“الهامور”.. الأغلى سعراً.. الأشهى طعماً.. الأشدّ غباءً يأكلّ أيّ شيء في كلّ مكان ويُصطاد بسهولة

ينسى السنّارة وخدعة الطعم ويعود إلى صيّاده خلال دقائق

السمعة الجامحة، والصورة المهيبة التي انتقلت عنه من البحر إلى البرّ، وموقعه من سلّم الغذاء في بيئته.. كلّ ذلك لم يمنع من أن يبقى السمكة الأكثر سذاجة وبلاهة. هذه هي الحقيقة التي لا يعرفها إلا الصيّادون عن سيد أسماك الخليج العربي.. الهامور..!

 يأكل كلّ شيء

يصطاد أيّ شيء أمامه، يأكل كلّ شيء يعترضه، يعيش في أكثر البيئات البحرية صعوبة، يتكاثر باستمرار. وهذا الميزات جعلت منه سيّداً متسلّطاً في محيطه المائيّ الواسع. قدرته على فرض إرادته وتهديده على الأسماك الأخرى؛ ولّدت تشبيهاً به في المحيط الاجتماعيّ الخليجي. فـ “الهامور” هو التاجر الكبير جداً، التاجر الذي يفعل ما يريد ويحصل على ما يشاء. فهناك هوامير عقارات، وهوامير أسهم، وهوامير آخرون لهم سطوتهم في الوسط التجاري الذي يعيشون فيه. تماماً كما هو حال سمك الهامور في البحر.

الهامور التاجر يأكل ما يليه بلا تردُّد أو انتقاء. كذلك هامور البحر الذي لا يوفَّر وجبة غداءٍ صعبةً أو سهلة، حتى وإن كانت فأراً نافقاً أسفل رصيف في ميناء. وعلى ذلك؛ يبقى هامور البحر معزّزاً مكرَّماً في بيئته حياً، وبعد صيده ميّتاً. تماماً كما يحتفظ التاجر الهامور بمكانته الاجتماعية، حتى وإن تاجر، فيما يتاجر، بالسلع الوضيعة أو الخدمات الرديئة، حتى وإن استولى على ما ليس له. ثراؤه يحميه من المسّ. وقيمة لحم هامور البحر تحميه من الرُّخص. وفيما تتراجع أسعار الأسماك لتصل أدنى مستوياته في بعض المواسم؛ يبقى الهامور في أعلى سقف الأسعار، غير مبالٍ برخص الأسماك الأدنى جودة.

ثمين ومهم

وكما هو ثمينٌ ومهمٌّ حياً في البحر، هو ـ أيضاً ـ ثمينٌ ومطلوبٌ ومهمّ في أطباق الطهاة والآكلين. وفي السوق؛ يُعرض مستلقياً فاتحاً فمه الكبير جداً، ببراطم ضخمة غاضبة أو ساخطة. ولو دبّت الحياة فيه لانتفض ونهر بائعه ومُشتريه، لشدّة ما في ملامحه من عُبوسٍ مُضحك.

في النهاية يبقى الهامورُ هاموراً، سيداً في البحر، وسيداً في السوق، وسيداً في المائدة. وأيّاً كان حجمه ووزنه؛ يبقى سيداً. لكنّ المُفضّل منه هو الوسط بين 4 و 8 كيلوغرام.

متكيّف بيئياً

بيئات الهامور البحرية مختلفة، وهو يتكيّف بسهولة، فهو قادر على الحياة في الأماكن الضحلة والعميقة. قرب السواحل وبعيداً عنها. بين الصخور وبين الشعاب المرجانية. في القيعان المُعشبة والطينية. في البرد الشديد والحرّ الشديد. في المياه الصافية وفي المياه الموحلة. وبعد اصطياده يبقى على قيد الحياة قرابة الساعتين أحياناً. ومع ذلك كله؛ فإن سلوكياته التي يعرفها الصيادين ترسم له شخصيةً مهزوزة ساذجة بلهاء ضعيفة الذاكرة والانتباه..!

 بلا ذاكرة

قصص الصيادين اليومية تكشف عن هذا الجانب الغريب في شخصية الهامور. وحسبما يحكيه محمد آل دهيم عن خبرة سنواتٍ طويلة؛ فإنه يصف الهامور بـ “البهيم”. وهذا الانطباع له مسبّباته.. يقول “ذاكرة الهامور قصيرة جداً، ولا يملك قراره”.. يشرح “قد تصطاده السنّارة، فيعفُر ويقاوم ثم يُفلت. وبعد لحظات يعود إلى السنّارة نفسها، في المكان نفسه ليتمّ اصطياده بسهولة”.

