إلى تقطيع السفينتين إربًا [إربًا]، وبعد أن اختفى الدخان لم تبق إلا القطع الصغيرة التي ظلت  تصدر بعض الدخان، كما ذهب مع الانفجار كل من رحمة وابنه ورجاله، وبعض خصومه ومنهم الشيخ أحمد. وهكذا انتهى رحمة بن جابر الجلاهمة >الذي جسَّد شخصية لص البحار العربي” بكل وضوح([4]).  

المتهِم، من هو؟

متابعة للنظرة المعادية

 ذلك هو رحمة بن جابر الجلاهمة: قرصان، ولص بحار، وقائد قراصنة عتاة، من وجهة نظر أعداء ألدَّاء، غير أمناء، لا يملكون الشجاعة على قول الحقيقة، وهي أن الأعمال التي يصفونها بالقرصنة يعتبرها غيرهم مقاومة لغاز جاء من وراء البحار للنهب والسلب والسيطرة. ومن حسن الحظ أن لدينا شاهد نقض أجنبي ينتمي إلى جنسية المدعي نفسه، وهو النقيب جورج سادلير وقد التقى المتهَم وجهًا لوجه، فلنر ما ذا يقول:

16 يونيو.- وقع حادث مؤسف عند وصول السفينة إلى مكان الارتفاق، إذ هبَّت عاصفة ثانية شمالية غربية فانفصلت السفينة من كِلْتَي مرساتيها، هذا أجبرها على الدخول إلى أبو شهر للحصول على مساعدة الزوارق؛ لرفع مراسيها، وعلى الرغم من أنني لم أحتج إلى مدة بهذا الطول للتجهيز فقد أُخِّرتُ إلى ما بعد ظهر السادس عشر حين استقلَّيت طراد الشركة المبجلة الفيستال “Vestal “The.

رُشِّحَ الفيستال “Vestal “The ليحل محل “مركري” على الساحل العربي، ولهذا السبب انطلقت الآن بسرعة لتفادي الإزعاج في طلب النجدة. أبحرنا من معابر أبو شهر بعد ظهيرة السادس عشر ورسونا على الشاطئ العربي بعد ظهر الثامن عشر، متوقعين أن نواجه قليلاً من الصعوبة في دخول مرفأ القطيف، لكن خيبتنا كانت فادحة حين اكتشفنا أن ذلك الرُّبَّانَ المسِنَّ الغبيَّ كان جاهلاً كليًّا بالمرفأ، فأوقعنا مع كامل عدة الإبحار على ضفة رملية حيث بقينا طوال الليل غير قادرين على تحسين وضعنا. بعثتُ الشيخ خميس Shaikh Khamees  برسالة للحاكم التركي في القطيف لطلب رُبَّانٍ يوصلنا إلى العقير، المكان الذي نُصِحتُ بالذهاب إليه باعتباره أقرب كثيرًا إلى الأحساء، والموقع الأفضل لإجراء الاتصال، ولهذا الغرض قمت باستئجار مركب شاحوف في أبو شهر لمرافقة الطراد من أجل توفير كل التسهيلات للاتصال. هذا الشيخ قدم خدماته كمرشد، وقد كان أقام عدة أشهر في هذه الناحية، وقام برحلتين إلى الدرعية، من أجل ذلك رأيت أن من الأحسن أن آخذ معي شخصًا يكون معروفًا شخصيًّا لدى شيوخ البدو.

