الليالي “الكوامل” من وجهة نظر غربية.. عطارد يسبح إلى الوراء! الهوس الروحاني موجود في الغرب.. ومنشؤه ثقافي أكثر مما هو ديني

مراجعة: سالم الأصيل

حيثما ولّيت وجهك، ستجد على الأرجح من يحذرك من أيام “نحسة” أو “غير مباركة”، ومَرَدُّ ذلك فيما يبدو إلى التوجه الروحاني الذي يصل إلى مستوى الهوس في بعض الأحيان، ولعلها أحيان كثيرة، تجاه الكون، والماورائيات التي تشكل أسرار الكون حقلاً خصبًا لها في نفس الكائن الروحاني المستعد للإبحار في فضاء “التنجيم”. بِنَهَمٍ ودون شبع من تناوله.

ثقافة..؟ أم دين..؟

ويبدو أن ما يجمع هذه التوجهات الماورائية منشؤه ثقافي قبل أن يكون دينيًّا، إذ تزدهر هذه الثقافة وتنمو في أممٍ تمشي على طريق الروحانيات، قبالة العالم، الذي يسمى ماديًّا، يُقدّم التفسير العلمي والتجريبي على سائر التفسيرات الوجدانية والروحانية والتراثية، التي تستقي من الأسطورة ما يسقي أقوامًا ينتمون إلى دهورٍ عديدة ومِللٍ كثيرة، دون أن ينضب. ولطالما اشتركت الأمم المتجاورة في الجغرافيا أو المتداخلة بفعل التجارة أو السياسة في مشتركات لا تكاد تفترق إلا بالاسم، دون أن يشكل الافتراق الديني أو العرقي أيّ فارق جوهري بينها.

تراجُع عطارد!

في الثاني والعشرين من أبريل عام 1979 ميلادية، وجّهت صحيفة Baltimore Sun الأمريكية قُرّاءَها  – بحسب Mental Floss- ونشرت نصّه محذّرة من عواصف مغناطيسية تعطل الرسائل عندما يبدو أن عطارد يتراجع، وهو الكوكب المعني بالاتصالات!

نشرات كثيرة تحذر الإنسان وترشده مما ينبغي وما لا ينبغي عليه فعله خلال هذه الأيام، تصدر في أمريكا. يعلق الموقع بالقول بما معناه أنّ أشياء كثيرة ومبالغات تُنسب إلى هذا الحدث وترمى سهام المسؤولية عليه، بدءًا من “مشاكل الجهاز الهضمي إلى غسالات الملابس المكسورة”.

يذكر موقع (Mental floss) في تأريخ وتوثيق هذه الظاهرة، التي كُتب عنها في دوائر التنجيم إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، حينما لوحظ في التقويمات الزراعية البريطانية التي يقرؤها المزارعون لمزامنة جداولهم الزراعية مع أحوال النجوم. ولعل للارتباط بين طلب الرزق من خلال الزراعة والنظر إلى السماء، حيث الوجهة التي تشرئب لها الأعناق طلبًا للرزق والتوفيق والبركة، مدخلاً في هذا الأمر بوسع المرء التوسع لتحليله.

جنون روحاني

يُرجع هذا الموقع الذي عُنيَ بدراسة الظاهرة إلى ما سمّاها الهوس أو “الجنون الروحاني” خلال العصر الفيكتوري الذي ازدهر فيه الاهتمام بالتنجيم، واعتقد الكثير من الناس فيه بتأثير النجوم على الأرض وأهلها وأحوالها وأهوالها.

تراجًع عطارد، MERCURY RETROGRADEبالإنجليزية، هي ظاهرة سماويّة تنجيميّة تُبدي للرائي من الأرض أن عطارد يسير إلى الوراء، وعلى إثرها يتطيّر بعض الناس في بعض البلاد الغربية هناك، فيُحجمون عن الزواج وإجراء العقود والسفر أو القيام بأيّة خطوة مصيرية، ذلك لإيمانهم بأنّ هذه الأيام التي يتراجع فيها عطارد ويسير إلى الوراء أيام “نحسة”  لا بركة فيها! وهي بذلك تكون ظاهرة موازية لما لدى العرب من الأيام التي يدخل القمر فيها برج العقرب من كلّ شهر، وما يمتد ويزيد عنها باختلاف الاعتقادات والمعتقدين.

