[كاتب وكتاب] قاسم حداد في “رشيق كالوقت و لا بيت له”: كتبت جلّ قصائدي لقراء لا يحسنون القراءة الشعر، سوف يظل يرأف بنا لحظة الخوف، و يشفق علينا لحظة الضياع.

هادي رسول

 

رشيق كالوقت و لا بيت له – قاسم حداد

في العالم العربي و في الخليج خصوصًا، لايمكن أن نمر على التجربة الحداثية في الشعر العربي دون أن نمر على قاسم حداد، قاسم الذي لم يقتصر على كتابة الشعر، و إنما ذهب منظّرًا لهُ تنظيرًا جماليًا عبر العديد من المؤلفات و المقالات.

مدخل:

مستعيرًا مقولتك ” في الأسئلة شيٌ من الجنة ” ، سأساورك بالأسئلة في كتابك ” رشيق كالوقت و لا بيت له “.

جماليات

ــ تقول مشيرًا إلى جماليات القارئ: ” الكتابة بوصفها أدبًا، لا تتحقق بفعل رغبة الكتابة فحسب، بل إنها تصير جميلة الدلالات كلما تعرضت لقراءة جميلة أيضًا”، كيف يصل القارئ لجمال القراءة؟

= جمال القراءة سوف يأتي دائمًا من حساسية و وعي الشخص لآلياته، باعتباره خليط حالات إنسانية من حياة ذات معزى، تقدر على التقاطع مع أرواح مثيلة، على الدرجة و النوع نفسهما من المعرفة. فالقراءة هي طاقة إبداعية أيضًا.

مسؤولية

ــ إذن، أنت تحمّل القارئ المسؤلية أيضًا في الكتابة الأدبية؟

= نرى الحاجة ماسة في الكتابة الأدبية، إلى إدراك القيمة الفنية للنص الأدبي الجديد، بتعضيد عميق وجاد من قارئ كامل الأهلية، يجب عدم التهوين من ضرورة تحمل ذلك القارئ مسؤوليتها.

مُجابهة

ــ ذات مقال صحفي كتبتَ “أيها القارئ هل أنتَ حقًا هناك” كان عنوانًا لمحتوى حمل نقدًا قاسيا تجاه القارئ، قارئ شعرك خصوصًا، هذا المقال أذكره بالتحديد و أذكر الجدل الذي أفرزه، السؤال: ما السبب الذي دفعك لهذا النقد الصريح تجاه قارئك؟

= ألا يجوز للشاعر، مثلما هو جريء و صريح مع نفسه، أن يكون صريحًا و جريئًا مع القارئ أيضًا؟!.

ما من سبب يمنع الشاعر من مجابهة قارئه، من أجل الكشف عن طبيعة التربية الثقافية و الاجتماعية التي تصوغ القارئ بشروط تُغاير، و أحيانًا تُناقض، الطبيعة التي تصوغ بها تجربة الشاعر، لعوامل تتصل بالشاعر ، مما يقصر عنها القارئ.

مسافة ضوئية

ــ ألِهذا المستوى الذي تقول فيه: ” كأننا إزاء مسافة ضوئية بين القارئ و الشاعر، في الثقافة و المعرفة و الذائفة”؟

= ربما كان هذا هو السر الغامض الذي يسكت عليه الشاعر، و يقصر القارئ على الاعتراف به. و مع الوقت يتراكم هذا الوضع، ويلتبس مؤديًا إلى جبل من الأوهام، يزعمها الشاعر، باطمئنان كاذب لقرّائه، و يصدقها القارئ لأسباب خارج عن الأدب، و الفن و الشعر و المعرفة.

لا يحسنون القراءة

ــ قلت: “كتبت جل قصائدي لقرّاء لا يحسنون القراءة، و لا يتمتعون بالدرجة الكافية من الوعي و الحساسية الشعرية و المعرفة الثقافية اللازمة لقارئ الشعر “هذه الجملة مثيرة للحساسية بشكل كبير، ربما لديك مثال يؤيد ما ذهبت إليه؟

=أشير إلى تلك الحادثة التي ساجلني فيها شخص في إحدى الندوات، بعد أن أكّدَ أنه قارئ قديم لقصائدي، و كان يشير إلى الغموض الصعب في شعري الجديد. فسألته أن يعطي مثالًا بالإشارة إلى قصيدة كنموذج لما يقول . لم يستطع -هذا القارئ القديم- أن يذكر لي اسم قصيدة واحدة، أو عنوان ديوان محدد من كتبي.

سؤال مفتوح

ــ لم يبدو لي المثال الذي أوردته مقنعًا، و لكنه مثال على كل حال.

