نزهةٌ في “مَخَطُّ القلادة”: الشعر الملحمي الحسيني ما زال قابلاً لتعدد القراءات قراءة أولى في ديوان الشاعر هادي رسول

علي مكي الشيخ

– على عتبة الطَّفّ.. لاتزال جالسةً تُمَسِّدُ عافية الشعر متسربةً من كوَّةِ العرشِ غيبًا، ومِنْ سَهَرِ الخلقِ وجودًا إلهيًّا، ومن بقايا دموع الأنبياءِ ركوةَ عطشٍ تظمؤها الأشياء…

– على عتبة كربلاء..

لا تزال على موعدٍ مع اللحظة الكربلائية في انفعالاتها عاطفةً وفي وعيها فهمًا معبًّا بالمطلقِ..

– على موعدٍ مع النبضِ واللحظة الثائرة.. مع الجسد / الجرح والدمعةِ الهادرة

– على موعدٍ مع البوحِ في ثيمة النَّصِ حين تَعْرى الحقائق في مضمونها الجسدي..

– على عتبةِ الجرح..

ينفتح كونٌ لصناعة الوجع..

” كربلاءُ هي وَحدها.. مَنْ يصنعُ تابوتَ جدرانها بضجيجِ صمتها.. وابتكار أنويتها المؤثثةِ بذاكرة الأنبياء “..

يقول الشاعر الحسيني جواد جميل:

لُغَةٌ واحدةْ..

كيف تُلغى المسافاتُ

بين التوهجِ..واللحظةِ الباردة

لم تزل بين جرح الحسين

وبين قصائدنا مُدُنٌ قانيةْ

ولكي نقرأ الجرحَ..

لا بُدَّ مِنْ لغةٍ ثانية

– إذن هي اللغة التي ننتظرها / تنتظرنا..

– على كثبان الحسين في طفّه وكربلائه وجرحه وبطولته ودمائه وخلوده، وجغرافيته، وإلهيته، ونبوَّته، وربانيتِهِ

وحدها اللغةُ هنا..

تتشيأُ فينا انعتاقًا مغامرًا، وتتمددُ انفعالاتُها عاطفةً مُحرِّضةً للضمائر العاشقةِ البيضاء.

– ووحده الشعْرُ..

منطلقًا في إبراز الهوية.. في زحمة المفترقات وتراكم الطرق، هوَّيةٌ مشخصةٌ للعناوين وبارزةٌ للحروف.. تهزُّ أغصانَ الذاكرةِ لتعيدها إلى بُعدها الجمالي المؤصَّل عبر جُرعةٍ خلّاقةٍ في طريق الإبداع.. موظفةً الأدوات التعبيرية بأسلوبٍ يفي ويُشبعُ الحاجة العصريةَ عند المتلقي..

يقول الشيخ علي الفرج وشاعر الماء:

” لا شكَّ أنَّ شرط الإبداع الشعري والإبداع الفني بشكلٍ عامٍ هو أنْ تُغامرَ وراءَ الحدودِ، وأنْ تعبث بالواقع لتخلقَ واقعًا فنيًّا جديدًا “

ويقول الأديب محمد الحرز في كتابه شعرية الكتابة والجسد إنطلاقًا مِنْ رؤية إلى الشعر تقول:

” إنَّ الشعر هو العمق الروحي والنفسي للإنسان في تحولاته التاريخية والثقافية والاجتماعية، وهي رؤيةٌ لا تقفز على النظرية الأدبية، ولا تتسيجُ بها، لكنَّها تجعل من الشعر المعادل الموضوعي للحياة، وهو أمرٌ صعب بصعوبة الحياة نفسها”

مِنْ هنا يُسَرِّبنا هادي رسول.. إلى مَخَطِّ قلادته.. وتجربته الحسينية الجديدة بشيءٍ من الاستفزاز الرؤيوي والتحفيز اللغوي متكئاً على ثيمة الغياب تارةً وعلى خَلْقِ عبثيةٍ ناجحة تارة أخرى مصطحبًا معه قارئه الخاص الذي يتزملُ بعدسة التأويل وَنَهَمِ المغامرة..

مَخَطُّ القلادة..

عَمَلٌ يتسع بامتداد الغيب ويتشجرُ في تعالقاتٍ نصوصيةٍ كثيرة ويتفردُ بطعمه المميز وقراءته الخاصة لواقعة الطف المعاصرة تجربةٌ تقرأ الحدث باحترافيةٍ فائقةٍ عبر أدواتٍ اتَّسمتْ بالجرأةِ وتحدي المألوفِ والتسطيح في تناول السرد التاريخي..

فلم تكن مجردَ رصيدٍ متلاحقٍ للأحداث ولا تسجيلاً لمناقب الرموز فيها.. بل تقمصت روح القضية الحسينية ونقشت أدوارها وأبعادها وجدلياتها وتجاوزت كلَّ ذلك بمحاورة بطلها الإمام الحسين (ع)..”

