حاملة الماجستير سلام الجشي: أتمنى أن أكون مثل جدّتيَّ “زوّان” و “خاتون”…! وُلدتْ في تكساس.. درست في الدمام.. عملت في الظهران.. ومحطتها الأخيرة هونغ كونغ

غيرت بوصلة أحلامها من الطب إلى إدارة الأعمال وتخرّجت هذا الأسبوع

القطيف: ليلى العوامي

في سن الثالثة؛ عادت من أمريكا وهي ترطن ببضع كلمات إنجليزية تعلّمتها في المكان الذي وُلدت فيه، حيث كان والدها مبتعثاً، في تكساس.

وبعد سنواتٍ طويلة؛ وجدت نفسها مبتعثة في الجزء الشرقيّ من الكرة الأرضية، في هونج كونج، لتحصل على الماجستير في إدارة الأعمال..!

وبين هذين الحدثين؛ هناك حدث آخر يخصّ والدتها التي تخرّجت من بغداد متخصصة في الاقتصاد..!

تحفل حياة الشابة السعودية سلام عادل مهدي الجشي، بمحطات من النجاحات والتفوق الدراسي والعلمي، بدأت في القطيف، مروراً بالدمام، وليس انتهاءً بـ”هونج كونج”، حيث تخرّجت أمس الأول، فهي تخطط لمحطات أخرى، أكثر تقدماً، تحقق من خلالها ما تبقى في قائمة الأمنيات والتطلعات المستقبلية.  

تؤمن سلام الجشي بأن الإنسان من الممكن أن يفيد نفسه ووطنه، إذا ما التحق بالتخصص الذي يرى أنه مناسب له ولقدراته الشخصية، في المقابل، ترى أن البقاء في مجال ما، لا يفضله الإنسان، ولا يرى فيه نفسه، هو بمثابة مضيعة للوقت والجهد معاً، ومن هنا، لم تترد سلام، أن تضحي بمجال “الطب”، الذي قطعت فيه مشواراً طويلا، والانتقال إلى تخصص “إدارة الأعمال”، التي اجتهدت فيها، وتوجت هذا الجهد بالعودة من مؤخراً هونج كونج، حاملة بين يديها شهادة الماجستير.

وسلام الجشي، من مواليد أمريكا، وبالتحديد ولاية تكساس، وترجع أصولها إلى مدينة القطيف، وهي منذ وقت مبكر، اعتادت على التفوق العلمي، وليس في الأمر أي اندهاش أو استغراب، إذا علمنا أنها من عائلة مجتهدة، تعودت مواجهة الصعاب، وصناعة التفوق، فأمها كانت من أوائل الخريجات الجامعيات بالمملكة، حيث درست مرحلة الجامعة في العراق، وتخرجت في تخصص “الاقتصاد”، وعندما عادت للوطن، التحقت بإحدى المدارس الحكومية، لتعمل بها في وظيفة إدارية، حتى تقاعدت قبل عدة سنوات.  وجدتها، لأبيها، وتدعى “زوان القطري” فقدت بصرها في وقت مبكر، بالرغم من ذلك، تمكنت من تربية ٧ أولاد و٤ بنات على أكمل وجه، وجميعهم أكملوا تعليمهم الجامعي، وعملوا في وظائف ممتازة، أما جدتها لامها “خاتون الخنيزي”، فنجحت في تربية ٥ أولاد وبنت (والدة سلام) وجميعهم أكملوا دراستهم واستلموا وظائف مرموقة.

تأثير الأهل

وتقول سلام في حديثها لـ”صُبرة”: “أفراد أسرتي، وفي المقدمة، والداي وزوجي، هم أشخاص لهم ثأثير كبير في حياتي وشخصيتي، وأنا محظوظة بجدتي لأبي زوان القطري التي فقدت بصرها بعد ولادتها آخر بنت، وجدتي لأمي خاتون الخنيزي. وكلتاهما تمتعت بشخصية قوية ومؤثرة، وأتمنى أن أكون مثلهما، حيث عاشتا في ظروف صعبة، وبالرغم من كل هذه الظروف، نجحتا في تربية أولادهما وبناتهما بنجاح باهر”. ولا تنسى سلام تأثير معلماتها عليها، وتقول: “في التعليم أكبر مؤثر، كانت معلمتي  بالصف الأول “فاطمة بوسعيد”، فكان لها أكبر الأثر علي، في بناء الثقة بالنفس؛ حيث علمتني الأحرف الأولى ومبادئ القراءة والكتابة”.

