نصف قرن من التموجات..!

زكي سيد حسين العوامي

ولدت في خمسينيات القرن الماضي، في ذروة صراعات، مازالت الأحوال بائسة في مربعها الأول؛ المنطقة مُوقدة تطبخ بالمتغيرات والأفكار والتوجهات.

استمع برفقة أبي للمذياع واقرأ في مكتبته العامرة الزاخرة “تاريخ، تراث، ثقافة معاصرة”؛ لأُظهِر الحكمة ساحرًا أصدقائي بعناوين أكبر من أعمارهم وخيالهم، أحيانًا أُحَاضِر في السياسة مائلًا صوب الصراعات الدولية والإقليمية.

نهاية ستينيات القرن الفائت كنا في بداية الدراسة المتوسطة؛ نذاكر سويًا في فترة الاختبارات، أُقلِب جلسات الاستذكار لطرح حرب الاستنزاف بعد هزيمة عام “١٩٦٧م”، أخطب فيهم: “العرب سيثأرون والتخطيط قائم على قدم وساق لإنهاء إسرائيل”.

أنقل تطورات الجبهة المصرية وتوقف العبور في قناة السويس، المساكين يستصعبون ما أقول؛ لكنهم “يَصْطَاخُون” بدهشة واستغراب وتركيز واهتمام. “أحدهم يعمل حاليًا أكاديميًا في إحدى الجامعات الأمريكية وخبيرًا دوليًا في التعليم، يعيد تلك الذكريات بانشراح وانبساط قائلًا: أنت في عالم الكبار، تتحدث بثقة وروح الزعامة للصغار، كنت تسحرنا بحديث لا ندركه ولا نعرفه”!

أصبحت مرجعًا ثقافيًا يُطرق بابي، عندما يصلهم خبر أو يختلفون في أمر طارئ سمعوه يتفقون: “امشوا لفلان هوه يعرف”، استغللت الحالة، أصابتني سهام الزعامة وبعضٌ من جنون العظمة؛ أصبحت صاحب “كاريزما” ومرجعًا ثقافيًا لمحيطي الصبياني.

أحيانًا أَظهَر بثوب الفيلسوف المتنبئ العارف وأحيانًا بلباس القومي العروبي المتعصب وتارةً لابسًا بزهو قبعة الأممية ثائرًا متأثرًا بـ”تشي جيفارا”، وبين هذا وذاك أمارس التحليل السياسي والاجتماعي، في منتصف السبعينيات تحولت لمثقف تنويري أُحْادِث رفاقي بصوت “علي شريعتي”.

في عموم تلك الرحلة والمرحلة؛ ابتعثت لدراسة الهندسة في أمريكا، بعد قطعي لشوط كبير بتفوق، حدث انقلاب ميداني ومعنوي في المنطقة، لأن شخصيتي تميل للنَزَعَات والزعامة وروح المغامرة، يرافقهم التأثر السابق بالمفكر “شريعتي”، صرت متدينًا بعصبية ولمسة “راديكالية” تكره “الإمبريالية” التي أعيش برعايتها وأتعلم في كنفها.

كنت في صراع؛ جانبي الروحي المعنوي أخذ يطلب مني الذهاب صوب مهجر العلم للدراسة الحوزوية التقليدية وقطع تحصيلي الأكاديمي النظامي، لكن الصورة التي رسمها والدي لابنه البكر؛ مهندسًا عاملًا في مجال النفط تؤرقني، فاتخذت جانبي الواقعي العملي قرارًا وسطيًا بإتمام الدراسة “ثم لكل حادث حديث”.

أثناء ولعي بحركات اليسار، كتبت مُنَظِّرًا للقومية والقضية الفلسطينية، اكتشفت لاحقًا أثناء تتبعي أنها مشاريع ذات منطلقات مثالية، لكنها تحولت لابتزاز وتجارة؛ مزقت ما كتبت دون حسرة وأسف.

لأن التمرد مكون طبيعي في شخصية الإنسان؛ يبدأ مندفعًا متطرفًا في أغلب الأمور مع حالة تتماهى مع اليقين بامتلاك الحقيقة، كبرت وتراكمت تجاربي فحصل الميل الطبيعي المختلف اتجاهًا صوب التحفظ والمحافظة.

بدأت أزهد السياسة لدرجة عدم الاهتمام بالأخبار اليومية التي تابعت كل شاردة وواردة تعنيها فيما مضى من عمري؛ قَلَّت ثقتي في قدرات الكثير ممن أبهروني بمواقفهم ومنطلقاتهم وأفكارهم، ارتفع منسوب الشك وعدم التصديق وقلة التفاعل مع أغلب القضايا والمستجدات.

الآن.. أعيش عالمي وملكوتي الخاص، قارئًا نهمًا للفكر والفلسفة والروايات العربية والعالمية، هنا لا زهد ولا إقلال، هنا روح وانطلاق ومشاعر؛ توقفي ينهي أحد أهم مقومات وحوافز الرغبة في الحياة.

 

* النص افتراضي؛ يختزل عدة شخصيات.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com