[مقال] محسن المرهون: ينبوع الحياة

محسن المرهون

بداية أحب أن أمهد بالحديث في مقالي هذا عن أهمية الزواج، التي ربما لا يختلف فيها أحد ولا داعي لمناقشتها أصلاً، ولكن دعوني أحدثكم عنها بإيجاز من باب استحضارها كمعطيات أساسية يقوم عليها الموضوع، وتحقيقا للتسلسل المطلوب في أجزاء المقال.

يعتبر الزواج مطلبا اجتماعيا ونفسيا ودينيا؛ فهو يحقق الأمن الاجتماعي بوجود شريك الحياة وما يتضمنه ذلك من عناية ورعاية وعطف ومودة في شتى المراحل العمرية واشباعا لاحتياجات الفرد العاطفية والجنسية، بالإضافة لارتفاع المكانة الاجتماعية بالزواج من خلال اتساع علاقات الفرد بالمصاهرة والانجاب.

هذا من ناحية الفرد، أما من حيث المجتمع فيكفي أنه ـ أي الزواج ـ يعتبر الوسيلة لبقاء واستمرار المجتمع بل الجنس البشري بأكمله.

إذن أيها القارئ العزيز، نحن نسير مدفوعين بمختلف القوى الاجتماعية والفطرية والنفسية باتجاه الزواج ومتطلباته، والعملية تسير بشكل تلقائي، لكن ليس تماما. وأقول ليس تماما، لأنها تشبه العيون أو الينابيع الطبيعية التي تتدفق وتسقي الزرع بشكل تلقائي، لكنها تكون بحاجة للرعاية والتنظيم والحماية من التلوث أو الانسداد بأي سبب كان، بشري أو طبيعي. فنحن كائنات عاقلة وواعية، ميزنا الله وحبانا بهذه النعمة، والتي اقتضت أن نكون مكلفين في حياتنا بشتى قضاياها، وطبيعة كل قضية تحدد لنا شكل التكليف المناط بنا تجاهها.

والسؤال الآن، كيف تسير الأمور مع الزواج في المجتمع السعودي؟ وما هو نوع التكليف أو طريقة التدخل التي يتطلبها منا؟

في الواقع إن أكثر ما يجدر بي الحديث عنه هنا، هو التغيرات الكثيرة التي طرأت على المجتمع السعودي فأثّرت بشكل ملحوظ على مختلف جوانب الثقافة ولم ينجُ الزواج وكل القضايا التي تدور حوله وفيه، من هذا التأثير.

لقد كان قرار الأب نافذا على ولده أو ابنته في مسألة اختيار شريك الحياة الأنسب، وكانت القيادة في الأسرة محسومة للزوج في الأعم الأغلب، مما يلغي أهمية الانسجام بين الشخصيتين. وبالنسبة للاهتمام بالمواصفات الجسمية فكان على نحو كبير من البساطة وقد ينعدم وجود أي تفضيلات أو شروط في هذا الخصوص عند الكثير.

أما اليوم فقد أصبح لكل شاب أو شابة تقريباً تفضيلات مختلفة فيما يتعلق بأنماط الشخصية أو المواصفات الجسدية، وكثير منهم اليوم يراعي المستوى الفكري أو الثقافي لشريك الحياة. وبما أن التغييرات التي جرت على المجتمع قد أضعفت من قيمة القيادة الرجولية المطلقة، للأسرة إلى حد كبير ودعمت بالمقابل ولا زالت تدعم قيم الانسجام والحوار والتفاهم فلا محيص من مراعاة السمات والمواصفات النفسية والاجتماعية والجسمية للشريكين وكل ما من شأنه أن يؤثر في نجاح سير هذه العملية من أجل قيامها بدورها الذي وُجدت من أجله.

وتشهد الحالة التي نمر بها اليوم صراعا بين رواسب العادات والتقاليد وبين متطلبات العصر أو الواقع الراهن لتدفق الينبوع وطرق استغلاله واستخدامه وفقا للاحتياجات الحالية. ولا شك أن هناك ما يسد ويعيق هذا التدفق وأكبر دليل على ذلك ما نراه من ارتفاع نسبة الطلاق وحالات العزوف عن الزواج، وما خفي كان أعظم؛ وأعني بما خفي، ذلك الرقم الأسود من حالات الطلاق العاطفي التي لا نعرف عددها، ولكننا نعرف جيدا أنها منتشرة بنسبة تدعو للقلق. ونعني بالطلاق العاطفي تلك الحالة من الالتزام بالمسؤوليات الاجتماعية التي يفرضها الزواج بين الشريكين من دون أي اشباع حقيقي للحاجات العاطفية والجنسية لديهما.

