مجاز الماجد “يزوّر” سيرة شفيق العبّادي: أنا ومحسن وحبيب نعرف أسماء حبيباتك…! شهادات الشعراء تستعيد ذاكرة ثلاثة عقود من عمر التجربة

القطيف: صُبرة

لم يكن تقديمَ أمسيةٍ ذلك الذي حدث على منصّة منتدى الثلاثاء مساء البارحة. كان جردةً من النوع الذي يدقّقُ في موجوداتِ القلبِ من سجلات الشعر. هكذا أراد الشاعر محمد الماجد وهو يُدير أمسية صديقه الشاعر شفيق العبّادي. ومنذ مطلع الأمسية التي جاءت بعد فقرات أخرى للمنتدى؛ وضع الماجد سيرة العبادي على منضدة حسابات المودّة القديمة.

إنها ثلاثة عقود من الشعر، وثلاثة عقود من الصداقة، والبحثُ في موجودات كلّ هذا الزمن لا يُعوِز شاعراً قادراً على استنطاق النص، خاصةً حين يستعين بذاكرةٍ مليئة برفوف المسامرات والمناقشات التي شارك فيها الصديقان/ الشاعران في “منتدى الغدير”.. أواخر الثمانينيات.. وبدايات التسعينيات..!

المجموعة لم تصل

الخبر السيئ في الأمسية؛ هو الذي أعلنه الشاعر بنفسه، فقد كان يُفترض بالأمسية التي تكون مناسبة لتوقيع مجموعة الشاعر الأولى “شيء يُشبه الرقص”. لكنّ مشاكل الشحن والنقل حالت دون وصول النسخ.

أما الخبر الجيد؛ فهو الوقت الذي تقاطر شعراً؛ الأمسية برمّتها خبرٌ ممتاز. وشعر شفيق العبّادي الآتي من تجريبٍ ثلاثيّ الحس، هو مكوّنات ذلك الخبر الذي حام حول “مَن/ الشاعر”، و “متى/ زمن القصائد”، و “أين/ أرض الكتابة”، و “ماذا/اللغات” الثلاث التي جرّبها العبادي منذ شبابه: القصيدة العمودية، مروراً بالتفعيلية، وصولاً إلى قصيدة النثر. وهكذا أراد العبّاد أن يُخبر جمهور منتدى الثلاثاء عن نفسه، عن شعره، عن حضوره.

أخبار قديمة

الخبر الجيد؛ لم يأتِ سريعاً. مقدّم الأمسية؛ كانت لديه أخباره أيضاً. إنها أخبارٌ قديمةٌ، قديمة جداً.. وحسب الشاعر العبادي فهي “مزوّرة”.. بل هي مُستدعاة من أرشيف ذاكرةٍ بعيد. لم يفسّر الماجد من أين جاء بما ذكره على المنصّة، عن تلك المسامرات التي نُوقش فيها شعرُ شفيقٌ، وفُسّر بعضها، وذهب التأويل بها إلى وجود حبيبات ملفوفات بأغلفة المجاز. لكنّه فجّر موجة ضحكٍ في الجمهور، حين قال إنه ومحسن الشبركة وحبيب محمود “كنا نعرف أسماء حبيبات شفيق العبادي الذي كان يسمع أغاني فيروز في السر”. وعلى ما في هذا التصريح من “تزوير” ودودٍ لأسرار ليست أسراراً أصلاً؛ بدا العبّادي في بعض الارتباك، وحمل كلام صديقه “على محمل المجاز”، نافياً ـ بهدوء ـ أن تكون هذه سيرته.. الذاتية.

ولأنّ الماجد بدا مُخبراً، أكثر منه مُقدّماً، فقد جاء بشهادات آخرين في حق شاعر المنصة.. جاء بجاسم الصحيح، ومحسن الشبركة، ومحمد الحرز، وحبيب محمود:

“شفيق.. الذي سجَّل يوميَّات الشغف

جاسم الصحيح 

 وقفتُ وطيفُ المجدِ في خاطري مرَّا  

  تُطالعُني ذكراكَ في روعةِ الذكرى

كان هذا البيت الشعري هو (المأذون) القديم الذي عَقَدَ قِرانَ ذائقتي على شعر الشاعر الكبير الأستاذ شفيق العبادي، فتَحَلَّبَ ريقُ الذائقة وما زالتْ تستطعمُ النكهة الأولى من قُبلة ذلك القِران كلَّما سالَتْ من قلمِ (الشفيق) قصيدةٌ جديدة. وليسَ مجازًا أن أقول إنَّ جميعَ قصائدِهِ أشهرٌ عسليَّةٌ بين شعره وذائقتي، تتجَّدد كلَّما قرأتُ لهُ نصًّا أو حضرتُ لهُ أمسية.

