[ذاكرة] زوجٌ صُوريٌّ يرعى الحاجّة في القافلة.. وبعد العودة ينفصلان السيد علي الهاشم يسرد قصة حملة حج عمرها 55 سنة

السفر في شاحنة.. فيضان مكة.. وطباخو سيهات والبحرين

سيهات: شذى المرزوق

قبل انطلاق رحلة الحجّ؛ يُعقَد قرانُها على أحد الحجاج. وبعد عودتها من الحجّ تنفصل عنه. وطيلة مدة العقد وسفر الحجّ الطويل؛ لا يرى منها زوجها ما يرى الزوج من زوجته، ولا حتى يخلو بها. فكلُّ ما في الأمر؛ هو أنه حلٌّ شرعيٌّ لمسافرة إلى الحج. أي أنّه مجردُ محرم لامرأة ليس لديها مُحرم في رحلة الحج.

هذا ما كان عليه حجُّ الزمن القديم، حين كانت رحلة الحجّ تعني سفراً صعباً عبر الجمال يستغرق أشهراً، ويتطلّب الارتحال والتنقُّل وجود محرمٍ لامرأة غير متزوجة. ويكون سفر والدها أو أخيها أو ابنها معها صعباً، لارتباطهم بكسب لقمة العيش، أو لسبب آخر يحول دون سفرهم معها.

يختار وليُّها حاجّاً في الحملة، معروفاً بالورع والنزاهة والمروءة، ويتمّ عقد الزواج بصورة شرعيةٍ كاملة، ليتحمّل الزوج مسؤولية الأمانة التي أعطاها إياها والد الفتاة. ثم تلتحق الزوجة بالحملة ضمن النساء. وحين تعود الحملة من رحلة الحجّ تعود الحاجّة إلى بيتها وهي منفصلة انفصالاً شرعياً أيضاً عن زوجها.

كان ذلك في الزمن القديم؛ أما الآن؛ فلم يعد السفرُ طويلاً كما كان، وسفر والد الحاجة معها، أو أخيها أو ابنها، لا يعطّل حياة أيّ منهم، أو عمله. ورحلة الحجّ لا تحتاج إلى أيامٍ معدوداتٍ تُؤدَّى فيها المناسك، ويعود الحجّاج إلى أهلهم.

ذكريات 55 سنة

الحاج السيد علي طاهر الهاشم؛ واحد من شهود التحوّلات المتلاحقة في رحلات الحجّ. مارس مهنة “الحملدار” في تنظيم رحلات الحجّ منذ أن كانت مركباتها تسير في الصحارى وتعلُق إطاراتها في الرمال. وقد سرد لـ “صُبرة” كثيراً من قصصه وذكرياته التي امتدت إلى أكثر من 55 عاماً، وهي مدة كافية لتجعل منه شاهداً على تطور آليات حملات حجاج الداخل، وانتقالها من مرحلة “البدائية”، إلى مرحلة أخرى أكثر تطوراً.

أسس حملة عام 1964م، بدأت نقل حجاجها في شاحنات مقسمة من الداخل بحاجز يفصل الرجال عن النساء، هذه الشاحنات تتعثر عجلاتها أياماً داخل الرمال، تتجاوز الأيام التي تقطع فيها الطريق من القطيف إلى مكة المكرمة.

ويدلي سيد علي سيد طاهر الهاشم، مؤسس الحملة، بشهادته لـ”صُبرة” حول بدايات الحملة، وكيف أوجدها من عدم، متطرقاً إلى الصعوبات التي كانت تواجه الحجاج سابقاً، وحالات فقدان ضيوف الرحمن، ويتذكر قصص فيضان مكة المكرمة، والباص الأصفر، والباص الألماني، والمحارم، وغيرها من القصص والحكايات التي نرصدها في هذا الموضوع..