وسَنَعبرُ ردهاتِ هذا العمل الدرامي الممسرح لنقف على تجلياتِ مفاهيميةٍ تصويريةٍ.. مقتربين مِنَ القيم الفنيةِ ما أمكن.. فقد نجح رسول أنْ يخلق واقعًا فنيًّا مقاومًا للإدراك.. فالنص كما يقول الشاعر الأميركي والاس ستيفنس: ” ينبغي أن يُقاومَ الإدراكُ بنجاحٍ في معظم الأحيان “

كما استطاع في مساحاتٍ واسعةٍ من انتهاك الضمنية مع المتلقي يقول جوناتان كلر:

” لا بد أن ينتَهكَ العملُ الأدبيُ الصلة الضمنية بين المؤلِّفِ والقارئ “

مخطَات الانتهاك

يجفِّفُ هادي. مساحة التصالح التي درج عليها المنهج التقليدي للشعر الحسيني، فقد حاول أنْ يرفع مِنْ مستوى آلياته النصية والإبداعية ليرتقي بقارئه عبر خلق بيئة مستفزَّةٍ ومخالقةٍ لما دَرَجَ عليه مِنْ ممارسةٍ قبلية.. ونلحظ ذلك في أمور:

1 – قوله في اللوحة الأولى:

” على بعد جرحٍ من الملكوت:

” لكنَّه تَرَكَ أثرهِ على الوجدِ، وَرَحَل برفقةِ فتاةِ الخلود لجهة ضيَّعتها الجنة “

فالجنة.. في المرجعية التقليدية لا تُضَيِّعُ شيئًا بل هي مصدر الخلد الذي يهتدي إليه وتهدي مَنْ قصدها.. أما أن تتحول إلى صانعٍ للضياع هذا مما يصطدم به الذاكرة القبلية للمتلقي العادي.

2- السماء تجترح اليقين الأبدي:

وهنا أيضًا يقف القارئ السطحي لِيُشْكِلَ وربما يتعثر في انزلاق هذا المفهوم لوعيه.. كيف يمكن للسماءِ المقدسةِ في نظره أن تجترح اليقين.. وبين السماءِ واليقين عُلقةٌ تواشج وتصالح رباني إلهي ؟!

3- إنَّ الخيول ملائكة الموت:

كيف صارت ملائكة العرش خيولاً ؟ هل تحولت الملائكة لمخلوقات دونيةٍ كالخيول؟ هل ملائكة الموت لها أشكالٌ تشبه الخيل ؟!

كلُّ هذه التصورات تراها القراءة النمطية مغاليق لا يمكن التصالح معها واستيعاب تراكيبها والتقاط شيفراتها الدلاليه…

مِنْ هنا كان هادي مُصِرًا على لُغَتِهِ الإشارية وإن حاصرته أصواتُ الضجيج المتعثرةِ بانثيالاته الإبداعية، هذا على مستوى الرؤية والمفاهيمية.

محطات الفنون الجميلة

لأنه يمتلئ فَنًّا عابرًا للحدود ولأنَّ كربلاء استطاعت أن تُشكِّل مسرحًا واقعيًّا للحياة بكلِّ أبعادها…

يقول الدكتور أحمد أمين:

“ثورة الحسين مادةٌ خصبةٌ استطاع أدباءُ الشيعةِ أن يستغلوها في فنِّهم استغلالاً واسعًا، أمدَّ الأدبَ الشيعي بثروة ضخمة من القصائد” 

وكلامه فيه شيءٌ من المصداقية رغم تحجيم أثر الثورة الحسينية والتي امتدت على مساحة الشعر العالمي / الإسلامي وغير الإسلامي.. ما يهمنا هنا هو أنَّ رسول.. في مخطَّاته.. استلهم خَلْقه التكويني وبنى رمزيَّته المعرفية بهالةِ القدس والجمال الكربلائي فتناغمت تجربتُهُ مع هذا المنحى الإعجازي فطفحت على المستوى اللفظي جملةٌ من الفنون والممارسات الفنية بكلِّ أنواعها المعاصرة والقديمة..أقف على بعض أمثلتها:

1- النحت والحفر وأدواتهما:

يقول هادي:

– تصقل الخديعة بمصقلةِ الغدر..الأداة مصقلة.

– تشحذُ النصال بِمِسَنِّ النكث.. أداة النصال + المِسنّ.

– تنحتُ الدربَ على وجه الصحراء.

كان الطرماح يحفر في الريح درب الحقيقة.

– لم يزل يصقل وجه الله في مصقلة الفجر.

