رحلة الدكتور علي الشريف من الـ “بنات بترْ” إلى الدكتوراه الكندية رفض الروضة طفلاً.. وجرّب استخلاص العطور مراهقاً.. وتخصص في الهندسة الكيميائية

القطيف: فاطمة المحسن

تبدو الرحلة العلمية، التي قطعها الدكتور علي حيدر الشريف، طويلة نسبياً، بدأها من القطيف، واختتمها في “هونج كونج”، وبين هذا وذاك، كانت هناك محطات دراسية، يتذكر الرجل تفاصيلها جيداً، نال خلالها حزمة من الشهادات العلمية المرموقة، أبرزها البكالوريس من جامعة البترول، والماجستير من هونج كونج، والدكتوراة من كندا، ورغم ذلك، يبتسم الشريف عندما يتذكر قصة رفضه الالتحاق بروضة الأطفال عندما كان صغيراً، ويقول: “هذا الرفض كان ثمرة تربيتي على مبدأ “حرية الاختيار”.

لم يشأ الشريف أن ينسب كل نجاح يحقق، لنفسه فحسب، وإنما كان حريصاً على أن يذكر بالخير والفخر، كل من ساعده وشجعه في تحقيق هذا النجاح، فذكر قصصه مع والديه، ومعلميه آل ثنيان والقطري.

عشق الشريف تخصص “الهندسة الكيميائية” حتى النخاع، وهو ما جعله يخالف التعليمات ـ عمداً ـ باختيار ثلاث رغبات، كان يُفترض تسجيلها في أوراق الالتحاق بالجامعة، ويستقر على رغبة “الهندسة الكيميائية” دون سواها، ويحققها عن ثقة واقتدار. هذا التخصص استثمره في صناعة زبدة الفول السوداني، واستخلاص العطور من الأزهار الملقاة داخل منزله..

الولادة والنشأة

ولد الشريف علي حيدر عام ١٩٨٢ في راس تنورة، وهو متزوج، ورزق بـ ٤ أولاد.  درس الابتدائية في مدارس الشاطئ، والمتوسطة في نموذجية القطيف، والثانوية في دار الحكمة بالناصرة. ولكنه لم يشأ أن يلتحق بمرحلة رياض الأطفال.

لقي الشريف اهتماماً عائلياً، ورعاية خاصة من والديه، و”هذا كان أحد أهم أسباب تفوقي الدراسي” بحسب قوله، كما أنه حظي بأساتذة متفانين في أداء مهمتهم التعليمية التربوية، وهو الأمر الذي دفعه إلى أن يخطط لمستقبله، وينسج حلمه لما أراد، ويحققه بكل ثقة. ولأن الصف الأول الابتدائي هو اللبنة الأولى في سلم التعليم العام، ما كانت لذاكرته أن تتخطى أستاذه “عبدالله آل ثنيان”، وفي صفه الخامس أستاذه عبدالحكيم القطري، الذي أولى جهده في تشجيع طلابه على الابتكار وإبراز الجمال في كل الجوانب الحياتية، والمشاركة والعمل الجماعي في الفصل بالرغم من كون المواد التي يدرسها، كانت أدبية بحتة، وهذا يفسر الظهور الواضح للجوانب التربوية قبل التعليمية. ويذكر الشريف دائما أنه “من الاجحاف أن أنسى الدور الإيجابي لأساتذتي في المرحلتين المتوسطة والثانوية، فكان لهم الفضل علي بعد الله، ومن ثم والدي”.