بلا رأس مال

أسس سيد علي سيد طاهر الهاشم، الحملة بعد زواجه بمدة، وتحديداً في عام 1964م، وهو العام نفسه الذي رزق فيه بولده سيد حسن. ولم يكن الهاشم يملك رأس مال عندما أسس الحملة، وكان يستأجر الشاحنات من الخبر، ويخرج بها إلى مكة، عن طريق الجبيل، مرورًا بمنطقة الطويات، وكانت الشاحنات قديما تتعثر، وتنغرز عجلاتها في الرمال، ويستدعي ذلك نزول الحجاج لدفع الشاحنة، واخراجها إلى الطريق المعبد، مستخدمين “صاجات الشينكو”، ووضعها في مقدمة الشاحنة وتحت كفراتها الأمامية، بينما رجال الحملة من الحجاج يدفعونها من الخلف لإخراجها. ويقول الهاشم إن “وقت إخراج الشاحنة من الرمال قد يستغرق وقتاً بين يومين وثلاثة أيام، ليكملوا بعد ذلك رحلتهم إلى الرياض ومنها للمدينة”.

صاحب التموينات

ويضيف السيد: “الرحلة إلى مكة المكرمة بالشاحنات قديماً، قد تستغرق بين 8 إلى 10 أيام ، حسب عدد مرات توقف الشاحنة. ويقول: “كان السائقون يتوقفون في أراضي أقرب للآبار، قبل غروب شمس كل يوم أثناء المسير، حيث يتوقف الركب للراحة حتى طلوع شمس اليوم التالي، ثم يكملوا المتابعة”. وعن تموينهم الغذائي في الطريق، يذكر الهاشم أن “الطباخين المرافقين للجملة، كانوا يقومون بذبح وسلخ المواشي بعد شرائها من رعاة البر، ليتم طبخها مباشرة، ثم تقديمها في صورة وجبات للحجاج، إلى أن تصل الحملة للمدينة، وهناك يتم تجهيز الوجبات مما حملته الشاحنات معها من بيت المرحوم حسن إبراهيم هلال (صاحب التموينات الذي تعتمده الحملة).

ويتحدث الهاشم عن أولاده الذين شاركوه الرحلات المستمرة للحج فيقول: “أكثرهم متابعة هو سيد ضياء، حيث كان معي منذ كان عمره 10 سنوات حتى عام 1427هـ، وهو العام الذي لم أتمكن فيه من اكمال إدارة الحملة، فوليته أمرها، علمًا بأن له من الأولاد ثلاثة؛ المرحوم سيد حسن، وهو أكبرهم، وسيد عبد الهادي، وسيد ضياء، ولكن الأكثر استمرارية في مصاحبته منهم هو سيد ضياء وابن ابنته جهاد، بن السيدة عقيلة الهاشم، الذي يدير الحملة الآن، من بعد خاله سيد ضياء، منذ حوالي 10 سنوات، حيث تركها الأخير يعد ترقيته وتعيينه قنصلاً في السفارة السعودية بمصر”.

12 قربة ماء

ويتحدث الهاشم عن الخدمات الأخرى التي توفرها الحملة للمشاركين فيها، ويقول: “الشاحنات المحملة بالأكل والفرش والحقائب، تحمل في جانبيها ما يقارب 12 قربة ماء من كل جانب، وفي محطات توقف الشاحنة عند أقرب بئر، تتم اعادة تعبئة ما فرغ منها، وهكذا حتى وصولهم إلى المدينة المنورة، التي يبيت فيها الحجاج من 10 أو 15 يوماً.

ثم يتوجهون بعدها إلى الميقات المعروف بـ “أبيار علي”، للإحرام من هناك، ومنه إلى مكة المكرمة لأداء المناسك، على خلاف السنوات الأخيرة، حيث تبدأ المناسك، بمكة أولاً، ويكمل بعدها الحجاج رحلتهم إلى المدينة المنورة بعد انتهاء موسم الحج”. ويذكر السيد الهاشم أن طوال هذه المسيرة، كانت الشاحنات مقسومة من الداخل بحاجز وساتر ويفصل بين النساء والرجال”.

