في برنامج “بناء”.. 3 مراحل لإعادة نزلاء سجن المباحث إلى المجتمع اللقاء الرمضاني الأول يجمع أعضاء البرنامج بشخصيات اجتماعية وإعلاميين

زوجة علي السبع تقطع كلمته في حفل أمن الدولة

الدمام: ليلى العوامي، أمل سعيد

فيما كان الفنان علي السبع يسرد قصة زيارته الأولى لسجن مباحث المنطقة الشرقية، في سبتمبر 2018؛ راح جرس جواله يرنُّ تكراراً. أخرج السبع الجوال من جيبه، ثم خاطب الجمهور قائلاً “هذه زوجتي خايفة علي”. ثم ردّ على الاتصال وقال ثلاث كلمات فقط “كلُّ شيء تمام”، وأنهى المكالمة..!

تحرّكت موجة ضحكٍ في الجمهور الذي وجد الفنان يتحدّث على سجيته، ويفصّل تلك القصة التي دُعيَ فيها إلى زيارة السجن، وكيف ضرب أخماساً في أسداس ليعرف سبب الدعوة، وحين ذهب برجليه؛ واجه ما لم تصدّقه عيناه.. قال إنه لم يميّز نزلاء السجن عن ضباط السجن عن ضباط المباحث.. اختلط الجميع كأنهم أسرة واحدة، عدا التفاصيل التي شهدها في تجهيزات السجن وبرامج الإصلاح فيه..!

ومساء البارحة؛ جاء السبع ليطّلع على برنامج آخر هو برنامج “بناء” الذي تنفذه رئاسة أمن الدولة في سجن مباحث المنطقة الشرقية، منذ خمس سنوات، وأدلى السبع بشهادته على ما أثاره في البرنامج.

بُعيد وجبة السحور سألت “صُبرة” الفنان علي السبع: هل الاتصال الذي قطع كلمتك حقيقي؟ أم مدبّر..؟ ولم يتردّد السبع في تأكيد أن الاتصال الذي ورده وهو يلقي كلمته كان حقيقياً ومن زوجته.

برنامج بناء

كان السبع واحداً من حضور اللقاء الرمضاني الأول لبرنامج “بناء”. البرنامج ضخمٌ، والوقت الذي قُضي في عرضه عبر فقرات اللقاء كان مكثفاً. وحين جاء دور السبع؛ طلب إلى الجمهور أن يتقبّلوا خفة ظله، وقال ما معناه “أنا فنان، وطبيعتي فكاهية”، ليُضفي على اللقاء الجاد روحاً مرحة.

قصة أكبر

لكنّ القصة أكبر من دعابة فنانٍ خفيف ظل وعفويّ. وملخّصها أن النزيل المحكوم حتى في قضية أمنية؛ من حقه أن يعود إلى المجتمع إنساناً صالحاً، مثل أي مواطنٍ آخر. ومن أجل ذلك؛ تُبذل الملايين، ويُجنّد الاختصاصيون النفسيون والاجتماعيون والفنانون ليحتووا النزيل وأسرته، ويتشاركوا في بناء بيئة تساعد على “تعديل السلوك”، ويكون النزيل وأسرته ومجتمعه، معاً، شركاء في البرنامج نفسه..!

قد يبدو ذلك خيالياً حين نربطه بجهاز اسمه “أمن الدولة”. لكن هذا ما يحدث فعلياً منذ سنوات في برنامج “المناصحة”. ومساء البارحة؛ كان الحديث مفتوحاً على تسمياته الواضحة.

مرّت بلادنا باضطرابات أمنية وراءها مواطنون أخطأوا الطريق. ودور الدولة ليس محصوراً في المواجهات الأمنية والمحاسبة فقط. هناك دورٌ ضخمٌ في الإصلاح أيضاً لقسمٍ كبير من المتورطين الذين لم تتلوث أيديهم بالدم.

