[مثل قطيفي] أوّلْ ما ترطّبْ في بُوْزَهْ ابتكره الفلاحون من واقع بيئتهم وعمّموه على فكرة التسلط

صُبرة: خاص

ورد المثل في صيغتين، بين من يسمّي الفم “بُوزْ” ومن يسمّيه “حَلْگ” أو “حَلْجْ”. والمعنى يُشير إلى الاستئثار بأول الغنائم والفوائد التي يحصل عليها المحظوظ، أو المتسلّط.

تقنيّاً؛ استعملت الصيغتان إجراءً بلاغيّاً معروفاً هو “إيجاز الحذف”، وفُقِد “الفاعل” من العبارة. كذلك فُقدِ الخبر، وهو الجملة الفعلية.. اعتماداً على فهم المتلقّي..!

وإلا فإن الصيغة التامّة هي على هذا الشكل:

أوّلْ ما ترطّبْ [البسْرة تكون] في بُوْزَهْ.

والبِسرة*؛ هي ثمرة النخيل التي اكتسبت لونها وما زالت صلبة بالكامل. ثم تنضُج بتحوّلها إلى رطبة، من أسفلها إلى أعلاها غالباً. وأطيبُ الرطب هو ما كان نصفه الأسفل ليّناً، والنصف الأعلى صلباً. ومن يحصل على الرطبة في بداية ترطيبها؛ يكون محظوظاً. إنه السابق إلى المتعة واللّذة..!

لذلك؛ ضربوا المثل فيمن يحصل على الشيء في أولهِ. قد يكون محظوظاً محبوباً، وقد يكون متسلّطاً متجبّراً..!

كما أن للمثل صيغة أخرى، هي: ما ترطّب إلا في بوزه/ حلگه.. وتحمل المعنى نفسه.

من أين جاء المثل..؟

وهذا المثل لم يكن مثلاً في الأصل، بل وصفاً لما يحصل عليه العصفور من حظوة إبّان نضوج الرطب. إنه يسبق الفلّاح إلى معرفة ما نضج وما لم ينضج، فينقد الأجزاء الليّنة منها، ويترك الأجزاء المُبسرة..!

وفي ذلك قال قائلهم:

العصفور اللّعينْ

ياكلْ گـَـبِلْنا

لُرْطَبْ والتّين..!

وكان لفُّ العُذوق بالليف “اللفاف” يؤمّن الحماية من هذا العابث الصغير الذي لا يكفُّ عن التنقل بين النخيل ناقداً آكلاً كلّ ليّن من الرطب.

وثمة صنف من الرطب يسمّونه “خصاب العصفور”*، وهو آخر صنف ينضجُ من رطب القطيف والبحرين على الإطلاق، رطبته تُشبه “الخنيزي” لوناً وحجماً. وله اسمٌ آخر هو “الحجوب”. وقد سُمِّي “خصاب العصفور” أو “خصبة عصفور” لأن العصافير تكاد لا تغادر عذوقه، حتى أنها تأكل منها وتسلح في مكانها، ويبقى سلحها على الرطب، ولا يزول منه بالغسل السريع.

المستأثر الأول

هذا يعني أن العصفور يستأثر بأول ما ينضج من الرطب، وبآخر ما ينضج أيضاً. وذلك لا يسرُّ الفلّاح، فهو متضررٌ، على مستوىً ما. وهذا يُفسّر تلك النبرة الحاسدة التي يُنطَق بها المثل “أوّلْ ما ترطّبْ في بُوْزَهْ”، فغالباً لا يردُ المثلُ عن طيب خاطر قائله، بل عن إحساسٍ بالحسد، أو الغيرة، أو شيءٍ قريب من هذين.

وبالمحصّلة؛ فإن إسقاط حظّ العصفور على حالة من حالات واقع الناس فعلٌ بلاغيٌّ، وجماليٌّ أيضاً. العصفور في الحقيقة غير العصفور في المجاز. قد يكون العصفور مالك البستان الضارب في سلطته، أو نوخذة السفينة المستأثر بالقوة، وقد يكون شخصية مقرّبة من ذوي الشأن، وقد يكون أخاً أكبرَ يتحكّم في حقوق أخوته ويحصل على النصيب الأوفى..!

العصفور طائرٌ صغير، إلا أن سطوته أعمقُ وأشدُّ إضراراً للفلّاح.

مراحل تكوين ونضوج الرطب

1 ـ حَبَمْبَوْ: بدء تكوّن الرطبة بعد التلقيح بأسابيع. وفي الأحساء “حـَبَنْبو” و “حبَنَباك”. وفي العراق “حبابوك”.

2 ـ خَلال: تكوّن الثمرة ولونها أخضر فقط.

3 ـ بِسْر: اكتساب الثمرة لونها وبقاؤها في حالة الصلابة.

4 ـ رُطبة: تحوّلها من صلابة البسر إلى اللين.

5 ـ هامدة أو مغرشة: صارت ليّنة بالكامل.

6 ـ تمرة: أصبحت شبه جافة وفيها لين.

الصور من أرشيف فتحي عاشور، وليست من تصوير هذا العام

 

—————

إحدى الصورتين لرطبة “خصاب العصفور” من أرشيفي، التقطتُها في 25 أغسطس آب 2016، ويبدو سلح العصافير عليها.

أما الصورة الثانية فقد التقطتُها في 13 سبتمبر أيلول من العام نفسه.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com