دعونا نمسح الغبار بما يكفي لتحديد خطوطنا الحمراء بوضوح، دعونا نميز بجدية وصدق ومسؤولية بين ما يجب أن يبقى من العرف وما يتطلب التغيير أو الإلغاء. وبما أن قوى الحياة تدفعنا نحو الزواج، فاندفاعه سينتصر لا محالة وقد تكون النتائج غير مرغوبة لأنها مبنية على تحركات غير واعية، لذلك يجب علينا إدارة هذا الصراع الحاصل بين متطلبات الزواج وبين وسائله التقليدية، لكي نخرج بنتيجة تشبه التراضي نكسب فيها نسبة من كل جانب وفقا لما تمليه علينا المسؤولية وما ينسجم مع جوهر ديننا وثقافتنا.

وحيال هذه المشكلة يقترح الدكتور محمد السيف، أستاذ مناهج البحث والدراسات الاجتماعية في جامعة القصيم في كتابه المشكلات الاجتماعية في المجتمع السعودي، أن تضطلع الدولة بالتصدي لهذه المشكلة عن طريق إنشاء مكاتب رسمية للخطابين والخطابات بمؤهلات ومواصفات علمية ومهنية ومرجعية اجتماعية وشرعية تتيح لهم تحمل هذه المسؤولية وتأديتها بأفضل طريقة ممكنة، وتكون هذه المكاتب مرخصة من وزارة العدل في المملكة العربية السعودية. بحيث يكون هدفها الإسهام في تعزيز الوعي بالأهداف الحقيقية التي ينبغي التركيز عليها لدى المقبلين على الزواج في مسألة تحديد شريك الحياة، واكسابهم الوسائل والطرق والتقنيات المطلوبة لإدارة الحياة الزوجية ومواجهة المشكلات. وتساهم بالمقابل في تحقيق نسبة أكبر من الوضوح في مدى ملاءمة الشريكين لبعضهما البعض بناء على رغبات وأهداف وخصائص وسمات كل منهما

وقد حاول الدكتور بعرضه لهذا الاقتراح أن يقدم حلا مقبولا من الناحية الشرعية والثقافية وفي نفس الوقت، ينتقل بنا لمستوى أعلى من المقدرة على تلبية متطلبات الزواج وأهدافه، أي نسبة أكبر من الاستفادة من مياه النبع. ربما أختلف أو تختلف مع الدكتور في مدى جدوى هذا الاقتراح لكن لا بد أن نعترف بالمشكلة والتي تتركز من وجهة نظري في مسألة قصور الوسائل المشروعة عرفيا في المجتمع السعودي عن اختيار شريك الحياة المناسب، وانخفاض الوعي بشأن الصياغة السليمة للأهداف والأولويات الواجب توفرها في شريك الحياة. وأن يسعى كل شخص من موقعه وظروفه ومكانته لاتخاذ الإجراءات اللازمة ويلتزم بالمقدار الذي عليه من المسؤولية. فنحن بحاجة لتمكين المقبل على الزواج من تحديد احتياجاته وتطلعاته بشكل واضح وبالتالي القدرة على اختيار شريك حياته بأفضل صورة ممكنة.

يمكن للباحث الاجتماعي مثلا المساهمة بالدراسة والتحليل وتقديم التوصيات والاقتراحات العلمية اللازمة، وربما يناقش رجل الدين حدود وضوابط مرحلة الخطبة وهي الفترة التي تسبق ليلة الزفاف من العلاقة الشرعية والاجتماعية بين الشريكين، أو مسألة التعارف بين الشريكين قبل العقد الشرعي بشكل يخضع لرقابة والدي البنت وهو الأسلوب الذي بدأت تلجأ إليه مؤخرا الكثير من الأسر في المجتمعات المحلية والمحافظة.

كما أن الأسر وأفرادها بإمكانهم تسريع عملية تجاوز هذه المرحلة بتحقيق النسبة المطلوبة من المرونة ومواكبة التغيرات وتفهم الجيل الحالي من الشباب بما يحملونه من رؤى وتطلعات ومشكلات واحتياجات.

ختاما أحب أن أنوه أنني حاولت اختصار الموضوع قدر الإمكان وإلا فإن كل مقطع منه كان يحتمل وربما يتطلب زيادة في التفصيل والتوضيح لكني خشيت أن يطول، فيقتل عزيمة القارئ على مواصلته، كما أن حساسية الموضوع تدفعني للاكتفاء بمجرد التحليق فوق بعض تفاصيله دون الوقوف عليها، لكن على أي حال أتمنى أن يكون بصورته الحالية مفيدا ومؤثرا لمن يقرأه، ولكم خالص شكري وتحياتي.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com