[كاتب وكتاب] قاسم حداد:كنت مولعًا بالاستحمام في عيون القطيف والعوامية وصفوى والقديح المدرس مخلصٌ دائمًا للمنهج المقرر.. الأستاذ مخلصٌ للمستقبل وابتكار المخيلة

إعداد: هادي رسول

 

ورشة الأمل – قاسم حداد

في العالم العربي و في الخليج خصوصًا، لايمكن أن نمر على التجربة الحداثية في الشعر العربي دون أن نمر على قاسم حداد، قاسم الذي لم يقتصر على كتابة الشعر، و إنما ذهب منظّرًا لهُ تنظيرًا جماليًا عبر العديد من المؤلفات والمقالات. أحاوره في ثلاثة حورات متتالية من خلال كتبه، بدءًا من كتابه “ورشة الأمل” الذي يذهب فيه قاسم ليرى ذاته من خلال المكان، وكأنما (المحرق) مرآته الذي تعكس تجلياته.

مدخل:

“ثمة علاقة بالمكان تجعلني أفكر كثيرًا في المعنى الغامض الذي يجعلني قريبًا من المحرّق، وخصوصًا بذاكرة المحرّق القديمة، التي وعيتُ على تفتّح معناها الحضاري الحديث كمدينة، معنى أن تتحول الأماكن إلى أشياء ومواد يمكن ملامستها باليد، وتقمصها بالحواس، دون أن يقوى الزمن على مصادرة حقنا في استعادتها بالصورة التي تعرفنا عليها للمرة الأولى، كأن ذلك هو الحق الوحيد، لكي لا أقول الحق الأخير، الذي يمكن أن يبقى للإنسان في مدينته”

اقتبستُ توصيفك هذا عن علاقتك بالمحرق، ليشكّل مدخلًا للحوار .

مستقبل

ــ ورشة الأمل، سيرة ذاتية لمدينة المحرّق، كيف ستذهب لكتابة نص هذه السيرة؟

= سأكتبه

مثلما يصقل الشخص أسماء أطفاله

كي يؤثث مستقبلًا للكتاب.

اختزال

ــ تقول: ” أظن أن معرفة أشياء كثيرة في مدينة واحدة، مثل مدينة المحرق، يمكن أن تغني عن مدن كثيرة “، هل اختزلت المحرق المدن الأخرى؟

= بالرغم من معرفتي مدنًا كثيرة بدرجات مختلفة، إلا أني أشعر باكتناز في معرفة أناس كثيرين، و أشياء تستعصي على الوصف في مدينة واحدة، مدينة كفيلة باختزال المدن.

بالنسبة لي، أقدر على القول بأني تعلمت في هذه المدينة درس الحياة.

ارتباك

ــ هل كتابة سيرة المدينة، طريقة مواربة لكتابة سيرة الشخص؟

= لست ممن يحسن كتابة السيرة بالشكل المتعارف عليه، ليس فقط بسبب ما ينتابني من القلق والارتباك عندما يتطلب الموقف كلامًا عن الشخص، و لكن لأنني لا أشعر بقدرتي على كتابة ماينتمي إلى السرد التاريخي والمقيد بتسجيل أحداث متتالية.

رؤية إنسانية

ــ مالإضاءات التي يمكن أن تتحدث فيها عن سيرة هذه المدينة؟

= يمكن الحديث عن هذه المدينة من مستويات مختلفة، غير أني أحب أن أتحدث عنها متقاطعة بالرؤية الإنسانية التي أنشأتني. وتصاعدت في تجربة كان لها الدور الأكبر في صياغتي ثقافيا وإنسانيا وإبداعيًا.

مشروع

ــ لماذا وصفتها بورشة الأمل؟

= لأنني أرى في المحرق مشروعًا لا يكتمل إلا إذا اتصل بحيوية الأمل الإنساني.

شعور

ــ ماهو الشعور المتفرّد الذي ينتابك تجاهها خصيصًا؟

= من أن وعيت في هذه المدينة، شعرت بأنها قائمة على مايشبه التنور الجحيمي المتواصل الالتهاب والتحوّل.

استعمار

ــ هل من مثال يشير إلى هذا الالتهاب والتحوّل؟

= لقد تباهى جيلنا بمدينته، وقارنها بمدينة بورسعيد، لكونهما اشتركا في مقاومة استعمار واحد، هو الاستعمار البريطاني، وتولّعا بقائد واحد هو جمال عبدالناصر، وخالجهما نفس الحُلم: الحرية.

كتاب البحر

ــ هذه المقاومة للمستعمر، تشير إلى ثقافة الشعب، رغم أنه شعب في غالبه فقير في تلك الآونة كما غالبية شعوب المنطقة قبل الطفرة النفطية. كيف تصف الفقراء آنذاك؟

= كان الفقراء يحسنون قراءة كتاب البحر، ودفاتر العذاب.

لقد كان الجميع يعمل في ذلك المرجل المنصوب في مواجهة الماء الأزرق العظيم، دون أن يقوى أحد على إطفائه.

هجاء

ــ تخصص كتابًا كاملًا عن سيرة المحرق لفرط ما تعشقها ولعمق أثرها في تكوينك الروحي، لكنك تقول بشيء من الغرابة : “لا أزال أحمل للمحرق تلك الرغبة الحميمة للهجاء” ! لماذا الهجاء؟!

ــ لفرط شعوري بأن المديح لم يعد يليق بالمدن التي نبتعد عنها، دون أن نقوى على نسيانها.

ذاكرة و مخيّلة

ــ كيف تراها الآن؟

= هي الآن في احتمالين: ذاكرة التاريخ أو مخيّلة المستقبل.