لم يعد الشيخ في صباح اليوم التالي، كما كنت متوقِّعًا، ولأنه لم يمكن الحصول على ربان فقد بذلت جميع المحاولات لاكتشاف قناة أعلى الجانب الجنوبي من الخليج دون جدوى. بعد ظهر التاسع عشر أرسل رحمة بن جابر Rahmah bin Jaber قاربًا للترحيب بنا عند وصولنا. وكنت تواقًا لاكتشاف مأوى هذا البربري، الذي يقع في الجانب الجنوبي من الخليج، ولم أفلح إلا قبل بضع ساعات من وصول زورقه على متن الطراد الفيستال “The Vestal”. عاد خادمه بوعد فحواه أن رُبَّانًا سوف يرسَل في القارب الذي أرسلته، ولن يحصل أي تأخير. برَّ الشيخ رحمة بوعده، وأرسل على متن القارب اثنين من الربابنة المهرة، فقادا السفينة أثناء المدِّ الصباحي عبر قناة السفن الواقعة في الجانب الشمالي حيث توجد قناة ممتازة عميقة تمرُّ قريبة وموازية للسان ضيق من أرض رملية تكوَّن منها هذا الخليج، أو فصلها عن المحيط. رسونا هنا بعد ظهر يوم العشرين بعد أن أضعنا يومين بسبب جهل الربان البوشهري الذي بالتأكيد لا يستحق الثقة. بالنسبة لاستفساراتنا فيما يتصل بمرفأ العقير أجاب الشيخ رحمة بأنه يستحيل الوصول إليه بسفينة ضخمة، وأن سفينة صغيرة يمكن أن تبقى بعيدًا على مسافة كبيرة، لكنه لن يلتزم بالدوران حول البحرين إلا أثناء النهار لأن المجاز صعب وصخري. جاء الشيخ خميس عند عودته بالمعلومات نفسها من القطيف. وخليل آغاKhuleel Agha ، الحاكم التركي نصح، بقوة، بمواصلة السير عن طريق القطيف، فقررت التخلي عن فكرة الوصول للعقير عبر الدوران حول الضفة الجنوبية للبحرين الذي قد يتطلب يومين. بناء على ذلك رسوت صبيحة الأحد الواحد والعشرين في بلدة سيهات Sayhat الواقعة على الجانب الجنوبي للخليج. حوالى ثلاثة أميال أسفل القطيف. بعث خليل آغا بيوسف آغا Yusof agha ، وهو جندي تركي ذكي مُعَيَّنٌ جابيَ مُكُوسٍ، وهو يليه في المترتبة كي يرافقني من السفينة، ويختار هذه البقعة لإقامتي، إذ إن البلدة أو المدينة، كما قال، كانت غير صحية تمامًا بحيث أن إقامتي فيها ستكون خطيرة على حياتي ولو لليلة واحدة. كانت المسافة من مكان الرُّسُوِّ إلى مكان النزول قرب البلدة بالتأكيد اثني عشر ميلاً، والمكان الذي نزلنا منه بالإضافة إلى طول هذا الساحل الرملي كله، كان ضحلاً جدًّا إلى حد أن الجمال والخيول كانت تستعمل لنقل الأشخاص من القوارب، وجميع الأمتعة، إلخ، تنقل على الحمير([5]).

مع ما يضمر سادلير من كره لرحمة، فكل ما استطاع أن ينفس به عن دخيلته؛ هو نعته بالبربري، لكنه لم يجرؤ على نعته بالقرصان؛ لأن سلوكه معه كان في غاية النبل، والشمم، وهذه ليست سجية القرصان.

