[مناجم الطين 2] ثمرة صيف تأتي من تحت الأرض في كل خط "نجّاف".. وجحيم مصغّرة

سالم الأصيل

 

في كلّ خطّ من المسارات الثلاثة أو الأربعة التي حُفرت أفقيًّا نجّاف واحد، نشرع في “قصّ الطين”، وهذا هو عمل النّجّاف حصرًا، مركّزين جهودنا على اتجاه دون آخر بحسب غناه، غناه بالطين وتوافره عليه، فرُبما كان الخط الشمالي من القليب أغنى من الجنوبي، وربما كان غربيّه أغنى من شرقيّه، وهكذا.

حضن دافئ

تجمع الأشياء أضدادها أحيانًا، كما تزدوج أدوارها وتتعدد بحسب موقعك منها، ففي الوقت الذي تكون فيه شمس الصيف الحضن الآمن لاستقبال الطين وهو يرى النور خارجًا من رَحِم الأرض؛ موسمًا مثاليًا لولادته واستخراجه من باطن الأرض، كما لو كان ثمرة وهذا موسم قطافه، كما تُقطف معظم الثمار في الموسم الحار، في هذا الدور الدافئ الذي يؤديه؛ هو عند العاملين فيه تحت لهيب شمسه الحارقة ورطوبته المرهقة،  جحيمٌ مصغّرة في هذه الدنيا العاجلة، رغم ذلك اللطف النسبي للطقس في الأرياف قبل تسابق عوادم السيارات وحرارة المحركات وأدخنة المصانع على استفزاز طاقة الصيف لتبلغ أقصاها كما هي عليه اليوم، وكأنّ الصيف منذ الأزل رفيق التعب والنصب والأعمال الشاقّة.

“أما في الشتاء فلا نخرج لطلبه؛ خشية من الأمطار التي تذوّبه”. فتضيع فيه الجهود وتُهدر ثروة الأرض، ومال تاجر الطين الذي استأجر الأيدي العاملة لاستخراجه.

عدّة وعتاد

يصبح العمّال رفقة النَّجّاف أو مجموعة من النجّافين، وقد حملوا معهم أدوات الحفر والقصّ.

يحمل كلّ نجّاف (القَدّوم)( 4) الخاصة به. والعمّال يحملون العِمد(5 ) والصّخّين( 6) التي تستخدم لحفر القليب. المرحلة(7 ) لحمل الطين من قلب القليب، والحبل المصنوع من ليف النخيل، أو الگُمْبَار (الحبل البيضاء) لاحقًا، ويُستخدم الحبل من أجل السَّيْبَان( 8)، وجذع النخلة الذي يسمى بالعاميّة (لستعراضة)، وسبب تسمية هذه الاستعراضة يعود إلى كون هذا الجذع يوضع عَرْضِيًّا عند رأس القليب بامتداد طرفي قطره الدائري، يحتاج هذا الجذع غالبًا العمّال كفيفي البصر الذين يعملون في (السَّيْب)؛ لأنّها المهمة التي لا تحتاج نعمة البصر من بين المهام.

أذنه، وإحساسه بالثقل، وذراعان قويتان، هو ما يحتاجه هذا الكفيف حتى يسحب – بالاستناد إلى الجذع- الحبل المربوطة إليه المرحلة بعد أن تُملأ بالطين من جوف القليب.

واحدٌ ينجّف (يقصّ الطين)، وثانٍ يَتْرس( 9) المرحلة، وثالث يقرّبها ويصِلُها بالحبل، ورابع يسحبها.

زيتٌ سائغٌ شرابُه!

أما الماء الذي نحتاجه للشرب أثناء العمل، فمن العين الواقعة على الساحل البرّي من القرية، وهي أشهر عيونها على الإطلاق، بوفرة مائها، وقوة جريانها وامتداد مساقيها. نملأ قُرَبَنَا منها ونحن ماشين متجهين إلى المطينة، نملأ أوعيتنا منها، إنّها عين الخسيفانية، ذائعة الصيت.

 ثم لاحقًا، بعد مدة من الزمن، صرنا نستقي من مقهى “قهوة” قريبة تقع في محطة البدراني على طريقه؛ وتحمل اسمه. 

نملأ علب زيت السيارات بعد غسلها، حاملين الماء إلى موقع عملنا، نتوضأ به للصلاة، ونشرب ما نسدّ به يُطفئ بعض ظمأ الصيف اللاهب، لكنّ الماء حارّ، فلا ثلج ولا حافظات حرارية للماء. ربما كان ثمة فرصة لحمل وعاء فخاريّ من الأوعية التي تُحفظ فيها مياه الشرب.

 أما الطعام الذي تأبّطناه صباحاً، فلو هبّت الريح، لاختلط ترابها بلحمه وعظمه، فنأكله مَشُوبًا بالرمل، و “ما فيه يمّه ارحميني”، علمًا أنّ تلك المنطقة كانت منطقة كثبان رملية “طعوس”.

امْغَرْبَات؟ 

امْغَرْبَات؟ بهذه الكلمة يسأل الصاحب صاحبه، إما مُستفهمًا، أو محفّزًا لعمل يوم جديد. كلمة تشير إلى الاتجاه نحو الغرب، غرب البلدة، حيث مناجم الطين!

_______

([1]) القَدّوم: آلة يدوية للنحت والنجر والقطع، طولها ذراع واحد تقريباً.

([1]) العِمد: جمع عمود، ويستخدم لضرب الأرض في سبيل حفرها.

([1]) الصّخّين: أداة معروفة تستخدم في الحفر.

([1]) المرحلة: وعاء مصنوعة من الخوص.

([1]) السَّيْبَان: جرّ الحبل المتصل بالمرحلة إلى أعلى، خارج القليب.

([1] ) يترس: يملأ المرحلة.

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com