البحر

ــ يقول إبراهيم الكوني: “البحر صدأ أزرق” لفرط تعلقه بالصحراء، فيما قلتَ أنت ذات نص: “طوبى لمن يرى البحر من بيته”، هذا التعلق الروحي بالبحر يحيلنا إلى مقدار رؤيتك الجمالية له. هل هناك ماهو أجمل من البحر بالنسبة إليك؟

= ليس أجمل من البحر إلا الذهاب إليه.

المسرح

ــ تشير إلى أنّك تعرفت على الشاعر طرفة بن العبد من خلال المسرح المدرسي، الذي قادك للقراءة في الشعر الجاهلي. ما الذي اكتشفته في العلاقة بين الشعر والمسرح آنذاك؟

= اكتشفت أن ثمة ما يسمونه المسرح، يمكن أن يكون رديفًا غنيًّا للتعبير الشعري، قبل أن أعرف أن المسرح في أصله اليوناني هو نص شعري أيضًا.

سديم تاريخي

ــ تشير أيضًا إلى انشدادك إلى قصة طرفة بن العبد، وهذا الانشداد مس لديك ميلًا غامضًا نحو عوالم تلك القصة، نبذ القبيلة، حمى العشيرة، ظلم ذوي القربى، كما لو أنك تتصل بحلم غامض؟

= اتصل ذلك الحلم مع طرفة بن العبد، من خلال تاريخ موغل في القدم يجري استعادته وتقمّص دلالاته لاحقًا.

بدأت بالشعور مبكرًا أن لحياتي الراهنة علاقة ما بحياة طرفة بن العبد لمجرد أنه عاش في نفس السديم التاريخي لهذه المنطقة.

انشداد

ــ هل كان هذا الانشداد ميلا نحو الاستحواذ على هذا الرمز التاريخي بوهم جغرافية التاريخ؟

= لم يكن كذلك .

عاش طرفة في هذا الفضاء ومات باكرًا، جئت باحتدامي الشعري وفتنة الخيال، متصورًا أنني أكمل تلك الحياة.

اختراق

ــ مالشعور الذي يؤججه هذا الاحتدام؟

= شعور يصدر عن الهجس الشعري والتشظي بين مفهوم رمزي للزمن، واختراق رؤيوي للمكان التاريخي المتحرر من شهوة الجغرافيا المعاصرة.

مدرّس وأستاذ

ــ تشير إلى تجربتك مع مدرِّسك الأردني في المرحلة الدراسية، وتأثيره في لاوعيك الشعري نحو الانحياز نحو الشعر الحديث. ثم تنعته بالأستاذ، في مقارنة بين الأستاذ والمدرس؟

=الفرق بين المدرّس والأستاذ، أن المدرس يكون مخلصًا دائمًا للماضي، المنهج المقرر، في حين أن الأستاذ سيكون مخلصًا للمستقبل، ابتكار المخيلة.

نساء

ــ تتحدث عن الاتصال الحميم بين الناس والبحر، اتصال يشفّ عن تفاهم بينهما، وتضيف: يتصرف الناس مع البحر بوصفه كائنًا عاقلًا يحسن التفاهم معهم، ويدرك مشاعرهم. هل من ذاكرة محددة في هذا الموضوع؟

= المشهد الذي تخرج فيه النساء أيام الغوص، بعد أن يطول غياب الرجال لشهور، ويتفجر شوق النساء لأزواجهن، الذين بالغوا في رحلة الغوص عن اللؤلؤ، تخرج النساء متوجهات إلى البحر معبّرات عن انتظارهن الطويل، يطلبن من البحر أن يأتي برجالهن في أغنيات جارحة الحزن.

عقاب

ــ ماذا لو طال الغياب أكثر، هل تتخذ النسوة موقفًا من البحر؟

= يتحول الشعور إلى نوع من الغضب، يدفع النساء إلى معاقبة البحر لإمعانه في تغييب الرجال وعدم إصغائه لتضرعهن له. فيحملن في أيديهن سعف النخيل المشتعل متجهات إلى الساحل، ليغمسوها في ماء البحر، كناية عن كي البحر. ولعلهن يعبّرن عن حقهن في الانفعال والغضب على صديق حميم مثل البحر.

صندوق

ــ تشير بحميمية فائضة إلى صندوق الجدة، الصندوق المصنوع من خشب الساج الهندي، الذي ألِفته منطقة الخليج كمستودع أسرار في بيوت الجدات، ما سر هذا الالتفات الحميمي تجاه الصندوق؟

= ثمة صندوق مُبيَّت في كلّ بيت، وفي جميع هذه الصناديق من القصص و الأسرار ما تضيق به الكتب، و ما تشيب له الولدان .

القطيف

ــ مابين قاسم حداد و بعض عوائل القطيف يشبه تمامًا ما بين البحرين والقطيف، أواصر نسب وامتداد تاريخي وإقليم جغرافي، لا بد من ومضة سريعة لك في الذاكرة القطيفية؟

= أوائل الستينات، كنت أقضي ردحًا من عطلة الصيف عند ابنة عمي في القطيف. كنت مولعًا بالاستحمام في الحمامات العامة والعيون الطبيعية، التي تزخر بها حقول القطيف والعوامية وصفوى والقديح وغيرها. كان يحلو لنا الذهاب إلى ذلك الماء الدافئ في الهزيع الأخير من الليل.

الأحساء

ــ ماذا عن الأحساء ورحلتك التي تشبه الحكاية الأسطورية إلى عين نجم آنذاك التي سردتها في هذه السيرة -ورشة الأمل-؟

= سأقول للأحساء: شكرًا لأنها لا تزال قادرة على دفع الروح في ذاكرتي، لكي أسرد شيئًا يتقاطع مع الخيال متجاوزًا الواقع.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com