في القطيف

درست سلام  الابتدائية والمتوسطة والثانوية في القطيف، وفي المرحلة الثانوية، تولد لديها الطموح، في أن تكون امرأة سعودية “استثنائية”، وكانت تتمنى أن تعمل طبيبة، ترتدي البالطو الأبيض، وتضع سماعة في أذنيها، وتجري الكشف الطبي على المرضى.  وتقول سلام: “بالفعل، عندما أنهيت الصف الثالث الثانوي، وأقدمت على التسجيل في الجامعات، وجهزت أوراقي كاملة، وبدأت بتحقيق الحلم، وكان أمامي أن أدرس الطب، إما في جدة، أو الدمام، وشاءت الصدفة، ان يكون موعد التسجيل في جدة والدمام متزامناً، فاستعنت بأمي لأن تذهب هي إلى الدمام، وأقوم بصحبة والدي بتقديم الأوراق في اليوم نفسه في جدة، وكان اقتراح أمي في ذاك اليوم، أن أسجل في تخصص كان جديداً في ذاك الوقت، وهو “علاج تنفسي”، باعتباره أحد العلوم الطبية التطبيقية”.

وشاءت الأقدار أن تُقبل سلام في جدة، في تخصص “طب بشري” بجدة، التي ذهبت إليها، وأنهت إجراءات التسجيل، وحجزت في السكن الجامعي، في الوقت نفسه، ظهرت نتيجة القبول في الدمام، وتم قبولها في تخصص العلاج التنفسي، وهنا “بدأت الحيرة في اتخاد القرارات الصعبة” بحسب قولها.

وتقول سلام: “اخترت العلاج التنفسي، ليس لانه أقصر أو أسهل، بل لأنني شعرت بالرغبة في دراسته، كونه تخصصاً جديداً ومثيراً للاهتمام، وشجعني على ذلك، أنني تحدثت مع إحدى القريبات، التي كانت تدرس التخصص نفسه في اول دفعة، ومدحت لي التخصص، وقالت انه مطلوب جداً في سوق العمل لندرته والحاجة اليه، فما كان مني إلا أن أسحب ملفي من جدة، وأكمل إجراءات القبول في الدمام، وطوال سنوات الدراسة، وكنت أذاكر بجد واجتهاد، وتخرجت مع مرتبة الشرف الثانية، ومن هنا انطلقت إلى عتبات المستقبل، عتبة وراء آخرى”.

الابتعاث الداخلي

وتتابع سلام “في أحد الأيام، تم الإعلان عن فتح باب القبول في برنامج الإبتعاث الداخلي بأرامكو، وكنت حينها في السنة الثالثة بالجامعة، فقدمت إلى البرنامج، وتم قبولي فيه، وأنهيت الدراسة، وقضيت سنة الامتياز بمستشفى أرامكو, ثم توظفت في المستشفى نفسه، وعملت بمجال العلاج التنفسي 8 سنوات، وخلال هذه المدة، حصلت على ٣ شهادات في التخصص نفسه، بعد اجتيازها من جهات أمريكية، والشهادات هي:

Certified pulmonary function technologist-

Registered pulmonary function technologist- 

Certified Asthma Educator-

مرحلة الانتقال

ولا تنكر سلام أنها كانت مستمتعة كثيراً بالعمل في مجال العلاج التنفسي لسنوات طويلة. وتقول: “مصدر استمتاعي، كوني أخدم المرضى وأساعد على شفائهم من الأمراض، ولكن بعد مرور 8 سنوات، شعرت بالملل ورتابة الروتين اليومي، وتملكتني رغبة عارمة، في أن أغير التخصص، وأتعلم شيئاً جديداً، يطور من قدراتي ويساعدني على التقدم في السلم الوظيفي، وفي الوقت نفسه، أخدم به وطني، فقدمت طلباً للنقل الداخلي لقسم آخر في المستشفى، وهو التسويق والتواصل، وبالفعل، تم قبول الطلب، وبدأت في مجال العمل الجديد، والحمدلله، وجدت نفسي فيه، وشعرت أنه مجال يحفز على الابداع والتطوير، وخلال عملي في هذا المجال، قمت بدراسة التصميم الجرافيكي، وبدأت اصمم المجلة الشهرية التابعة للمستشفى، وبعض المنشورات والاعلانات الخاصة به، بالاضافة الى العمل في مجال التواصل ونشر أخبار المستشفى”.

