[مناجم الطين 6] في الطريق إلى فرضة القطيف شامبو للعناية بشعر الجميلات

سالم الأصيل

 

تُحمل أكياس الطين إلى فُرضة القطيف (الميناء) على ظهر الحمير أو الگاري (العربة المتصلة بالحمار لاحقًا)، فيُصدّر من هناك إلى البصرة أو إلى سواها، ثم على ظهر الگلابيات (سيارات الشفر – شيفروليه) إلى فُرضة الخُبَر.

بين أيديهنّ وعلى رؤوسهنّ

أطياف أربع نساء في عينٍ من عيون البلدة، في القسم النسائي منها، اصطففن منتظراتٍ انتهاء خامستهنّ التي تنعم منفردة هانئة بغسل ودعْك شعرها الطويل المسترسل الذي سيُمسي “لبيبًا”(11) بانسياب حريريّ ورائحة طيّبة من أثر تحفة خضراء، استخلصها مَشَقَّةً مجموعةٌ من الكادحين من جوف الأرض، بين حفرٍ وقصّ وجرّ من منطقة معتمة خبيئة باطنة، إلى الأثر الظاهر من الأجسام والرؤوس نظافةً ونعومةً وهناءً.

واصلت الخامسة دعك شعرها بقطعة من الطين الخويلدي النفيس رغم ثمنه البخس، فالنفيس بفعله وأثره، أو ندرته في الزمان (اللحظة) أو المكان، بينما طفقت الأربع تتهامسن عمّا إذا كانت ستبقي لهنّ شيئًا من فاضل الطينة.

ستخرج مُعَطَّرَة برائحة الطين، تُسابقُ الريحَ التي تساعدُها على نشر أريجها الأنثوي المُضمّخ بعبق طين الخلق الأول.

“حُط لي ابْقَرْش!” أو قرْشَين، أو ربع ريال، أو نصف ريال. بهذا الطلب المتفاوت تفاوت الحاجة ستخرج النسوة لشرائه من بائع الطين الجوّال على عربته المربوطة بالحمار (الگاري)، يطلبنه بكميّات كافية تلزمهنّ وما يتوافر لهنّ من مال.

أما ذلك النّجّاف الزگرتي(12) فقد استخلص لنفسه أثناء عمله جزءًا من الكَاغَدَة، دون أن يتكلف ثمن شرائها، فـ “مَنْ يطبخ السّمن أولى بتذوّقه”، سيأخذها إلى بيته، وبعد أن تجف، سيغسل بها شعره وثيابه ليخلِّفها كقطعة حرير.

وتبعاً للتطور الاجتماعي والاقتصادي، زاد ثمن الطين الخويلدي بمرور الأيام، كما يزيد ثمن كلّ شيء تقريبًا، ولزهد العاملين على استخراجه، كسبب رئيس محتمل، لكنه ما زال يباع في الأسواق الشعبية حتى اليوم، بثمن لا يتجاوز الكيلوغرام الواحد ستة ريالات.

 هكذا كانت سيرة الأرض، وهي تجيب سائليها عن أسرارها، الطارقين أبوابها، سائلين خيراتها. تمدهم برائحتها الزكية وعصارتها الذكية، رائحتها وروحها.

قديمك نديمك!

إنّها سنّة الحياة التي لا يُنكرها أحد، انصرف الناس، كما هي طبيعة وسيرة كلّ شيء، إلى ابتكارات مستحدثة خلا الطين.

 لكنّ دورة الحياة، حياة كلّ شيء تتخذ صفة الدوران، ومن يدري؟! ربما عاد الناس أدراجهم، وعادوا لاستعمال الطين. لا، بل عادوا، وها هُم اليوم يشترون المنتجات التي تجود بها الأرض، كلّ الأرض، ماؤها وطينها وترابها، بأبهظ الأثمان. وكأنّهم يؤكدون تلك الحقيقة المنسية، إنّ الأرض، كانت – وما زالت – أمًّا جَوَادَة. أصلُ كلّ شيء. أوله ومنتهاه.

ولعل في استخدامه في جبر ولأم الحروق، إيقاف نزف جسد الميت وجبر حرقه كمادّة عازلة  للتخلّص من الروائح المقيتة خير إثبات. ليس لأم الجروح خاصية يتفرد بها الطين، لكن كأنّ ما يذوبُ من الطين يجبره الطين.

وكأنّ سيرة الناس والأشياء في التاريخ الأوبة، تعود الأشياء والأشخاص إلى أصلها، إما بدافع الحاجة، أو الحنين، أو الافتقار إلى الأصل الأصيل. إما باضمحلال الجديد، أو انكشاف رداءته.

يعودون، مختارين كانوا أو مرغمين.

_______

([1] ) لبيب: على غير المعنى الفصيح، هي لفظة تُستخدمُ في المحكيّة بمعنى: الناعم. ويعبّرُ بها عن نعومة الشَّعر أو البشرة أو الأقمشة سواء.

([1] ) الزگرتي: الشخص الحريص على نظافته وحُسن هندامه.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com