نذر عاشق من زمن “الأجاويد” وراء “مسجد علوي” في “ميّاس” منزل أوقفه صاحبه بعد استجابة الله له سنة 1316هـ

صُبرة: خاص

منذ قرابة 128 سنة والصلوات الخمس تُؤدَّى في “مسجد علوي”، في حي “ميّاس”. مسجد بمساحة تعادل مساحة صالة شقة في عصرنا الحاضر. لكنّ المساحة كانت، قبل قرنٍ وربع القرنِ، تعادل بيتين متجاورين، حين كانت “ميّاس” قرية صغيرة متداخلة البيوت والممرات، وملمومةً مثل جزيرة صغيرة وسط بحر من النخيل..!

إنه رابعُ مساجد الحي/ القرية، وأصغرها على الإطلاق. وحين تأسّس؛ كان أصغر بمقدار النصف. ومع ذلك؛ فإن القصة ليست في مساحته الصغيرة، ولا حتى في قِدمه، ولا في الأجيال التي تعاقبت على الاهتمام بشؤونه، ولا في تحوّله إلى مكان مُبارَك تُصرَف له النذور.. القصة الأكثر أهمية هي في السبب الذي جعل منه مسجداً بعد أن كان منزلاً خاصّاً.

قصة حبٍّ طاهرٍ بطلها رجلٌ من سكان القرية.. اسمه السيد علوي بن السيد حسن الصاخن الذي مال قلبه إلى امرأة أرملة من جيرانه، اسمها آمنة كاظم آل أحمد القصاب.

أراد “علوي” الزواج من “آمنة”، كما يفعل العشاق الشرفاء. ولأن الذين سبقوه إلى خُطبتها لم يوفَّقوا إلى موافقة أبيها؛ خاف على قلبه من الخيبة، فنذر لله نذراً؛ إن قبله والد “آمنة”؛ فسوف يوقف منزله مسجداً.

ولم يُخيّب الله ظنه. وافق والد الشابّة على خُطبة “السيد”، فتمّ الزواج، ووفى الناذر بنذره، وترك بيته الصغير لله، ليكون مسجداً وسط القرية.

زواج سابق

كان “السيد علوي”، قبل ذلك، متزوجاً من سيدة أنجب منها ثلاثة أبناء: “هاشمية”، ثم “السيد أسعد”، ثم “السيد علي”. ثم توفّيت الزوجة.

ومن جهةٍ أخرى؛ كانت السيدة “آمنة” متزوجة من رجل سابق اسمه محروس المحروس. وقد أنجبت منه ابنةً واحدة وابناً واحداً، قبل أن يتوفّاه الله.

السيد زكي الصاخن هو حفيد السيد علوي، من أصغر أبنائه “حمزة”. وهو من مواليد 1363هـ، وقد سرد القصة لـ “صُبرة” من موقع المسجد ذاته. (شاهد الفيديو)، ودلّنا على موقع بيت أهل جدته “آمنة” التي خطبها جده. وكلا المكانين ـ المسجد والمنزل ـ في زقاقٍ واحدٍ تقريباً، والفاصل بينهما لا يصل إلى 20 متراً.

كان جده “السيد علوي” شاباً فقير الحال، معتمداً في رزقه على مهنة “القصابة/ الجزارة”. وربما خاف ألّا تُقبل خُطبته لهذا السبب، خاصة مع فشل الخاطبين قبله. وربما لهذا السبب غامر بأغلى ما يملك من أجل الفوز بقلب الشابة.

بعد الزواج انتقل “علوي” إلى السكن في قرية “الشريعة” المجاورة. وبقي معتنياً بالمسجد حتى وفاته. وحسب التقديرات التي ذكرها حفيده “السيد زكي” نقلاً عن والده “السيد حمزة”؛ فإن “السيد علوي” هذا أوقف المسجد عام 1316هـ، أو قريباً من هذا التاريخ. وقد عاش حتى سنة 1340هـ تقريباً، وأنجب من زوجته “آمنة” ثلاثة: شريفة، فاطمة، حمزة.

من علوي إلى علوي

بعد وفاة علوي “المؤسس”؛ انتقلت رعاية المسجد إلى ذمة رجل آخر من العائلة اسمه “علوي” أيضاً، ابن اخته. كان الأخير ضريراً وفقيراً، لكنّه أخلص للأمانة التي تحمّلها. وساعدته زوجته التي كانت ـ حسب زكي الصاخن ـ تهتم بتنظيفه، وتضيء فوانيسه في المساء. وقد استمرّ الزوجان على هذا الحال قرابة 40 سنة.

ويقول الصاخن “كانت هذه المرحلة مهمّة جداً، فقد احتفظ المسجد باسمه.. مسجد علوي”.

ويقول سبطه فايز الضامن إنه أدرك جده، وكان يشاهده يجلس قبيل أذان المغرب عند الباب، ثم يؤذّن في الوقت. وكثيراً ما شاهده مستلقياً في المسجد، “وكنا نأنس بأحاديثه”. وقد توفي سنة 1418هـ.

من اليسار: علوي القصاب ابن أخت المؤسس، وحسن العلقم، رحمهما الله. التُقطت الصورة قبل 1418هـ

المرحلة الثالثة

 

 

بعد وفاة “علوي الثاني”؛ تسلّم الأمانة جارٌ للمسجد، هو الحاج باقي بزرون. وحسب الصاخن؛ فإن هذا الأخير بذل بعض ماله، واشترى بيتاً مجاوراً للمسجد من جهة الشمال. بيتاً لا تزيد مساحته عن مساحة المسجد. ثم أُعيد بناء المكان ليصل المسجد إلى المساحة الحالية التي بالكاد تصل إلى 8 أمتار في 4 أمتار، حسب كلام فايز الضامن.

في التوسعة الأخيرة؛ أعيد تصميم المسجد كليّاً، وبُنيت فيه قُبيبة، ومئذنة قصيرة. وُمليء سقفه بالنقوش، وفُرشت أرضيته، وجُهّز بالتكييف المناسب.

ويتناوب على الأذان فيه اثنان: جار المسجد الحاج باقي بزرون، والحاج صادق العلقم. وهذا الأخير هو أحد أسباط علوي المؤسس، ويعمل في إصلاح الساعات بسوق ميّاس.

الحاج باقي بزرون في المسجد

الحاج صادق العلقم

ولأنه مسجدٌ صغيرٌ جداً؛ لا تُقام فيه الصلاة جماعة في الغالب. في “مياس” أربعة مساجد أخرى أكبر. ولكن يحدث أن تُقام فيه صلاة الآيات، في الكسوف والخسوف، وصلاة العيد لمن فاتتهم الصلاة في مساجد أخرى، حسب إفادة فايز الضامن.

ويزيد الضامن أيضاً أن المسجد مقصودٌ من قبل النساء. وفي المناسبات الدينية السعيدة يقصدنه في الليل بعد الصلاة، ويقمن بعض الفعاليات. وكثيرٌ من الناس ينذرن لهذا المسجد، وبعضهم يعلّق ملابس أو متعلقات شخصية بنية التبرك بالمسجد.

ويقول الضامن “كثيراً ما نتخلص من أقمشة وملابس محشورة في أماكن غير ظاهرة في المسجد، أو حوله”.

ما تبقّى من منزل السيدة آمنة القصاب

فايز الضامن في المسجد

مصادر التقرير:

  • زكي السيد حمزة علوي الصاخن.
  • باقي بزورن.
  • صادق العلقم.
  • فايز الضامن.

شارك في الإعداد:

  • حبيب محمود
  • فتحي عاشور
  • محسن الخضراوي

 

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com