وجهة نظر أخرى حليفة

المؤرخ النجدي الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر يقف موقف المدافع، فيقدم دفاعه في سياق تأريخ لوفاة رحمة بن جابر، ضمن حوادث سنة 1242هـ، فيقول : (وفي جمادى الأولى توفي الشجاع المقاتل في البحر رحمة بن جابر بن عذبي، رئيس الجلاهمة من بني عتبة، أهل البحرين وأهل الكويت وكان نادرة وقته بأسا وشجاعة، وكان سعود رحمه الله تعالى استعمله في تلك الناحية، وجعله في الخوير والدمام المعروفين في قطر والقطيف محاربَا في البحر، فصار له هيبة وقوة، وأرسل سعود رجالاً يقاتلون معه، وكثرت أعوانه، فحارب أهل البحرين وأهل مسكة وغيرهم حربًا شديدًا، وله معهم مقاتلات ووقعات  شديدة سبق بعضها في أول الكتاب، فلما نفذ القدر في آل سعود بالتفرق والجلاء، ونزل الدمام وأقام مدة مصالحا لأهل القطيف والبحرين، ثم وقع بينه وبين آل حميد رؤساء الأحساء والقطيف محاربات في القطيف، فصالحوه على شيء يدفعونه إليه من المال، ثم انتقض الصلح بينهم، وقام في حرب البحر كله من أهل البحرين والقطيف وبني خالد وغيرهم، فاجتمع جنود عظيمة لحربه مع ماجد بن عريعر في البر ومعهم عبدالله بن خليفة بجنوده من أهل البحرين وفي البحر سفن من أهل البحرين مع أحمد بن سلمان بن خليفة ومعه جنود كثيرة، ثم إن رحمه ركب في سفينته، وخلف  ابنه في قصر الدمام في محاربة أهل البر، فاتفق أن أحمد بن سلمان سار إلى سفينة رحمه يحسب أنه ليس فيها، لأنه ذكر له أنه نزل منها إلى ولده، ولم يشعر برجوعه، فشرع سفينة رحمة وربط سفينته فيها، فحصل بينهم قتال شديد يشيب من هوله الوليد، قتل فيه خلق كثير حتى صبت ميازيب السفينتين بالدم، فأراد الله سبحانه أن سفينة رحمة يثور جبخانها([6]) من البارود الذي فيها، فاشتعلت النار في السفينتين واحترقتا، وسبح من بقي فيهما، فجعل من كان من أهل البحرين الذين في السفن التي ما باشرت القتال يلتقطون من سبح، فمن عرفوه منهم حملوه، ومن كان من قوم رحمة قتلوه، وفقد رحمه الله ذلك اليوم) ([7]). ثم يورد قصيدة لرحمة تظهر معتقده السلفي، بوضوح. 

ترجمة رحمة بن جابر

تبدأ سيرة رحمة بن جابر مع ابتداء ظهور اسم الجلاهمة في الزبارة في قطر أولاً، ثم في خور حسن في شمالي قطر، وكان رحمةُ أحدَ أبناء شيخ الجلاهمة جابر بن عذبي، وكان أصغرَهم سنًّا، وقد آلت إليه رئاسة الجلاهمة بعد وفاة أخيه الأكبر في جزيرة دارين في القطيف.

النشأة

ولد في الكويت، ويفهم من سجلات شركة الهند الشرقية أن عمر رحمة كان حوالي السبعين عاما عند وفاته عام 1826م، فعلى هذا يكون مولده حوالي عام 1760م .

قوته البحرية والبشرية

إن قوى رحمة البرية والبحرية التي كان يسيطر عليها ليس من السهل تقديرها على وجه الدقة، لكن ما سجله بعض الرحالة، وتقارير رجال شركة الهند الشرقية يمكن أن تساعد على تقديرها، ويذكر بكنجهام نبذة عن هذه القوى، كما شاهدها في مياه بوشهر عام1816 حين قام رحمة بزيارة للمنطقة ولمدينة الحليلة القريبة منها على وجه التحديد قدَّرها بكنجهام بنحو خمسة إلى ستة مراكب معظمها كبير الحجم، وتقاد بواسطة طاقم مكون من حوالي ثلاثة مائة رجل. أبحر هذا الرجل في كل الأنحاء، وأمسك بكل ما أمكنه كغنائم له. سفن القرين “الكويت” والبصرة والبحرين ومسقط وحتى من بوشهر … كلها كانت فرائس له متساوية عنده. أتباعه كانوا قريبين من حوالي ألفي رجل استمروا في النهب والسلب لصالحه . وكان معظم هؤلاء الناس من العبيد المشترين من أفريقيا والباقي كانوا تحت سلطته بنفس الطريقة.

