عادل اللبّاد.. حكاية شاب سافر إلى “الحوزة”.. فإذا به في معسكر تدريب بعد 10 سنوات من "الانقلاب".. يظهر في روتانا ويعيد سرد القصة

صُبرة تعرض كتاب "الانقلاب" وتنشر صوراً خاصة عن سيرة اللباد

القطيف: صُبرة

 بعد 10 سنوات من صدور كتابه “الانقلاب”؛ يظهر عادل اللباد، مساء الليلة، في قناة “روتانا خليجية” ليُعيد سرد قصته في سلك المعارضة والحِراك الشيعي في المملكة، وذلك حسب إعلان عبدالله المديفر مقدم برنامج “الليوان”.

وسبق للباد أن سرد قصته كاملة في الكتاب الذي صدر في 2009، وقد نشرت صحيفة “الوطن” السعودية عرضاً مفصّلاً للكتاب، أعده حبيب محمود بعد لقائه المؤلف وقتها.

وهنا؛ تُعيد “صُبرة” نشر أهم ما جاء في عرض الكتاب المنشور في 9 مايو 2009، مع صور تُنشر لأول مرة خارج الكتاب.

———

رأيتني من حيث لا أعلم أنتسب إلى فصيل الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين.. كيف؟ بماذا؟ أين؟ متى؟ لا أعلم”!.

صاحب هذه التساؤلات مواطن سعودي وثـّق خيبة شخصية تقاسمتها ثلاث دول بين عام 1404 و1414، هي: سوريا وإيران والهند، وتوثيق هذه الخيبة التي مُني بها جيل كامل فيما كان يُسمّى بـ “المعارضة السعودية” تمّ في كتاب أثار موجة انتقادات من قبل أعضاء التنظيمات الحركية السابقين للمؤلف عادل اللبـّاد.

مختصر حكاية الشاب اللباد, أنه سافر إلى إيران متخفياً؛ بهدف الانخراط في الدراسة الدينية، لكنه وجد نفسه وآخرين يُساقون إلى معسكر تدريب ليس له علاقة لا بالدراسة الدينية، ولا بالحوزة العلمية، ولا بشيء مما كان يفكـّر فيه وهو يغامر بالسفر مستخدماً جواز سفر مزوّراً.

الأكثر إيلاماً في حكايته, هو تخلّي رجال “الثورة الإيرانية” عنه ورفاقه عام 1986، في توقيت سياسي حرج، ثم طردهم من إيران بعد ذلك بعامين، ليدخلوا في حال تخبّط حركي وسياسي، واستمر ذلك حتى عام 1993،وهو العام نفسه الذي أنهى المعارضون معارضتهم وعادوا إلى البلاد ترتيباً على المصالحة الوطنية التي باركها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز، رحمه الله.

خيبة جيل

الحكاية حكاية حماسة تفوق المعقول، حملها جيلٌ عريض لتكون جزءاً فاقعاً من خيبة موجعة، دُفعت فاتورتها سنواتٍ طويلة من الشباب في “بيع الوهم على الذات”. إنها باختصار قصة طويلة زاوج فيها عادل اللبـّاد بين السيرة الذاتية والعمل الوثائقي لتصدر في وثيقة كاشفة عما فاض في 13 سنة من العمل الحركيّ، متوقفاً أمام وجع خاصّ، وتحديداً عند نكبة من عُرفوا بالمعارضين السعوديين على يد مزاج الثورة الإيرانية، وتقلّباته الداخلية السريعة والمتوحشة، ليكون المؤلف اللبّاد وقائمة طويلة من الشبّان “الرساليين” ضحية بلا قيمة.

اللباد يروي في ستة فصول على لسان شاب في السابعة عشرة “هاجر” إلى “الجمهورية الإسلامية” منتصف الثمانينيات. الكتاب أثار سُخطاً عارماً بين رفقاء الدرب الذين يعتبرون ما حدث بين 1980 و1993تاريخاً لا بدّ من نسيانه. لكن المؤلف قال لـ “الوطن” إنه “تاريخ فعلاً، ولكن ليس علينا نسيانه، إنها تجربة جيل باع الوهم على الذات”.

عادل/ عارف

قرّرالفتى المراهق أن يتخلـّى عن الدراسة الحكومية، ويتجـه إلى مدينة قمّ في إيران،فكانت الفكرة هي أن يُسافر برفقة شقيق له إلى دمشق، ومن هناك يطير إلى “الجمهورية”. الفكرة سهلة، لكن اكتشافه كان أسهل. وحين يتحدث اللباد عن التفاصيل؛ فإنه يوثـّق المرة الأولى التي ركب فيها طائرة، فبعد اكتشاف أمره في منفذ الحديثة، احتجز وشقيقه والسائق الذي أقلـّهما في سيارته بعد اكتشاف محاولتهما تهريب جواز سفر إلى شخص آخرمقيم في سوريا. ونـُقل الثلاثة إلى المنطقة الشرقية جواً.