زمن الباصات

وتغير الحال من زمن “الشاحنات” لزمن “الباصات”، وصار السير على الإسفلت أسهل بكثير. آنذاك اشترى السيد أول باص للحملة، وهو الباص الأصفر، واعتمد على العمالة الهندية في قيادته. ويتذكر الهاشم من السائقين القدامي السائق الهندي فريد وزميله جمعة، حيث قاما بمهمة توصيل الحجاج لمدة تجاوزت 18 عامًاً”.

وتطور الحال، فقام السيد بشراء باص ألماني الصنع، بقيمة تصل إلى 450 ألف ريال. ويتذكر من السائقين لهذا الباص مشتاق علي المدن، والمرحوم إبراهيم خليل اليوسف، ومن الطباخين المرافقين للحملة، علي عويضة من الأحساء، والمرحوم عبد الله السبع، والمرحوم علي خريدة من سيهات، حتى تحول لطباخي البحرين بعدها.

ويذكر منهم سيد حسن العلوي الموسوي، بينما كان مرشد الحملة منذ بدايتها ملا حسين باقر، وشقيق المرحوم ملا حسن مرشد حملة حبيب السيهاتي آنذاك. وتابع الهاشم: “كنا نسكن في منطقة النخاولة في المدينة، حتى إذا توجهنا لمكة، سكنا في شعب عامر أو براحة الرشيد”.

مواقف وقصص

ويحدد السيد شروطاً لنجاح أي حملة حج وعمرة في السابق، ويقول إن “الحملدار اذا لم يتحل بسعة الصدر وطول البال، يعني ذلك فشل العمل، فلكل حملة تحدياتها، فقد يواجه الحملدار مشكلات عديدة في الحج، بداية بشكاوى الحجاج، حتى صعوبات التنقل، وتوفير ما يلزم لهم، ومع ذلك، يرى الهاشم أن “كل هذا أمر طبيعي، فإن إرضاء جميع الناس أمر صعب، ومع ذلك من الحكمة التحلي بالصبر وطول البال، والتعامل مع الأمور بروية وهدوء أكثر.

ويتابع: “من أكثر المواقف التي تحتاج إلى هدوء في التعامل فقدان أو ضياع الحجاج، وأتذكر جيداً حادث ضياع السيدة “أم مناف” في منى، وهي سيدة عراقية الجنسية، متزوجة من الحاج ناجي الشافعي، حيث اختفت في أول ليلة مبيت بمنى، عندما قصدت الذهاب إلى دورة المياه، التي لا تبعد عن خيام الحملة إلا أمتارًا قليلة، ومع ذلك أضاعت دربها للخيمة، ساعد على ذلك أن الوقت كان متأخراً، وكانت يوماً صعباً على زوجها الشافعي، الذي بقي ليلته يبحث عنها من خيمة لأخرى، وبعد عجزه عن العثور عليها، توجه لمكة لاكمال مناسك الحج، وفي آخر يوم للنفرة (رمي الجمرات)، جاءته البشارة من علي العوجان، أحد ساكني تاروت، بوجود “أم مناف” في احدى حملات تاروت من القطيف، وأنها أكملت أعمال الحج بسلام.

أول حجة

ويبتسم الهاشم وهو يتذكر حادثة ضياع ابنه المرحوم سيد حسن قائلاً: “تاه ابني في أول حجة له، وهو بعمر 35 سنة، في الطريق بين عرفة ومنى، لمدة يومين، وعثرنا عليه في اليوم الثالث في منى”. ويتذكر السيد أيضاً أحداث فيضان الكعبة في ثمانينات القرن الماضي، ويقول: “كنت آنذاك أطوف بالكعبة، مع المشاركين في الحملة، ووصل مستوى المياه إلى أعلى صدري وكتفي”.

ولازم الهاشم في رحلاته طوال هذه السنوات الماضية، صديقه علي الحلال بو حيدر. ويذكر الحلال أن السيد تعب كثيرًا في آخر حجة له بعام 1427، ما دفعني للطواف بالنيابة عنه”.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com