اختيار التخصص

بعد قبول الشريف في برنامج الإعداد الجامعي لأرامكو السعودية، كان يفترض منه تسجيل ثلاث رغبات، فكانت الرغبة الأولى “الهندسة الكيميائية”، وهي رغبة شخصية محضة لسببين؛ الأول حبه لخوض التجارب الجديدة، والتي حظي بممارستها بحرية في منزل والده. ويستحضر الشريف إصراره في سنوات دراسته الأولى، على استخلاص عطر من بعض الأزهار الملقاة في منزله، وكذلك تصنيع بعض الأطعمة من المواد الأولية، كزبدة الفول السوداني، في ترجمة عملية، تجسد حبه لمادة الكمياء في المرحلة الثانوية. أما السبب الثاني، فهو حبه للهندسة منذ الصغر، لما فيها من حل مشكلات عملية وحاجة مجتمعية.

مساندة الأسرة

نشأ الشريف في أسرة تقدر العلم، وحريصة على الجد والاجتهاد في مشوار الحياة، فوالده حاصل على الابتدائية القديمة، ويعمل في شركة أرامكو السعودية، وأمه حاصلة على المتوسطة، وكانا يحثان أبناءهما على الجد والمثابرة، وبذل الجهد في التعليم، ويتركان لهما حرية الاختيار، وهو ما كان له أبلغ الأثر الإيجابي في المسيرة الدراسية والمهنية للشريف، الذي رفض في سن صغيرة، الذهاب إلى رياض الأطفال، فلم يجبره أحد على ذلك، وفي المرحلة الابتدائية، خيّر والدا الشريف ابنهما بين الذهاب إلى مدرسة البحاري الابتدائية، أو الشاطئ الابتدائية، فاختار الأخيرة. تربى الشريف على الاستقلالية، والاعتماد على النفس، في المذاكرة، وتحصيل العلوم، بدءاً من الصف الخامس الابتدائي، وشجعه أبواه على اتخاذ القرارات بنفسه بعد التفكير والمشاورة، وتحمل تبعات اختياره.

ما بعد الثانوية

تخرج الشريف من الثانوية العامة عام 2000 م وتوجها بحصوله على جائزة الأمير محمد بن فهد للتفوق العلمي، بعد حصاده المركز الرابع في قائمة المتفوقين في مدارس المنطقة الشرقية، والتحق مباشرة في برنامج الإعداد الجامعي التابع لأرامكو السعودية لمدة عام واحد، وتم ابتعاثه داخلياً لجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، للحصول على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكيميائية، التي تخرّج منها بمرتبة الشرف الأولى.

دراسات عليا

طبيعة عمل الشريف، تطلبت حصوله على الدراسات العليا، فبعد تخرجه عام 2005م ، توظف في مركز الأبحاث والتطوير التابع لشركة أرامكو السعودية، في قسم أبحاث التكرير، لم يكن ليفكر في خوض مشوار الدراسات العليا، لولا أن رأى حاجته لها، ليتقدم في السلم الوظيفي، وبتشجيع من إدارة الشركة، التي تميزت بإتاحة الفرص الدراسية لمنسوبيها، انضم الشريف لبرنامج تطوير المتخصصين في الشركة، وتقدم لدراسة الدكتوراة مباشرة في أكثر من جامعة، وتم قبوله من 3 جامعات مرموقة، وهي “ألبرتا” في كندا، وكلية “إمبيريال” في لندن وجامعة أسترالية، فكان أن وقع الاختيار على الجامعة الكندية، لكونها في دولة غنية بالموارد النفطية الثقيلة، وجامعاتها تركز في أبحاثها على تطوير هذه الموارد وتكريرها، وهو ما كان يتناسب مع المجال البحثي الذي أراده.

تخطى الماجستير والدكتوارة

بمعدل شهادة البكالوريوس العالي، قُبل الشريف في الدكتوراة، حسب النظام البريطاني، وبشهادة بروفيسور من لجنة التحكيم، فهي المرة الأولى التي توافق فيها اللجنة على القبول المباشر خلال السنوات العشر الأخيرة. حدث ذلك بعد اكمال المواد في السنة الأولى من دراسته للدكتوراة بمعدل لا يقل عن الحد المطلوب، ومن ثم اجتياز اختبار التأهل لشهادة الدكتوراة، الذي يكون بعد مرور سنة من الالتحاق ببرنامج الدكتوراة، وأخيراً باجتيازه كل ذلك، سُمح له بإكمال البحث، وتقديم أطروحة الدكتوراة في السنة الرابعة، وبذلك تم قبول رسالة الدكتوراة مباشرة دون الحاجة لإجراء أي تعديل عليها، وكان عنوان الرسالة “تفاعلات التكسير الحراري للمركبات الشبيهة بالأسفالتينات” والتي بمقتضاها تم منحه شهادة الدكتوراة في الهندسة الكيميائية من جامعة ألبرتا الكندية.