لن أضيِّق الدائرة عليه فأقول إنَّهُ ابن (الربيعية) فقط، أو ابنُ (تاروت) أيضا؛ هو ابنهُما معًا بمقدار ما هو ابنُ البحر وابنُ الماء، وابن الشاطئ، وابن الزرقة، وابن الريح، وابن الزوارق والمجاديف، وابنُ كلِّ المفردات البحرية التي نقلَها بامتياز من قلبِ الطبيعة إلى قلبِ قصيدته حتَّى امتلأتْ بها لغتُهُ وانفتحتْ انفتاحًا كونيًّا على كلِّ الجغرافيا والتاريخ والسياقات الإنسانية، ولم تبقَ رهينةً لسياقاته البيئيَّة.

إنَّهُ (شفيق) الذي دخل القلبَ من أوسعِ وأجمل وأصدق أبوابه ولم يخرجْ؛ افترشَ النبضَ وسجَّل يوميَّات الشغف. إنَّهُ (شفيق) الذي ملأ ذاكرتي ببُحَّتِهِ الشاعريَّة.. البُحَّة التي لم تهربْ بها الريحُ قَطُّ وأنا أفتحُ نوافذ الذاكرة منذ ثلاثين عاما. إِنَّهُ (شفيق) الذي أُحِبُّهُ حَدَّ الشعر.. حدَّ الإنسان.. حدَّ الله.

الفتى الأسمر

محسن الشبركة

شفيق .. الشاعر الإنسان، الأخ والصديق.. الفتى الأسمر،  عاشق تاروت أهلها وترابها.. المملوء بالشعر والمحبة والمعنى والخير والجمال..  رفيق الكلمة لأكثر من ثلاثة عقود، استطاع فيها على الدوام أن يطوع المفردات ويصوغ منها موسيقى.

شفيق ولد شاعرا، فمنذ البدء كان موهبة متفجرة وفطرة شعرية صافية ..

يميزه الاهتمام المتواصل بالاشتغال على لغته وفرادتها، على قلق كأن الريح تحته، يوجهها وتواجهه، قلق التجربة واللغة والمغايرة .. وصاحب تجريبه حس موسيقي رفيع، مع حفر وتنقيب في المعنى وعن المعنى.

بدأ تجربته بالعمود فكان فيما كتب رائدا ومتفردا، قصيدته العمودية أغناها دائما بالتحديث في المفردة والصورة والمعنى، حيث الصورة مركبة، واللفظ صاخب والمجاز عال..

حين احتك بتجربة الكتابة الحديثة في بداية التسعينات الميلادية، بدأ ينوع ويغني تجربته، فكتب قصيدة التفعيلة وكان أكثر إثراء وارتيادا لفضاءات حرة، الأمر الذي منح قصيدته وتجربته زخما إضافيا..

الذاهب إلى أقصى خَدَر الكلمات

محمد الحرز

شفيق العبادي الذاهب بالكلمات إلى أقصى خدرها ، المفتون بصوت أحلامها ، الممسك بأعنتها كي لا تتيه في الظلمة ، الواقف في المصب بين معنى وآخر حتى لا تنحرف المياه عن مجراها في القصيدة . وهو في كل لفتة منه لا ينظر إلى غبار ما خلف الكلمة بقدر ما ينظر إلى اللمعة المشعة من قناديلها ، هكذا هو شفيق عرفته شاعرا لا يفتح بابا على العالم إلا ليشار إلى ما في يديه من جمال بينما الشعر عرفه صديقا يوزع فواكه محبته على عابري الطرق ، حاملي اللغة على ظهورهم المتعبة .