وتضيف سلام: “كان طموحي أن أحصل على شهادة في مجال إدارة الاعمال، بعد فترة، وصلتني أخبار عن برنامج ماجستير إدارة الاعمال، التي تقدمه أرامكو السعودية، لموظفيها، بالتعاون مع جامعة هونج كونج للعلوم والتكنولوجيا، والحائزة على المرتبة الـ١٥ في هذا التخصص على مستوى العالم، وهو عبارة عن دراسة بدوام جزئي، يستمر الموظفون في العمل، خلال الدراسة، ورأيت أن البرنامج مثالي بالنسبة لي، فقدمت إليه، وكانت شروط القبول صعبة جداً، ومن بين هذه الشروط اجتياز اختبار GMAT، وتجاوز المقابلة الشخصية، والحمد لله، حققت النجاح في الاثنين، وتم قبولي في البرنامج، والدراسة كانت لمدة سنتين متواصلة، وكجزء من البرنامج الدراسي،  يجب علينا الحضور إلى هونج كونج اسبوعاً في بداية السنتين، واسبوعاً في نهايتهما، بينما الدراسة كانت في منطقة رأس تنورة”.

صناعة الإنجاز

كان من الصعب على سلام الجشي، التوفيق بين الدراسة والعمل والبيت. وتقول: “تلقيت دعماً كبيراً من زوجي عماد السنان، الذي وقف بجانبي، وساعدني في أعمال البيت وتربية الاولاد، حتى استطيع مواصلة الدراسة، في المقابل تفهمت أسرتي ظروفي، ووجدت منها كل تشجيع وتأييد، وخاصة أبي وأمي”.

وصلت سلام الجشي إلى هونج كونج في المرة الاولى (الأسبوع الأول من الدراسة)، وكلها طموح وفضول وحماس لصناعة الإنجاز. وتقول: “بداية  الدراسة كانت قوية، وقضيت يومين في التعليم عن طريق التجربة، وتدربت على آلية بناء فرق العمل وتعزيز المهارات القيادية، ولحسن الحظ، أن الفريق الذي انضممت إليه هو الفريق الفائز بجائزة أحسن فريق في المشروع النهائي، وكنت مع زميلي حسن آل اسماعيل في نفس المجموعة”. وذهبت سلام إلى هونج كونج في نهاية الدراسة، لتعود من هناك حاملة الماجستير في إدارة الأعمال.

في هونج كونج

وتصف الجشي أيامها في هونج كونج، بأنها كانت حافلة بالنجاحات، وتقول: “أشعر أن هذه الأيام ساهمت كثيراً في تغييري للافضل، وبناء شخصيتي ومهاراتي القيادية، فأنا الأن لديَّ مشاعر مختلطة، مشاعر الفرح الممزوج بالنجاح والانجاز والتخرج، تقابلها مشاعر الحزن لانتهاء الدراسة وهذه المرحلة الجميلة, ومشاعر الحيرة في اختيار الخطوات القادمة”. وتضيف “بالتأكيد سأطمح لمستقبل افضل لي ولعائلتي، وأتمنى أن أكون قدوة لأولادي، في الاهتمام بالتعلم المستمر، والتطوير، والبحث عن الفرص، لبناء المستقبل، والعمل على إيجاد الفرص، وعدم انتظارها، والاعتماد على النفس في صناعة النجاح”.

وعدّدت الجشي فوائد السفر إلى هونج كونج، في التعرف على حضارة مختلفة، وشعب مختلف في عاداته وتقاليده. وتقول: “تعرفت خلال الدراسة على العديد من الزملاء والزميلات، الذين أبهروني بأخلاقهم العالية، وكانوا أكبر سند خلال الدراسة، فلم أشعر بالغربة معهم”.

وتختتم سلام الجشي حديثها بقولها: “أشكر الله على الفرص التي أتيحت لي في كل سنوات عمري، ثم أشكر والدي الذي كان له دور كبير، فيما أنا عليه اليوم، فقد أعطاني وأخوتي، مساحة نكتشف فيها أنفسنا، ونكون شخصياتنا، والأهم من ذلك أنه، ربينا على حب التعلم، وتقبل الآخر، والاعتماد على انفسنا بالدرجة الاولى”.

برفقة زوجها عماد السنان

والدها عادل مهدي الجشي

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب

صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com

×