4 أوراق علمية

ويقول الشريف: “نشرت 4 أوراق علمية، تلخص الأبحاث التي أجريتها في رسالة الدكتوراة في دورية الطاقة والوقود، التابعة للجمعية الكيميائية الأمريكية، وشاركت في العديد من المؤتمرات الدولية”. ويُكمل “كانت فترة الدراسة والعيش في كندا جميلة، فبالرغم من الصعوبات في البداية التي تطلبت التكيف في بلد جديد، وعدم معرفتي بأحد في المدينة، التي انتقلت لها، ولكن بعد فترة قصيرة، تعرفت على العديد من الزملاء من الطلاب والموظفين السعوديين، وكذلك من أهل المدينة من لبنان والعراق ومجموعة الخوجة ذوي الأصول الهندية والباكستانية وغيرهم”.

عودة للماجستير

اتاحة الفرصة والتشجيع عليها، من شركة أرامكو السعودية، دفعت بالشريف لإتمام دراسة ماجستير إدارة الأعمال، من جامعة “هونج كونج” للعلوم والتقنية، ضمن برنامج “الدوام الجزئي”، وكانت المحاضرات تٌقام في مبنى التطوير القيادي للشركة في راس تنورة. ويقول الشريف إن “الدراسة ببرنامج مكثف، يتطلب من الطالب الكثير من الجهد، وتنظيم الوقت للموازنة والتوفيق بين مسؤوليات العمل والمنزل والدراسة، ومن ثم بلوغ الهدف الذي تم تحقيقه بحمد من الله”.

لحظات فخر

ويُتابع الشريف “أكثر ما يسعدني الآن، قيامي بعمل ينتفع به من بعدي، كتربية أولادي، ليكونوا فاعلين وناجحين في المجتمع، وكذلك تطوير ومساعدة الآخرين، ليكونوا ناجحين، فأداء أي عمل سواء كان للوظيفة أو العائلة أو المجتمع، وكان فيه أثر ايجابي، يشعرني بالرضا والفخر، فأنا أؤمن بانه ينبغي يكون لكل منأ أثر إيجابي في هذا العالم، للارتقاء بالكون على وجه أفضل مما كان عليه من قبل”.

يقول علي الشريف “أعتقد أن الله سبحانه وتعالى، منح الناس الكثير من الطاقات، التي تنتظر أن يتم الانتفاع بها، وتسخيرها لخدمة الإنسان والمجتمع، فيكون بذل الجهد أحيانا مطلوب، للشعور بالرضا النفسي، فأكثر ما يدفعني الآن للعمل، إيماني بوجوب إبراز ما أودعه الله في الإنسان لانتفاع واستفادة الغير به، بداية من بأولادي وعائلتي وزملائي الموظفين، وانتهاءً بالمجتمع الذي أتمنى أن يتاح لي خدمته والتغيير الإيجابي فيه”.

ويتابع: “خلال مسيرتي، كان هناك العديد من النماذج الملهمة تاريخياً، وفي البيت والعائلة والمدرسة والعمل، فحيث ماكنت، أجد هناك ايجابيات ونماذج مشرفة وإيجابية، أقتدي بها، في الوقت نفسه، أبتعد عن السلبيات والأشخاص السلبيين قدر ما استطعت، فمن المجحف في نظري أن اذكر “ملهما” احدا وأترك البقية.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com