[الإبداع والنقد 3] لنتخيل: فوضى الأنواع

محمد الحميدي

   خلال السنوات العشرين السابقة أو أكثر بقليل طرأت على حياة الناس مجموعة من العادات الجديدة التي أصبحت كالمسلمات بها أو النتائج التي لا تقبل التغيير، وهذه العادات جاءت نتيجة التقنية الحديثة والمخترعات الذكية أو ما يعرف باسم الذكاء الاصطناعي حيث بات الإنسان في مواجهة الآلة، وإن كان الحال الآن لا يزال مبكرا في الحكم هل ستأخذ الآلة أدوار البشر؟ وتلغي الهويات التي ستستبدل بالأرقام التعريفية فقط، كما يتنبأ البعض، وبهذا نتحول إلى العصر الرقمي والحياة الكونية أو بالأصح الحياة في قرية صغيرة يعرف بعضنا بعضا.

   ومع هذه التقنية وهذا الذكاء في الآلة تبرز العلاقة بين الإبداع والمبدع وإنتاج الروائع، فهل سيكون الحال كما هو في السابق من اختصاص البشر أم بمساعدة الذكاء الاصطناعي؟ ويبرز في هذا السياق سؤال عن الأدب المكتوب على الفيسبوك والتويتر والانستجرام واللنكند وغيرها من المواقع إضافة إلى أمر قد لا ينتبه إليه الكثيرون وهو يتمثل في خاصية التنبؤ أو إكمال الجمل، فالهاتف الآن يسارع إلى طرح البدائل على المستخدم ويبرز له مجموعة من الخيارات كي يختار من أحدها ما يناسبه.

   فإذا أضفنا ما سبق من توسع الذكاء الاصطناعي إلى الإبداع الفعلي المكتوب أو المرسوم أو المنحوت وكيفية توجيهه أو إكماله، إذا أضفناه إلى أنواع الإبداع الحالية الموجودة فهل يمكن ملاحظة نوع من الفوضوية في الإبداع؟

   ولا أدري هل الفوضوية هي الكلمة المناسبة أم لا؟ ولكنني لم أجد كلمة أخرى أقارب بها ما يحدث، فالمسرح بات نوعا من العبث الدرامي، والسينما تجاوزت المسرح بأضعاف، والصورة الفوتوغرافية ألغت أو تكاد تلغي الرسومات، بل حتى الروايات ما عادت تصمد أمام طوفان الميديا المكتسح لكل الثقافات؛ حيث من السهل الانتقال من بلد إلى آخر عبر اليوتيوب أو قنوات النتفليكس وسواها، هل هي الفوضى قادمة؟ ربما لا يمكن التحديد الآن، ولكن الأكيد هو وجود تأثيرات كبيرة وعميقة على الآداب والفنون نتيجة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ويمكن الإتيان بمثال على ذلك ولعلكم ستوافقونني الرأي، فالشعر على سبيل المثال انتقل بتأثيرات الميديا وتحت ضغط الصورة من القصائد الطويلة والمتوسطة إلى نوع من الومضة، ففي كثير من الأحيان يختار الشاعر صورة ويكتب الأبيات المعبرة عنها، وهو تأثير كبير فالقصيدة آخذة في الابتعاد عن المشاعر الحقيقية إلى المشاعر التي تفرزها الصورة، وأضيف بأن هذا الأمر لا يختص بشاعر أو اثنين بل إن السوشل ميديا عبر إلقاء نظرة عامة ناحيتها سنكتشف مقدار الارتهان للصورة وطغيانها.

   إذا كان الحال مع الشعر وهو يعتبر من الفنون التي تعتمد على جيشان العاطفة وانطلاقها وانسيابيتها يأتي هكذا وعلى النحو الذي يظهر من خلال الصورة ويتأثر بها، فإن بقية الفنون أولى بالتأثر، فالروايات تتأثر والمسرح يتأثر وكذلك الرسم والنحت والموسيقى وسواها.

   هنا تحديدا يكمن ما أسميه الفوضوية فهذه الأنواع التي أخذت في الظهور سواء على مستوى الومضة الخاطفة الشعرية أو على مستوى الشذرة التي تتناسب مع أحرف التويتر أو على مستوى الإضاءة والتمثيل في السينما أو على مستوى التجهيزات المسرحية…. والقائمة تزداد طولا، هذه الأنواع بأشكالها الجديدة الآخذة في التشكل والتي تنتظر أن تكتمل ألا تحتاج إلى قواعد وأسس تختلف عن قواعد وأسس الفنون والآداب الأصلية أو تلك التي انحدرت منها؟

   بالطبع ستحتاج إلى قواعد جديدة وأسس مختلفة للتعامل معها وهذا سوف يتبعه الحاجة إلى ناقد يدرك أغوار هذه الأجناس وأبعادها وأسرارها، وستنسحب الفوضى ليس على مستوى الإبداع فحسب بل ستطال النقد لكونه لم يتهيأ لما يحدث بالطريقة المناسبة، ويسعدني هنا أن أعلن عن الحاجة إلى ناقد مختلف يقرأ الفنون والآداب المختلفة، وهذا الناقد ليس موجودا لحد اللحظة وأتمنى أن يكون وجوده قريبا؛ لأنه سيعمل على دفع هذه الأنواع والتأصيل لها وإدخالها في أقسامها الفعلية، وبهذا سترتفع عنها صفة الفوضوية التي أطلقتها عليها في بدء حديثي.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com