أما المستر بروس BRUCE  المقيم الإنجليزي في بوشهر فقدّر عدد أتباعه الذين نزلوا معه الحليلة بالقرب من بوشهر عام 1816 بنحو خمسمائة أسرة يقول في تقريره “إن الزعيم والقرصان المشهور رحمه بن جابر مع كل مراكبه وقبيلته والتي تتكون من 500 عائلة وصلت إلى بوشهر والحاكم الشيخ محمد استقبلهم ومنحهم جزءًا من المدينة ليعيشوا فيها شريطة أن يكونوا أصدقاء لأصدقائه وأعداء لأعدائه، وكان رحمه يمتلك بغلتين كبيرتين – الغطروشة والمنوَّر- وبتيلاً كبيرًا، وعددًا من البغلات الصغيرة.

أعماله الحربية

أما الضابط الإنجليزي صمويل ريتشارد فيقول: “إن رحمه نفسه من أصل وهابي، ومن أتباع الوهابيين، فليس ثمة تعارض بين الشيخ ارحمه وبين القواسم بل ربما كان ارحمه أكثرهم تطرفًا، وهو يقف في الصف المعادي لبريطانيا ، وهذه الاعتبارات إلى جانب متطلبات العدالة إنما تفرض على الحكومة البريطانية أن تضع حدا لنشاط هذا الرجل وألا تقف موقف اللامبالاة والتخاذل على سبيل مجاملة الأمير سعود بن عبد العزيز آل سعود”.

في عام 1811م قام الشيخ رحمه بن جابر وحلفاؤه القواسم بالهجوم على البحرين ولكنه لم يوفق في احتلالها نتيجة تدخل السفن البريطانية. وفي عام 1811م قام الشيخ رحمه بالاستيلاء على سفينة تجارية محملة بالخيول تابعة لشركة الهند الشرقية “البريطانية”، ولم تفلح احتجاجات المقيم البريطاني عليه .وقد كتب المستر بروس 1816م يقول: “إن ارحمه سوف يسيطر على الخليج لا محاله إذا لم يوقف عند حده”، وفي عام 1818م تقدم ارحمه للقطيف، ونزل فيها وقصف البلدة بمدافعه وسار إلى الدمام حيث بنى فيها قلعة الدمام ليقيم فيها. وقد رأى الشيخ ارحمه أنه يجب الاستيلاء على البحرين كخطوة أولى في سبيل ضرب الأسطول البريطاني ولكن المقيم البريطاني في بو شهر هدد بتحطيم سفن ارحمه إذا لم يوقف الاعتداء على أصدقاء بريطانيا في البحرين . وفي عام 1820م طلب المقيم العام البريطاني من الشيخ رحمه التوقيع على الاتفاقية العامة التي وقع عليها مشايخ الخليج، ولكنه رفض رفضًا باتًّا ومثل بذلك تمرُّدًا عربيًّا على سياسة بريطانيا التوسعية في الخليج. عندما غادر الأسطول البريطاني جزيرة قشم عام 1823م رأى الشيخ رحمه أن باب العمل أمامه أصبح مفتوحا على مصراعيه لتوحيد الخليج تحت قيادته، ولكن القيادة البريطانية فطنت لمخططه فاحتفظت بالأسطول قرب جزر البحرين، وقد استطاع الشيخ رحمه ضرب كثير من السفن البريطانية التي كانت تسير منفردة؛ مما أزعج البريطانيين. كان لصراع الشيخ ارحمه الطويل والمعارك التي خاضها ضد خصومه الكثر دور كبير في تناقص أعداد قبيلته الجلاهمة التي كانت تقدر بخمسمائة أسرة آنذاك حسب تقدير التقارير البريطانية.

ويذكر أن رحمة كان قد فقد بصره في أخريات عمره، وقد رثاه الشعراء بقصائد لا تزال محفوظة منهم العالم محمد بن سلطان القطيفي في قصيدة ميمية([8]).

إذن فالرجل قائد حربي منضم إلى حلف سياسي، وليس قرصانًا كما يصفه الأعداء.