اطّلعت على جداول وتقاويم وقوع ظاهرة “تراجع عطارد”، فوجدتُ أنها تقع بين ثلاث إلى أربع فترات سنويًّا، تتراوح كل فترة إلى ما لا يزيد عن ثلاثة أسابيع ونصف الأسبوع، وهي تذكّرنا بجداول ما يسمى محلّيًّا بـ”الكوامل”.

هل يسبح عطارد إلى الوراء حقًّا؟

 القراءة التي أثبتها العلم ودوّنتها عدة مواقع مهتمة بدراسة وتحليل الظواهر الفلكية و”التنجيمية”، بشأن ظاهرة ” MERCURY RETROGRADE” . أن عطارد لا يتراجع ولا هم يحزنون، إنما يواصل مسيره إلى الأمام، ويكمل مسيره نحو مستقبله الأبدي المقدّر له على الدوام، مصيره الكامن في الدوران حول الشمس شأنه شأن رفاقه من كواكب المجموعة الشمسية. ولأنه الكوكب الأقرب إلى الشمس، فدورته تكتمل حول الشمس في وقت أقصر، بل لو لاحظنا تسميته العربية، لوجدنا أصلها تعود إلى “المصدر ( ط ر د)، طاردٌ ومطّرد، أي المتتابع سيره، وسريع الجري”، ولأجل ذلك يتمّ دورته حول الشمس في 88 يوم تقريبًا. أي إنه يسبق الأرض في دورانها حول الشمس ويفوقها بأربع مرات تقريبًا. فعلامَ عساه يتراجع؟

كيف يخيّل للمحدّق إلى هذا الكوكب الشبيه بقمر الأرض من الأرض أنه يتراجع إلى الوراء إذًا؟

في اللحظة التي يمرّ فيها شبيه قمر الأرض عطارد والناس من أرضهم إلى موقعه في السماء يحدّقون إليه؛ يمرّ بنظيره الأرض سريعًا، في دوراته الثلاث أو الأربع من كل عام خلال دورانهما حول الشمس، سرعة دورانه وسبقه الأرض خلال تلك الفترة – بحسب موقع astrology zone – تهيئ للرائي من الأرض أن عطارد يتراجع، تمامًا كما يحصل لراكب السيارة الأبطأ حين تمرّ به سيارة سريعة فتسبقه، فيستطيع أن يُخبر أنّ السيارة المارّة كانت أسرع منه. لكنها لو أبطأت ثم مرّت، ستبدو كما لو كانت تسير إلى الوراء.

وبالرجوع إلى عالم الفلك الدكتور مارك هاميرغرن، ليس هذا التراجع البادي إلا وهمًا بصريًّا، يبدو لنا كذلك تبعًا لحركتنا. الرجل الذي علق على الفكرة القائلة بأن جذبة عطارد تؤثر على الماء في أجسامنا كتأثير القمر على ظاهرتي المد والجزر بقوله: ” سيارة تبعد عنك 20 قدمًا ستجذبك بقوة أكبر مما يفعل عطارد!”.

جهل.. وتفسير غيبي

والسؤال من بين أسئلة عديدة تتبادر إلى الذهن، هل أنّ من طبيعة الإنسان التعاطي مع أيّ ظاهرة يجهل تفسيرها، أن يربطها بما هو غيبيّ أو أسطوري يبدّد حيرته؟ والتسلية أحيانًا بملاحظة ما يترتب على ذلك من أحداث ووقائع موافقة صدفة، ويجعل لذلك تقاويم تحوي أيامًا معينة، يتبرّك منها ببعض، ويتطيّر ببعضٍ آخر.

دون أن ننسى التساؤل عمّا يفيده بعض الناس ويجدونه من عوائد من خلال اهتمام الناس بهذه المسائل وحذرهم منها وصولاً لدرجة الرعب، هوسُهم بذلك النقصان الذي لا يتمّ إلا من خلال مراجعة تلك “الكوامل” وأصحابها.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com