الأهم.. حياة سليمة

على مائدة السحور سألت “صُبرة” مدير مباحث المنطقة الشرقية عن ميزانية هذا البرنامج. فأجاب بأن الميزانية مرتبطة ببرنامج “المناصحة” الأم. لكنّ المسؤول الأمني ركّز على أن الدولة ليست قلقةً على التكلفة المادية. وقال ما معناه إذا نجحنا في إعادة مواطن إلى المجتمع ليندمج فيه ويمارس حياته السليمة؛ فإن هذا هو المهم.

سبب سؤال “صُبرة” عن التكلفة المالية هو الإشارات المليونية التي ذكرها عضو اللجنة الاستشارية الدكتور احمد الخلف استشاري الصحة النفسية في مستشفى أرامكو، أثناء العرض. بلغة الفواتير تبدو الأرقام ضخمة. ففي عام 1438؛ وصلت تكلفة الاختصاصيين المشاركين في البرنامج إلى 3 ملايين و 35 ألف ريال. لكن هناك أرقاماً تخصّ النزلاء الذين يتجاوزون البرنامج بنجاح.. وفي السنوات الـ 4 الأخيرة حصل النزلاء المفرج عنهم على 750 ألف ريال.. مكافآت..!

حكمة الإصلاح

وبما أن المال ليس كلّ شيء؛ فإن ما يجري في البرنامج يُشير إلى أهم شيء.. ومساء البارحة كان العرض واضحاً..

الدكتور نبيل الخنيزي عضو، أيضاً، في اللجنة الاستشارية للبرنامج، وهو مدرب معتمد واستشاري أنف وحنجرة في البرج الطبي.. وفي كلمته أشار إلى “حكمة الدولة في اتخاد الإصلاح منهجًا وسبيلاً”، وأضاف “نحن أبناء هذه الدولة وهذا التراب وهذا المجتمع، ونستطيع بكل جدارة المحافظة على السلم الاجتماعي وكينونة الدولة”. وحول أداء البرنامج قال “نحن الأعضاء نتمتع بقدرات مختلفة مهنياً ولدينا الأسلوب القادر على القضاء على الأفكار الذي تأثر بها البعض سواء كانت خارجية او من منطلق التغيير الفردي”. وقال “شارك في هذا البرنامج متخصصون في علم النفس والاجتماع  ومدربون في التنمية البشرية الأكفاء”. وقال “نحن في برنامج “بناء” نسعى إلى تمكين كل الطاقات  للوصول الى نتائج مرضية ومبهرة”.. ووصف المستفيدين من البرنامج بأنهم “أصبحوا نواة تنشر فكرة المواطنة الصالحة”.

أمن فكري

الدكتور الخلف أكد “كما يمرض الجسد؛ تمرض النفس فنكون محتاجين لمختص يتعامل مع هذه الظاهرة”. وأشار إلى البرنامج بقوله إنه لا يركز على الأمن الجسدي والأمن الاقتصادي فقط، بل “هناك الأمن الفكري وهو الأساس”. ودور البرنامج هو مساعدة النزيل على “حل المشكلات واتخاذ القرارات، والتفكير الناقد والاستدلالي، والتفكير الإيجابي الفعال”، ليتمتع في النهاية بـ “مهارات الإدراك، والتركيز، الانتباه، والتذكر”.

أيضاً هناك “المهارات المهنية التي يحتاجها النزيل، إذ يبدأ الموضوع بمهارات اختيار مجال العمل المناسب، وهو ما يحقق النجاح في العمل، فبعد الحصول على العمل، بعضهم لا يعرف كيف يطور من نفسه وكيف يثبت وجوده في العمل، فهدفنا إكسابه هذه المهارات”.

هناك أيضاً “مهارة التنظيم والتخطيط وإدارة الوقت، حيث يحتاج الإنسان إلى هذه المهارة بسبب تسارع اليوم، ويجب أن تكون لديه خطة، وطريقة لإدارة الوقت “فاقصد في مشيك” فأي حركة أو خطوة أنا أخطوها يجب أن يكون عندي تنظيم وخطة لها”.