ما ذكر عن رثاء العالم محمد بن سلطان القطيفي، له ما يؤيده، فقد سمعت من الشاعر أحمد بن سلمان الكوفي (رحمه الله) أن ابن سلطان كان متصلًا  برحمة بن جابر، وله فيه مدائح.

———-

([1])واحة على ضفاف الخليج – القطيف،  مطابع الرضا، الدمام الطبعة الثالثة، 1423هـ، 2002م، ص: 298.

([2])هذا كلام بعيد كل البعد عن الحقيقة، فأي بلدان المنطقة مشهورة بالتمر، وأقرب إلى البحرين؟ لنجة: مدينة وميناء على الساحل الشرقي للخليج، تقابلها الإمارات العربية المتحدة من الغرب، فضلاً عن أنها ليست ذات نخيل كما البحرين نفسها، ناهيك عن جارتيها الأحساء والقطيف.

([3])الزَّباء، أو زنُّوبيا Zenobia: ملكة تدمر، توفيت بعد عام 274م، تولت الحكم بعد  مصرع زوجها أذينة، الذي شن على الفرس  في ما بين عام 262 وعام 267 حملات عسكرية مظفرة. استولت على مصر عام 269، وفتحت معظم أجزاء آسيا الصغرى عام 270. أعلنت استقلالها عن روما. سار الإمبراطور  أورليان  لقتالها  فهزم قواتها عند أنطاكية، وحمص، ثم حاصرها واقتادها رومة عام 272 حيث قضت بقية حياتها محاطة بمجالي التقدير والإكرام. موسوعة المورد، منير بعلبكي، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة الأولى، 1983، جـ10/203. أما الإشارة هنا فمستوحاة من الرواية العربية، وخلاصتها أن الزباء كانت ملكة على الجزيرة، وكان لها ثأر عند قاتل أبيها جذيمة بن مالك الأبرش ملك ما على شاطئ الفرات، فلما قويت شوكتها حاولت غزوه، وتبودلت الحيل بينهما وانتهت بأن الزباء ابتعلت السم الذي في فص خاتمه وهي تقول العبارة الواردة هما. تنظر في ذلك كتب التراث، مثل مجمع الأمثال للميداني، والأغاني، والأوائل، وغيرهما.

([4]) ساحل القراصنة، تشارلز بلجريف، ترجمة مهدي عبد اله عبد الرسول، وفاروق أمين محمد، نشر دار الخيال للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ومؤسسة الأيام للنشر، البحرين، الطبعة الأولى، 2006م، ص:  145- 151..

(([5] يوميات رحلة عبر الجزيرة العربية، من القطيف في الخليج إلى ينبع في البحر الأحمر خلال عام 2829م، النقيب جورج فورستر سادلير، ترجمة عدنان السيد محمد العوامي، مراجعة عبد المجيد سعيد الجامد، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1437هـ، 2016م، ص: 54 – 56.

([6])الجُبَّخان في اصطلاح أهل نجد: الديناميت، والبارود،  كلمات قضت، معجم بألفاظ اختفت من لغتنا الدارجة، أو كادت، محمد بن ناصر العبودي، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الرياض، 1423هـ، جـ1/119.

([7])عنوان المجد في تاريخ نجد، الشيخ عثمان بن عبد الله بن بشر النجدي الحنبلي، حققه وعلق عليه الدكتور عبد الرحمن بن عبد اللطيف بن عبد الله آل الشيخ، مطبوعات دارة الملك عبد العزيز، الرياض، الطبعة الرابعة، 1403هـ، 1983م، جـ2/52 – 53.

([8] )موقع المعرفة، الرابط: https://chl.li/bkVfK ، وأرخ ابن بشر وفاته في جمادى الأولى 1226هـ، عنوان المجد في تاريخ نجد، جـ1/319 – 320هـ، وجمادى الأولى سنة 1242هـ، جـ2/51 – 52.

زر الذهاب إلى الأعلى

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×