إدراك

ــ تقول: “إدارك القارئ لتجربة الشاعر، يستدعي معرفة كافية لطبيعة بنيته الفكرية، و رؤياه الحياتية” لماذا تتطلب هذا الإدراك؟

= لأن فلسفة الشاعر و رؤيته ستكون مبثوثة في نصوصه و كتاباته، في تجلياته المتنوعة.

سيكون مستوعبًا الرؤى الجوهرية التي تقوم عليها تجربة الشاعر، لصيقًا بصميم التكوين الفكري و الإنساني للشاعر.

حياة شاسعة

ــ كيف يمكن أن ترد على من يضع شرطًا أو طلبًا مسبقًا لما ينبغي أن تكتبه؟

=الحياة الشاسعة هي لب الكتابة و جوهرها في كل وقت و زمان. و لا يحتاج الكاتب لخريطة طريق من أجل أن يكتب.

كتابة صحفية

ــ قاسم حداد، الشاعر و كاتب المقالات في الصحف، هل تخضع لشروط الكتابة الصحفية و أنت تمارس التمرّد الشعري؟

= لا أذهب إلى الكتابة بشروط الصحافة، بل أكتب للصحيفة بالشرط الأدبي. بشرطي التعبيري الخاص. لا أتخلى عن طبيعتي الأدبية من أجل أن أصوغ مقالة صحافية.

معرفة الشعر

ــ بعد هذه التجربة الطويلة لك مع الشعر، هل لديك ما تعرّف به الشعر؟

= أظل شبه متيقن بأنني أعرف الشعر، حتى اللحظة التي يسألني فيها أحد عن ذلك. عندها أتأكد بأنني لا أكاد أعرف شيئًا عن شيء.

ليس في الشعر ما يُعرف عنه، قبله.

ليس هناك قبل الشعر و بعده.

أنت لكي تدرك الشعر و تعرفه، يحب عليك أن تكتبه، و أن تُحسن كتابته خصوصًا. أن تقرأه، و أن تُحسن قراءته. هناك تكمن معرفة الشعر .

اندفاع حماسي

ــ لحظة الكتابة، هل هي لحظة جنون أم لحظة رصانة؟

= الأدب يحتاج لقدرٍ كافٍ من التهوّر و الامتثال للغرائز، يسمونه جنونًا. الرصانة ليس لحظة كتابة، ستحتاج الرصانة لاحقًا، في المراجعة و التعديل و التصويب. لحظة الكتابة هي الاندفاع الحماسي الباسل.

ورشة المخيّلة

ــ قلت في حوارنا السابق: ” و أنت إلى كتابة و أنت إلى الله”، ما ذا يعني أن تكتب؟

= يعني أنّك موشكٌ على النوم، نومّ خاص و مختلف، و فعّال أكثر من اليقظة، هو نومك المغاير الذي تضاهي به يقظة النهار و الليل. نومٌ زاخِرٌ بالأحلام و مجابهات الجمال. فليس أقل من الأحلام لكي تكتب نصّكَ الجديد. ففي الأحلام فقط ورشة المخيّلة.

خشية

ــ ممّا تخشى لحظة الكتابة؟

= أخشى أن أكون عاجزًا عن مجاراة ما تقترحه عليّ المخيّلة أثناء الكتابة.

مساءلة

ــ تقول: كثيرون لا تعوزهم الأسباب و العلل و المناسبات، ليطرحوا مساءلة المبدع عن دوره و وظيفته و مسؤوليته، عما يحدث في الواقع، كيف تقرأ هذه الحالة؟

= يطرحون عليه مساءلتهم دونما خجل و لا تثبّت، و كأنه موظف في مؤسسة الحق العام، يظل عرضة لأمزجة مديري التدهور الشامل، و كأنما ينبغي عليه تحمل مسؤولية إصلاح ما أفسده الآخرون!!!

السياسة

ــ كان لديك نشاط سياسي في بداية الشباب و أشرت لذلك في كتابك “ورشة الأمل” ، ما رأيك بالممارسة السياسية للأديب، بعد هذه التجربة الحياتية و الأدبية؟

= كأديب، بوصفك الإنساني، من حقك ممارسة السياسة. بل إن السياسة هي فعلك الطبيعي في المجتمع. السياسة هي واجبك كوحش يخرج على الغابة و الكهف في آن.

المهم أن تضع الأدب في المرتبة الأولى دائما، و السياسة بعد ذلك.

السياسة في جوهر أشياء الحياة، و ليس في قشرتها و سطوحها و متغيراتها.

شرط الفن هو ما يجب على الأديب التشبث به، وعدم التضحية به لصالح العمل السياسي، إذا كان فعلاً يرغب في الانتصار لقناعاته السياسية و يناضل من أجلها.