داخل السجن

ونبّه الخلف إلى “الفئات المستهدفة في برنامج بناء”، إنهم “فئة النزلاء، فئة أسر النزلاء، المجتمع المحلي”. أضاف “هذا التوزيع مبني على منهج علمي ذي صبغة إسلامية، والتغيير يبدأ من الفرد، الأساس، ثم يمتد إلى المجتمع”. ويبدأ العمل بالمرحلة الأولى، داخل السجن حيث يتم ترشيح النزيل داخل السجن لأهليته لدخول هذا البرنامج، ثم يتم عرضه على الجانب الطبي لفحصه، ، ثم الطب النفسي لتحديد احتياجاته، ومعرفة المشاكل النفسية التي يعانيها النزيل.

ثم يتعامل معه المختص في علم النفس بما يتناسب معه سواء بالجلسات الفردية أو العلاج النفسي إذا كان يحتاج لذلك. وبعدها يعرض على الاختصاصي الاجتماعي، ويتوسع الموضوع إلى المشكلات الاجتماعية، الأسرية، المجتمعية.

ومن ثم يُعرض على اللجنة الاستشارية التي تتكون من جميع هذه الاختصاصات، وتقرر ماذا يحتاج هذا النزيل، لبناء برنامج لتخريجه.

وقال الخلف “قد يحتاج إلى جلسات نفسية فردية أو جلسات اجتماعية أو قد يحتاج إلى دورات تدريبية تقررها اللجنة الاستشارية. ثم بعد ذلك يعرض على اللجنة مرة أخرى، وبعدها يأتي التقرير النهائي. وهذا كله يستغرق مدة زمنية قد تطول إلى عدة شهور.

في فندق

ثم تأتي “المرحلة الثانية، ويتم فيها استضافة المستفيد وأسرته لمدة أسبوعين في فندق على حساب البرنامج، يتم فيها عمل جلسات نفسية واجتماعية وورش عمل لتعلم المهارات الوظيفية والمهارات الاجتماعية والاندماج المجتمعي، وأيضا ورش عمل لتطوير الذات وفن التعامل مع ضغوط الحياة. ويستمر ذلك إلى موعد إقامة حفل تخرج وتسليم هدية البرنامج”.

البرنامج يحاول أن يتعامل مع النزيل بكل تقدير وكل احترام من أجل إعادته مرة أخرى كعضو فاعل في المجتمع، لبناء نسيج وطني متكامل.

المتابعة المستمرة

وهناك مرحلة ثالثة، تتم دعوته الخريج إلى زيارة مقر المركز والتعريف به وحضور حفل التخرج واستضافة شخصيات متعددة سواء كانت لأفراد أو مؤسسات على المستوى المحلي أو الخليجي وتنسيق مع المؤسسات الأهلية أو الحكومية تعليمية وغيرها.

وهناك، أيضاً، دورات تدريب وورش عمل ومحاضرات لهذه المؤسسات للتعريف بالبرنامج، ودور الجانب الأمني ودور البرنامج في تأهيل هؤلاء النزلاء، والمشاركة في المهرجانات والاحتفالات.

أرقام

الخلف تحدث عن إحصاءات متعددة، فقد “بلغ عدد الجلسات خلال هذا العام عدد الجلسات بلغ 700 جلسة، عدا جلسات اللجنة الاستشارية التي وصلت عددها إلى 90 جلسة، والطب النفسي 55 جلسة، والجلسات الفردية 375 جلسة، والجلسات الاجتماعية الفردية 175 جلسة”.

علاوة على ذلك؛ هناك 153 نشاطاً، بينها 120 دورة داخل المركز، و 39 دورة في الرعاية اللاحقة، و 3 دورات للأعضاء في الرعاية اللاحقة.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com