تجربة السفر الفاشلة لم تثنهِ عن تكرار المحاولة. ويروي اللبـّاد في التفاصيل كيف منحه صديق له جوازسفره كي يزوره، باستبدال الصورة منه، ويُسافر إلى الكويت، ومنها إلى دمشق فطهران. كلّ ذلك في تفصيلات تشير إلى مستوى عالٍ من التنظيم الحركي الذي أغرى الكثير من الشباب ليتجهوا إلى إيران، ومنحهم أسماء حركية ينسون بعدها أسماءهم الحقيقية،ويتصرّفون على أساس جديد كلياً في نظام حياتهم. إنها مرحلة يصفها اللبّاد بـ “غسيل الدماغ”.

ويعترف اللباد باسمه الحركي الذي اتخذه لنفسه، وبدلاً من “عادل” صاراسمه “عارف”. ومع أن طالب العلوم الدينية لا يحتاج ـ في العادة ـ إلى اسم حركي؛ إلا أنه حاول الانسجام مع “التعليمات” الصارمة التي فـُرضت عليه وعلى غيره. الذين يسافرون إلى العراق أو إيران لدراسة العلوم الدينية الشيعية لا يحتاجون إلى التخفـّي، إذ لا أحد يحاسبهم على التحصيل العلمي. لكن اللباد، ابن السابعة عشرة، لم يكن يُدرك ذلك. بل لم يسأل نفسه: هل تحتاج الدراسة الحوزوية إلى كلّ هذه الاحتياطات الأمنية؟.

في أرض الثورة

خضع الشاب اللباد إلى الإملاءات، وحين وصل إلى طهران فرح بوصوله إلى “أرض الثورة” و”بر الأمان”، وظنّ أن الحافلة التي تقله من المطار ستسير نحو حوزة القائم مباشرة. يقول الكتاب “هدأ زفير المحرّك قليلاً أمام بوابة فيلا فارهة.. أخيراً وصلنا حوزة القائم الرسالية الباذخة ثورية ورفاهاً”. لم تكن حوزة ولا مدرسة، كانت قصراً فارهاً من زمن الشاه صادرته الثورة، وقد أطلق عليه اسم “منتظر”، وتمّ تسليمه إلى التنظيم الذي جاء باللبـّاد وعشراتٍ غيره، ليقيموا فيه ثلاثة أشهر ضمن برنامج تمهيدي لما سوف يكون مفاجئاً للبّاد الذي ظنّ أنه دخل حوزة علمية!.

في القصر الذي تحوّل بعد سنوات إلى مقهى “فرشته”، عاش اللباد ضمن فرق، وتمّ ضمه إلى “فرقة الفاتحين”، التي تزاملها فرق بأسماء مماثلة “المغاوير،الصامدين، المجاهدين، الصاعقة”، وكلّ هذه الفرق تقع تحت اسم واحد هو “دورة الرسول الأعظم”. وقد امتدّت الإقامة في القصر الفخم ثلاثة أشهر من التعبئة النفسية، لم يرَفيها أحدٌ من المقيمين الشارع أو يسمع عن شيء خارج الأسوار. كانت التعبئة النفسية تستهدف “غسيل دماغ” لبناء الشخصية “الرسالية” التي تنطلق من مفهوم “الثورة” إلى مفاهيم اصطلاحية فضفاضة كثيرة. ويسخر الكاتب من أدبيات المرحلة التي كانت تروّج مصطلحات “التفرّغ في سبيل الله” على غرار “التفرغ للإبداع” أو التفرغ للعمل الفني أو التجاري. ويسوق اللبّاد قائمة من مصطلحات غسيل الدماغ ومسمّيات “الدراسةالدينية” و “تلبية نداء الله” و”العمل في سبيل الله”، ويؤكد “استطاعت الحركة جمع العشرات من الأنصار والمؤيدين والموالين وإقناعهم بالهجرة عن الوطن”. ويشير إلى أن العمل الحركي “شمل إقناع العديد من الفئات الاجتماعية بالهجرة والتفرغ من شباب وبنات وحتى الأطفال دون الخامسة عشرة، مما أحدث ضجة كبيرة في المجتمع وجدالاً حول المنحى الشرعي والأخلاقي”. وفي موضع آخر يستغرب اللباد من انضمام أميين وأصحاب سوابق في الانحراف والمخدرات إلى حركة تنطلق من مفاهيم دينية!.

برامج.. عسكرتارية!

