[مناجم الطين 1] من قلب الجارودية إلى فضاء “البدراني” "نجّافون" يتتبعون "أولاداً" بحثاً عن "آباء" كبار تحت الأرض

سالم الأصيل

ليست كلّ حفرة قبرًا. انطلاقًا من هذه الفرضية التي ستخضع للاختبار والإثبات، سيَهُمُّ مجموعة من رجال القرية مُصبحين، لحفر بقعة دائرية عميقة تشترك والقبر في حرفها الأول، لكنها تفترق وإيّاه في أشياء كثيرة.

الأولى تُحفر بطلبٍ من الموت؛ لغرض الدفن والمواراة، بينما الثانية تُحفر بطلبٍ من الحياة، بغرض التنقيب واستخراج كائن يهبُّ روحًا ورائحة، دون أن يكون كائنًا حيًّا في نفسه.

إنّها: القليب، أو الجَفر، أو البئر، على اختلاف أسمائه.

“لا تَطْلُعُ الشّمسُ، إلا وقد وصلنا القليب”([1])، وباللغة المَحكيّة يُنطق (الگَلِيبْ). نقصدها مُشاةً من “صباح الله”، من قلب قرية الجارودية الصغيرة آنذاك، إلى برّ البدراني، وإلى هذا البَرّ يُنسب المستشفى المعروف الذي سيُبنى لاحقًا فوق ترابه وطينه.  

البرّ الذي يبدأ من حيث ينتهي النخيل على الحدود الغربية للقرية، قاصدين (المَطْيَنَة)([2])، حيث مناجم الطين، أهمّ موقع حيويّ يُستخرج منه أجود الطين الخويلدي، وهو ما يقع مكانه اليوم: مستشفى القطيف المركزيّ وما حوله من مواقف سيارات ومستودعات، وصولاً لإسكان الجش. “فلا نعودُ إلا مع غروبها”.

هكذا شرع النَّجَّاف([3]) الحاج مكي بن رضي آل وهيب باب ذكرياته، مُنقّبًا في صندوق مُدّخراته عن عملٍ زاوله جزئيًا قبل ما يزيد عن الخمسين عامًا. زاوله مدة تقرب من عشر سنوات، مُنقّبًا عن الطين الخويلدي ومستخرجًا إيّاه من باطن الأرض.

يسرد مجريات الأحداث، كما لو كان يراها فيصفها، أو مستعرضًا شريط الذكريات، كما لو كانت محفوظة في حرز حريز، فشقاءٌ كهذا، ترك أثره في الروح والجسد معًا، لا يمكن أن يزول من الذاكرة المتصلة بهما بحبل سرّيّ تتغذى منهما.

يُشرعُ في حفر دائرة قطرها يقترب من مترين، فيستغرق حفرها يومين أو ثلاثة، بعمق مترين وثلاثة أرباع المتر. هذا العمق يكفي لأن يظفروا بِبُغيتهم (طين أخضر اللون)؛ وهو لون الطين الخويلدي، تزداد درجة جودته بازدياد لون اخضراره. فيُستخرج من هذا العمق، بقِطَعٍ منه يتراوح سُمك القطعة الواحدة منه بين 75 سم إلى 85 سم. ليبلغ بهذا عمق القليب إلى ما يزيد عن الثلاثة أمتار بـ 25 سنتيمترًا تقريباً.

بعدها يبدؤون بحفر خطوط أفقيّة ثلاثة، أو أربعة، نحو الجهات الأربع داخل المطينة، الخطوط الفرعية بارتفاع سُمك الطينة المقطوعة التي تتراوح بين 75 إلى 85 سنتيمترًا، يُقصّ الطين من كلّ اتجاه وصولاً لعمق فرعيّ يصل إلى 10 أمتار أفقيًّا، يلجُ إليها النّجّاف أفقيًا زاحفًا وليس ماشيًا واقفًا، فـ 75 سنتمترًا لا تكفي للوقوف!

النّجّاف آل وهيب يعبّر بلهجته ومصطلحاته المحكيّة الأقرب للقلب والروح. فيقول: تلتقي هذه الخطوط الفرعية التي نسميها “الأولاد” عند الخط الرئيس الذي نسميه “الأبو”. وكأنّ العمل، بل كلّ شيء، على صورة عائلة في تصورات هؤلاء الناس الذين تربطهم والأرض صلة نسبٍ ورَحِم، لا سببًا ومصلحة فحسب.

———-

([1] ) القَليب: هو البئر، يطلق على بئر الماء وسواه، كلّ ما يُحفر لاستخراج شيء من باطن الأرض، ويطلقه أهل القرية على بئر الطين الذي يحفر لاستخراج الطين.

([2] ) المَطْيَنَة: هي الأقلبة، ومفردها قليب الذي يستخرج منه الطين.

([3] ) النجّاف: العامل الذي يقصّ الطين من قلب القليب.

(مصدر الصور: يوسف المرهون)

يُتبع غداً

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com