[مقال] محمد الحميدي: أشباه المثقفين

محمد الحميدي

 

يقول علي بن أبي طالب (ع) أمير البلاغة والحكمة والبيان: “يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال”

“أشباه الرجال” مصطلح استخدمه علي لوصف المتخاذلين عن نصرة الحق وإيثار الراحة على لظى الحرب، وجاءت بعد أن هاجم جند الشام ثغور المسلمين، وفتكوا بهم وسرقوا أموالهم ثم عادوا إلى ديارهم، دون أن يعترضهم معترض أو ينالهم أذى.

هذا المصطلح “الأشباه” وإن كان علي قد اخترعه، إلا أنه استعمل فيما بعد في مجال العلوم والفنون، ونجد أبرز مثال على ذلك كتاب “الأشباه والنظائر في النحو” للسيوطي، ولعله أول كتاب يعرض المصطلح في عنوان كتاب أمام الجمهور.

إن استخدام المصطلح بهذا الشكل، واستيعابه ضمن العلوم سيعني انتقاله من الخاص إلى العام، وسيصبح ملكا لعموم المتكلمين باللغة.

إذن مصطلح “الأشباه” ليس مصطلحا خاصا بفئة أو جماعة، وليس حكراً على علم دون آخر، ويجوز استخدامه وتوظيفه في مجالات أخرى، كما فعل صاحب “الأشباه والنظائر في النحو”، مع مراعاة وملاحظة سبب إطلاقه واستخدامه فهو قد جاء لوصف حالة وتقييمها، وأنها تمثل جزءا من العقلية الثقافية آنذاك.

حين يُطلق مصطلح ما فإنه يحتوي على حمولة ثقافية لا يستطيع مجاوزتها ولا يمكن أن يُصرف إلى غيرها إلا بشروط جديدة وضمن ثقافة مختلفة، ويمكننا رؤية مصطلحات مثل الديموقراطية واللبرالية والشعبوية والإسلاموية والنسوية فجميعها تشير إلى فكرة معينة وتعبر عن حالة من حالات الثقافة.

ما الذي يشير إليه مصطلح “أشباه الرجال” وهل يمكن تعميمه اليوم؟

الإشارة تتجه ناحية الرجولة الناقصة لسبب من الأسباب؛ إما أن تكون جسدية كفقدان يد أو رجل أو عين، وإما أن تكون روحية ذهنية كالجنون وفقدان العقل، أو عدم سداد الرأي أو سوء تقدير الأمور، وجميعها تدل على نقص ما أصاب الرجولة.

حين نسقط المصطلح على البشر اليوم هل يجوز وصفهم بأشباه الرجال أم لا؟ وما دلالة هذا الوصف حينما يأتي؟

المصطلح حاليا يحتاج للتعديل بسبب التغيرات التي أصابت الثقافة وابتعدت على إثرها عن الحادثة التي نشأ خلالها وظهر للعلن، فالمقصود بالرجال اليوم ربما لا يتوافق مع الرجال في ذلك الزمان، نتيجة التشعب في التقسيمات، أما دلالته فستحمل السلبية دوما نتيجة ارتباطها بالحدث الأول أو قول علي بن أبي طالب.

إن إسقاط المصطلح أمر ممكن بل هو متداول وإن ليس على نطاق واسع فهناك أشباه المثقفين وأشباه الشعراء وأشباه المتدينين وغيرهم وهذا التنوع ناتج عن الاختلاف في تحديد مصطلح الرجال وتقسيمه إلى أنواع، وليس راجعا إلى المصطلح ذاته.

المقصود بالأشباه حين يرتبط بكل هؤلاء الأشخاص سيعني عدم قدرتهم على مماثلة الحقيقة التي تصف واقعا ما، فأشباه المثقفين ليسوا من المثقفين بل من أدعياء الثقافة، وكذلك أشباه الشعراء ليسوا شعراء وإن ادعوا ذلك، وينطبق الأمر على المتدينين وغيرهم، فهي تحمل في داخلها النقيصة والسلب؛ أي سلب الصفة من الشخص.

الأشباه مصطلح يحمل النقيصة والسلب، ويشير إلى أمر بالغ الخطورة: الموصوف به لا يمتلك رؤية كاملة وواضحة لما يجري حوله أو في مضماره، والنتيجة بالتالي عدم القدرة على التشخيص الجيد للأمور، وعدم القدرة على اتخاذ الفعل المناسب إزاء ما يجري؛ أي أنه يعيش نوعا من الجهل.

فهل بين المثقفين والشعراء والكتاب والمتدينين.. من يعيش حالة من الجهل دون أن يدرك؟

الكثير منهم يعيش الحالة دون القدرة على وصفها أو تحديدها، فهم يظنون الحق إلى جانبهم والصواب في رأيهم ولكن الأحداث تبين خلاف ما يعتقدون ويظنون، وأبرز مثال يمكن طرحه، ما يجري على صفحات السوشل ميديا ووسائل التواصل فالكل يتحدث عن رؤيته الخاصة المحددة بإطار دون قدرته على مجاوزتها واكتشاف الأبعاد الأخرى.

المثقف بات أحادي الرؤية وغير قادر على اكتشاف كامل الصورة، وهذا يتسبب بإطلاقه أحكاما وتوصيفات غاية في الغرابة، وفاقدة للمصداقية وغير خاضعة للمنطق.

وما ينطبق على المثقف سينطبق على بقية الفئات التي تقترب منه وتتماثل معه ومنهم الشعراء والروائيون والمسرحيون وعلماء الاجتماع والنفس والأنثربولوجيون والمتدينون.

كلامي هنا لا يحمل النقيصة من أحد أو فئة من الفئات بل يأتي ضمن إطار التوصيف للمصطلح وشرحه وإسقاطه على الحالة الثقافية الراهنة والمشاهد المرتبطة بها والأشخاص المنتمين إلى حركاتها ومنظماتها، وأي استخدام غير مشروع أو توجيه مخالف لما أقصد، يتحمل الناقل مسؤوليته.

ابحث عن الصورة الكاملة بجميع أجزائها وهوامشها والخفايا خلفها، وستدرك أيها العزيز، كم أنت مبتعد عن الطريق القويم، ومنتحل لصفة ليست لك، وسارق ومدعٍ لشيء لا تمتلكه، ولم تحصل عليه يوما، وربما لن تحصل عليه أبدا، طالما لم تتنازل وتهبط إلى مصاف الراغبين في التعلم واكتساب المعرفة.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com