ويحمل اللبّاد على الخديعة التي لم يصفها في كتابه “كانت البداية في تطبيق هذا الخيار دعوة الشباب للدراسة الدينية والخضوع لبرامج يغلب عليها الطابع الديني مع وجود برامج تنظيمية خاصة”. وفي سياق الحكاية كان اللبـّاد واحداً من ضحايا الخديعة، فـالـ “برامج التنظيمية الخاصة”، هي التي نقلت اللبّاد وعشرات أخرين من ذلك القصر الناعم إلى أحراش غابة “جنكــل”، ومواجهة الحياة العسكرية اليومية بصرامتها وشراستها.. وانضباطها. في هذا الجوّ تحوّلت الدراسة الدينية إلى مثار سُخرية، لا أحد يُسمح له بالدراسة الدينية التي كانت موعودة قبل الوصول. وقد “اتـُخذت إجراءات وقائية للحؤول دون تفشي فيروس التطلع إلى الدراسة الدينية”. في أحراش جنكل لا مناص من العمل العسكري ” فإذا لوحظ أن هناك عنصراً يبثّ سموم التمني أن يدرس العلوم الشرعية فإنه يُحجر عليه بطوق النصائح والإرشادات، وإذا لم تُجدِ النصائح نفعاً يحال إلى القيادات العليا لتفرغ عليه درر الحكم لثنيه عما يرومه.. فإذا عزّ ذلك وبعد عدة محاولات يحال إلى حوزة القائم في ماما زند بطهران”!.

التاريخ لا يُعيد نفسه

الرحلة لم تنته هنا، ولكن فصولها الموجعة خفت حدتها “شعرتُ لأول مرة أنني طويت صفحة من حياتي، وبدأت صفحة ثانية.. أحسستُ أنني طائر حر طليق في فضاء الله الواسع.. لقد خالجني شعور بانسلاخ مرحلة الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين ونموّ مرحلة جديدة داخلي، رغم أن الخطوات مجهولة الطريق بعد”. كانت هذه المشاعر قبل 22 سنة من الآن.

لكنّ اللبّاد طوى صفحات أخرى بعد هذه الصفحة المؤلمة. عاد إلى البلاد محمّلاً بتجربة جيل عرف أنه كان يمارس “بيع الوهم على الذات”، وأن التاريخ يجب ألا يعيد نفسه لدى الجيل الحاضر والجيل المقبل،وأن الكذب لا يجوز أن يُمارَس مجدداً على أحد!.

يعيش ليموت

واللبّاد الذي سافر إلى طهران لطلب العلوم الدينية يتحدث فيقول “الأستاذ زكي.. مدربنا في صنع المتفجرات الشعبية.. يخلط بعض مادة نترات البوتاسيوم السمادي والجلسرين بمعادلات حسابية دقيقة تتحوّل إلى متفجرة”. ويتلو هذا الكلام تفصيل أوسع “حقاً إنه درس ممتع إلى درجة الموت المحدق أمام أقل خطأ”. هذه هي الحياة التي وجدها، ولا شيء أمامه إلا أن يستمرّ فيها، عسكرياً في النهار ومتبتّلاً في الليل، “برز التوجه المكثف لأداء صلاة الليل بشكل سافر، بل إلزامي في بعض الأحيان”. يضيف “وكان لحديث القبور ومنازل الآخرة الزخم الرائع في المواظبة على صلاة الليل”. الجميع يفكـّر بطريقة واحدة هي أنه يعيش ليموت. هذا النوع من التربية استعان بثقافة شرسة جداً، فـ “العمل في الحركة هو السبيل الوحيد الذي يقرّب إلى الله”، و”من يخرج من الحركة أو يخالف قراراتها يكون بذلك قد اتبع هواه وسار في طريق الشيطان”، وأن “من يصبر على المشاكل في الحركة فهو يضع نفسه في مرتبة الشهداء والصديقين”!.

احتقار العرب

سألته عن ارتباط التجربة الحركية بما يُشاع حول الولاء الشيعي لإيران؛ فقال بلهجة حازمة “هذا كلام نأسف لرواجه، وتجربة الحركة التي عشت في أحضانها سبع سنوات تؤكد أن آخر شيء يُمكن أن يحدث حقيقة هو ممارسة ولاء سياسي لإيران”.