ويضيف آل دهيم “وبعد اصطياده، ونزع السنّارة من فمه، يُوضع في جانب من القارب” وبطبيعة الحال يظل “يعفُر ويعفُر، وقد يصدف أن يطفر فيسقط في الماء، وبالتالي يكون قد نجا”. لكن القصة لا تنتقي فـ “بإمكان الصياد أن يصيده بالطريقة الأولى وكأن الهامور لم يكن قد شارف على الموت قبل دقائق”. يؤكد آل دهيم أن هذه السمكة المهمة معروفة بهذه السلوكيات، ولذلك يبدو ساذجاً أبلهَ.

 ولا ردة فعل

تعامل الهامور مع شباك الصيد غريبٌ أيضاً حتى ولو لم يقع فيها. فقد يسبح حتى يصل شباك صيدٍ ويتوقف خارجها دون أن يتخذ قراراً. يبقى متوقفاً حتى يأتي أحد ويصطاده بسهولة دون الحاجة إلى حجزه بالشباك. هذا ما يقول آل دهيم الذي يضيف أيضاً أن الهامور قد يواجه صيّاداً ببندقية تحت الماء فلا يفعل شيئاً سوى المكوث مكانه رغم وجود الخطر. وقد يُطلق الصياد سهم البندقية فلا يصيبه. والمتوقع ـ في هذه الحالة ـ أن يهرب الهامور من محيط الموقع الخطر على حياته. إلا أنه لا يفعل. يبقى في الموقع نفسه يتجول ببطء إلى أن يقع صيداً سهلاً.

مثل هذه السلوكيات لا تحدث مع أنواع أخرى من الأسماك الكبيرة.. يقول آل دهيم. فالكنعد والسبيطي والقِد والشعري لديها ردود أفعال تلقائية تجاه الخطر التي تواجهه. تهرب بعيداً بسرعة. تتخلّى عن الطعم نهائياً حين تُفلت من السنارة. وبعضها يُهاجم الصياد إذا استدعى الأمر.

بغل الهامور

كأنه هامور، وليس بهامور. وبعضهم يصنّفه ويُصنّف السمّان ضمن أنواع الهامور. لكنّ ذلك ليس صحيحاً عند خبراء الأسماك. قد يُشبهه “البغل” الهامور في هيكل جسمه، وتنقيطه، وامتداد بُنيته. لكن منطقة الرأس تختلف كثيراً، كما يختلف الطعم والسعر والقيمة والجودة، وبالتالي يختلف النوع اختلافاً عميقاً.

في السوق قد يصل سعره إلى نصف سعر الهامور أول أقلّ. ويُوجد منه أنواعٌ مختلفة في الوانها، فبعضه بنّي، وبعضه ورديّ، وبعضه نقاطه قاتمة تُشبه نقاط الهامور.

هامور امْحيّل.. حِيّال

من الأسرار التي يُخبّئها الصيادون سرُّ “التحييل”، ويقصدون بذلك بقاء الأسماك في قفص الصيد “القرقور” أياماً في قاع البحر دون طعام بعد نفاد الطُّعوم. في الأصل يضع الصيادون أقفاصهم وداخلها طعوم، وبعد يوم كاملٍ يأتون لأخذها وقد اصطادت السمك. لكنهم قد يتأخرون عنها بسبب ارتفاع الموج، أو التيه عن الموقع. وحين يأتون إليها تكون الأسماك قد تأثّرت بالجوع وأصابها الهزال.

ويسمّون ذلك “حِيّالْ” أو “تحييلْ” أو “امْحيِّلْ”، وخبراء الأسماك يعرفون السر، فالسمكة “الحِيّال” تبدو ليّنةً جداً وغير متماسكة اللحم. وغير العارفين يظنّ ذلك من الطراوة. والصيّادون لا يأخذون الأسماك “حِيّالْ” إلى بيوتهم، بل يبيعونه على ما فيه من عيب.

كلمة “تحييل” أو “حيّال” ذات جذر فصيحٍ، فهي “التحجيل”، بالجيم، ومعناها الإدخال في الحَجَلة وهي قُبة العروس. و “قرقور” الصيد يُشبه القبة كثيراً. وقد يكون معناها من القيد، والسمك المحبوس في القفص مُقيَّد أصلاً. [لسان العرب: حجل، القاموس المحيط: الحجل، الصحاح في اللغة: حجل].

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com