جيل قديم

ــ تستحضر مقولة نقاد الجيل القديم نحو شعراء الجيل الجديد: “إذا كان هذا شعرًا فكل ما قالته العرب باطل”، كيف تجابه هذا النقد؟

= أقول: إذا كان الشعر كذلك -كما يريده هؤلاء النقاد- يجب علينا الاستعداد لإعادة النظر و المراجعة و الشك في الجذور، التي لم تزل تطاردنا بوصفها مكائد و شراكًا أحيانًا، و أحيانًا كمشانق. ففي الشك و المراجعة شيءٌ من حق في حياته المختلفة. الشك لا لتضميد الجراح و تفادي النقائض، لكن لتحيتها و إيقاظها، و وضع الجمر في مهبها بلا هوادة.

مراجعات

ــ هل هذه الدعوة للمراجعة و النقد تنحصر في التراث، هل تستثني منها الشعر الحديث؟

= نحن بحاجة للمراجعات و التريث، ليس لنقد الجذور فحسب، فربما كان طريق جهنم مفتوحًا على مصراعيه، لمن يثق طويلًا في المستقر، فمعظم ذلك الحديث هو من المتهافت نحو القِدامة.

حداثة

ــ في موضوع الحداثة تقول: “منذ ما يزيد على نصف قرن، نستمر في الكلام عن الحداثة، و نعيد الكلام نفسه، مواصلين السعي نفسه”. هل هو تهكّم على حالكم كمنتصرين للحداثة أم على بيئتكم؟

= سنكون إما غافلين عن حركة الزمن، أو إننا نكذب بإصرار على أنفسنا و الآخرين، متوهمين أن الحداثة، هي التي تحدث الآن، في حين أن ما يحدث في الواقع هو العكس، و غالبًا النقيض.

عندما نصحو كل يوم نكون قد تخلفنا أكثر من اليوم السابق، حتى أنه لفرط تقهقرنا اليومي، يمكن أن نجد أنفسنا في الغابة و الكهف معًا، أكثر مما نحن عليه الآن.

التسامح

ــ في لفتة فكرية تشير بريبة إلى مفردة (التسامح)، و أنها تصدر موقف ملتبس، أو غير أليف في جوهره؟

= ما إن يدعو أحدهم إلى التسامح، حتى نكتشف أنه يصدر عن موقف يشير إلى تأثيم الطرف الآخر و تجريمه. فإذا كنت في الإسلام و دعوت إلى التسامح، فإنك بالضرورة تفترض أن صاحب الدين الآخر قد أخطأ في خياره، لكنك مستعد للتسامح معه. و العكس سيكون كذلك. و هذا ينطبق عند الكلام عن المذاهب.

تجارب مشتركة

ــ لديك عدة تجارب مشتركة، منها على سيل المثال، تجربة الجواشن مع أمين صالح، تجربة المستحيل الأزرق مع الفوتغرافي صالح العزاز، و تجربة وجوه مع الموسيقار خالد الشيخ و التشكيلي إبراهيم بوسعد و المسرحي عبدالله يوسف. كيف تقيّم التجارب المشتركة؟

= أنت لا تشترك مع قرينك الإبداعي لكي تتنافس معه، لكن لكي تقترحان معًا شكلًا جديدًا من أشكال الحوار. تصقل وسائل تعبيرك، تبحث عن آفاق تعبيرية جديدة، تفتح السبل لكليكما، نحو السبيل الأنسب عن حياتكما في الكون.

ممكنات اللغة

ــ هل تذهب إلى هذه التجارب المشتركة لأن شكل تعبيرك يضيق بك؟

= ليس لأن شكل تعبيرك يضيق بك. تشترك مع فن آخر من أجل التأكد من أن ما تضيق به، بوسعه اختبار المزيد من ممكنات اللغة و الأساليب.

جمالنا

ــ أنت تُراهن في الشعر هدم ارتهانه للسياسي و الأيدلوجي، و هي إشارة صريحة إلى أن الشعر يفقد هويته الجمالية حين يؤدلج و يُسيّس؟

= الشعر، الكلام الإنساني الأسمى، سوف يظل يرأف بنا لحظة الخوف، و يشفق علينا لحظة الضياع.

الشعر، جمالنا الذي لا يُضاهى عندما لا يكون زينة في أحذية الطغاة، و مجدنا حين لا يصبح كلمة في دفتر الرياء و التملّق.

موقف أفلاطون

ــ أبعد أفلاطون الشعراء عن جمهوريته. كيف تقيّم موقف أفلاطون الفكري تجاه الشعراء ؟

= الجمهورية هي دولة و نظام، بالتالي، هي سلطة تتطلب القبول و تستدعي الإذعان و تشترط الامتثال لسياسة الدولة و قوانينها.

و قد أدرك أفلاطون، باكرًا، أنه سيقصر عن مجابهة أسئلة الشاعر في دولته. و أدرك أنه لا مكان للشاعر في حدود جمهوريته، فالجمهورية لا تحتمل قائدين في مكان واحد.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com