الكتاب بدوره يعرض معايشة ميدانية للداخل الإيراني.. “يرى كثيرمن الإيرانيين أنفسهم كما يرى الشعب الألماني نفسه، بعدما عمّق أدولف هتلر في ذهنه أنه شعب آري من أفضل شعوب الأرض عرقاً، وبهذا يجب أن تخضع له جميع الأمم، بل تصبح كل الشعوب عبيداً له، يأمر فيُطاع.. ولا تختلف كثيراً الغالبية العُظمى من الإيرانيين عن هذا التوجه والنظرة ولا سيّما تجاه العرب دون النظر إلى توجهاتهم وانتماءاتهم وطوائفهم إلا بما يخدم مصالحهم”. هذا كلام الشاهد اللبّاد ويضيف “وقد طـُردتُ مرة لما كنت أنتظر دوري في مخبز، حينما عرف من في الطابور أنني عربي”. ويسترسل “كنا نحتال على ذلك النفـَـس الشعوبي المريض بأن تُعمل لنا بطاقات هويةعراقية تُعلق على جيوب أقمصتنا”، لتكون صفتنا أننا “من المجلس الأعلى المقاوم لحكم صدام أو منظمة العمل”، على أمل “تخفيف النظرة الدونية المحتقرة”، وإذا لم تتوفرالبطاقة فإن العرب الخليجيين يدعون أنهم “لبنانيون من جنوب لبنان ومن حزب الله”،وحين “تفضحنا لهجتنا أو لغتنا الفارسية الركيكة جداً أو سحنتنا السمراء.. فالويل لنا والثبور”!.

هذه الشهادة تقرر أن الشبّان الخليجيين المحتضنين إيرانياً ليسوا أكثر من جزء من شعب محتقـَر، وعليهم أن يُخفوا هويتهم حتى ينالوا نظرة أقل احتقاراً. والمصلحة السياسية هي وحدها ملاذهم من الويل. وهذا ما يشهد به اللبـّاد حين مرّ بفصل الخيبة الأشدّ إيلاماً، وهو الفصل الذي تخلـّت فيه الثورة عنهم بعد فضيحة “إيران كونترا”.. فكيف حدث ذلك؟.

مأساة

التفصيلات مأساة بمعنى الكلمة، وموجعة إلى الحدّ الذي يبثّ المؤلف تساؤلاته ليترك للقارئ حرية الحكم على كلّ شيء. السخط والغضب يمرّان بهدوء في لغة الكتاب، والنصيب الأكبر من السخط والغضب موجـّه إلى الحركة نفسها، وإلى الإيرانيين أيضاً. اللباد لم يكد يتحدّث بشيء عن ما يسمى “حزب الله في الحجاز”، وحين سألته؛ قال “إنني شاهد ومُشاهد، حكيت قصة ما رأيت ووعيت ولستُ باحثاً أو منقبـاً أو محللاً”. يُضيف “هذا الحزب كان خارج دائرتنا تماماً، وكان بيننا وبينه خلاف جوهري حول العمل… في المملكة”، ويوضح كتابه أكثر بقوله “لم نكن نرى أن العمل العسكري في المملكة مناسب”.

سألته عن أهداف التدريب العسكري الذي كان مُنخرطاً فيه قال “كانت أهدافنا المتوقعة خارج السعودية”..! وأضاف “من حق القارئ أن يستنتج ما يراه”.

الغريب أن اللبـّاد يعترف بأنه لم يكن حتى قيادياً صغيراً في الفصيل الذي انتمى إليه، ومع ذلك يسرد تفاصيل كثيرة. وقد برر ذلك بقوله “أكرر ما سبق أن قلته، فأنا مجرد شاهد ومُشاهد، وقد رويت ما شاهدته وشهدته بما له وما عليه، وكله في النهاية مرحلة انتهت، طرحتها لتكون عبرة”.

بداية التحرر

رحلة الألم الهندية مرت بمحطة مؤقتة ذات شجن خاص في ضاحية السيدة زينب التابعة لدمشق. كان “لقاء الجنة”. فقد مضت سنوات طويلة لم يرَفيها أحداً من أسرته.. “عاصف من الأشواق يدفعني إلى أمي وأبي وأخوتي الصغار.. لا أصدق أنني أراهم بعد هذا الفراق الذي جربته لأول مرة في حياتي”.

كان ذلك عام1407، حين جاءت أسرته لتقابله وتطمئنّ عليه، رغم علمها المسبّق بأنها لن تتمكن من ثنيه. ثم عاد إلى بنجلور في الهند مجدداً ليواصل عمله الرساليّ، ويُصارع ضغوط رغبته الأولى بالدراسة في الحوزة.. بقي يصارع الرغبة عاماً كاملاً، إلى أن قرّر عام  1408 أن يفرض رغبته على التنظيم، وهكذا طار إلى دمشق، ومنها إلى طهران من جديد، حيث استقرّ به الحال في قرية “ماما زند” حيث تقع “حوزة القائم”. وهنا تحرر اللبـّاد من بزة “جندي تحت الطلب” إلى لباس “طالب علم” ذي عمامة مشغول بدورات التعليم والدرس.

(مصدر الصور: المؤلف نفسه)

      

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com