ابن تاروت القريب من البحر ، الغاطس في زرقته حد القاع ، المأخوذ بنوارسه حين ترتفع بالموجة ولا تقع. السارد حكاياته حتى امتنع البحر عن المجيء إلى الذاكرة من فرط حضوره . وهو بهذا القرب ، لا بد لشجر حياته أن ينحني قليلا صوب البحر ، ولا بد لثمارها وأغصانها أن تصغي إلى كائناتها الصغيرة قبل أن تقع في شباك الصيادين . لذلك مناخات قصيدته لا تخلو من هذا الإصغاء . لكنه إصغاء لا يشبه صخب البحر ، بل إصغاء يشبه سكون الصحراء وهدوئها . وهنا تكمن المفارقة التي أحبها في قصيدة شفيق.  فالقصيدة التي تخلق شاعريتها من هذا التوتر ، هي إحدى أهم مميزات تجربة الصديق شفيق العبادي.

ليس علينا أن نغفر.. بل أن نُحب..!

حبيب محمود

شفيق العبادي؛ شاعرٌ انتظرنا مجموعته الأولى قبل أكثر من ثلاثة عقود.

وحين تعترض كلمة “لكن” في وصفِ ما حدث؛ فإنها تربطه بأسماء ثلةٍ أجرموا ـ ليس في حقّ تجاربهم فحسب، بل وـ في حق مرحلتهم المهمة أيضاً. إنهم شعراءُ القطيف في الثمانينيات، الجيل الشابُّ الذي نبتَ طبيعيّاً من إسفلتِ ذلك العقد الصلد.

نبتوا فسائلَ في الريف، أو نوارس صفّقوا بأجنحتهم عند حواف السّيف. ثمة سُمرة أرضٌ، وزرقةُ بحر، وكان على النخلة أن تمجّد حوارها والبحرَ، شعراً وأدباً وثقافةً على صلةٍ بما أنجره السلف الشاعرُ في هذه الواحات اليانعة..!

وقتها؛ بدا شفيق العبّادي شاهقاً في لغته وحسّه. ذلك التاروتيُّ الناحلُ؛ عَبَرَ منابرَ ومنصّاتٍ في ذلك العقد الرُّومانسيّ. وكان عليه أن يعبرَ الورقَ أيضاً. وكان عليه أن يعبرَ أخطاءَه الأولى، إلى مجازاتِ كان فيها من الأجدرين بالعبور والتخطّي.

تابعنا شعر “شفيق” في وريقاتٍ تبادلناها بخط يده، أو بخطوط أصدقاء له ولنا. أصغينا إليه في أشرطة “الكاسيت”، وبعض صفحات الجرائد السيّارة. أصغينا إليه في أمسياتٍ.

وفي كلّ منها كان نبض شعر شفيق حيّاً طريّاً نديّاً، مشهوداً. كان شفيق العبّادي نجماً بين شعراء ذلك الجيل. ولكنه اختار أن يؤجّل الأغلفة إلى ما بعد سنّ الخمسين.

أقول له “تبّاً لك يا صديقي”، وتبّاً لنا أيضاً، لأننا اشتركنا في جريمةٍ على هذا النحو. وما كان لك ـ ولا لنا ـ أن نصمت على حقٍّ لستَ وحدك صاحبَه، بل نحن أيضاً لنا حقّ أن نحمل أسفارك، السِّفر تلو السفر، إلى حيث تلتقي صفحاتك ووجوهنا، وعلى نحو أطول مما تتلاقى وجوهنا، وتتصافح أيديناً.

وفي حين لا يحقُّ لنا أن نغفرَ، فإن علينا أن نحبَّ، أن نحب شفيقاً حتى وهو يصلُ إلى رفوق مكتباتنا بعد كلّ هذا الركام من السنوات. علينا أن نحبك، لا لأنك منّا، بل لأنك شفيق العبادي.

 

 

من الأمسية:

  • حضر الشيخ حسن الصفّار الأمسية.
  • حضرها جمهور كبير من المهتمين.
  • شهدت تكريم الصحافي ميرزا الخويلدي.
  • ومعرضاً تشكيلياً لمنى النزهة.
  • وتكريم الطالبة حوراء آل خيري.
  • وعرض مشروع “بر الوالدين”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com