2- الرَّشُ بالألوان والرسم:

– كانت تطلي رسائلها الصفراء جهة يثرب باللون الأخضر.

– وترسم أصواتهم في الهزيعِ الأخير مِنَ الضوءِ ما يشبه النَّحل فوق خلايا السيوف.

– للموت لون الندى في غيمةِ الأزل..

3- الصوت والغناء وتجلياتهما:

1- الصدى يخترقُ زجاج الوقت.

2- أصواتُ المدينةِ تتشكلُ على هيأةِ رماح.

3- إنَّ الصهيل له موعدٌ…”

4- كان الطرماح يترك أصواته في الطريق كطفلٍ يراقب في الرمل خطو أبيه.

5- وكان يغني على ناقةِ العمر.

6- يغني على هودج الموتِ.

7- تكسَّر تحت يديه صهيل الخيول.

8- تلا ( اتبعوا المرسلين ).. يرتل آيةَ ( مّنْ ينتظر ).

9- وصوتًا كمديةِ بأسٍ تمزقُ صمتَ الزمان.

10- ويركض صوت الظليمة يفترعُ الحمحمة.

11- وزع فوق جراح يقين الصَّدى بلسمهْ.

12- رَتَّلَ الإنجيل.. يتلو سورة الكهف.

13- ونعيك يفترع الوقت فوق الصهيل ؟

14- يزيح الماء عن نافذةِ الغيم و أوتار الحياة.

15- تتلظى الشقشقيات على ثغر النَّهارات.

كل هذا الحضورُ المليء بالصوتِ والتغني بمعجم رمزية المأساة دليل على أنَّ الشاعر مسكونٌ بضجيج الصدى الهادر بشقشقةٍ كربلائية المقام.. يريد أن يكون

المسرحُ مسموعًا يطارد الصمت الخاذل الذي عانى منه سيد الشهداء لهذا لم ترد لفظة الصمت إلا في موضعين أو ثلاثةِ مواضعٍ ومغلفةٍ بالمحو..يقول:

1- يزيحُ الصمت عن وجه الحقيقة.

2- تمزق صمت الزمان.

لا وجود للصمت في ملحمة النص الكربلائي حيث الفعل الحركي يقول بعض الأدباء: ” إنَّ حركة الحسين(ع) حركةٌ في المطلق عن الزمان والمكان “

4- الأشغال اليدوية والحرفية

ولايزال الحديث عن حضور الفنون الجميلة التي وظَّفها هادي في مخطاتِهِ الفارعة..

فتحضر الأشغال اليدوية حيث لا تنْفَكُّ وحركة الإنسان أينما حلَّ أو ارتحل.

– وجوهٌ اتخذت سيوفها محاريث = المحاريث + السيوف

– تشحذ النصال بمسن النكث = النصال + المسن

– فخلف البكاءِ نساءٌ يطرزْنَ ثوبُ الحكايةِ = التطريز

– يوشمْنَ فجرًا بكفِّ السماء.

– ينمنْمنَ أحلامها المتعبة.

مخطات الدهشة:

– أنْ تقف على لفظةٍ محرضةٍ خرجتْ مِنْ ثغر معصومٍ قالها في لحظةِ مواجهة الظلام والغدر تلك هي الدهشة وأن تجدها عنوانًا لديوانٍ شعريٍّ ممسرح لا تملك حيالها سوى أن تبقى مندهشًا فاتحًا أسارير الفرح المعرفي والفني بشدة.

يقول الصحيح:

ظلَّ الطرماحُ يحدوها بأغنيةٍ

 ما خانها اللحنُ لما أخلصَ الوترُ

أمَّا هادي فيقول:

أضاعت خطاه الصلاةَ

أفاق الطرماحُ من غفوة الوقت

لم يُدركِ الفتح !!

– أن تتحول صورة الماءِ مِنْ لغة البياض التي كانت تشتاقها الظماء ويستافها الأطفال دلالةً على قسوة الجيش المقابل…الماء.. الذي كان صديقًا لقربةِ العباس كُلَّما خرج في حملةٍ من كرَّاته العلوية إلى أنه يصبحُ خائنًا.. دهشة تأويلية تحتاج لمستقبلٍ واعٍ

– يقول هادي:

” الفراتُ كفَّ أنْ يكون نهرًا..

فقط أصبح شاهدًا على خيانة الماء!!

بينما نجدُ الشاعر جاسم الصحيح يقول:

لو كان للماءِ أن يجلو عواطفه

 لجاءَ يسعى إلى أطفالك النَّهرُ!

وفي الختام..

مَخَطُّ القلادة..تجربةٌ صنعتها ثقافةُ شاعرٍ جاء بعد تراكمٍ هائلٍ وواعٍ أراد أن ينقش رسالةً للمشهد الشعري الحسيني هي أنَّ الشعر الملحمي الحسيني ما زال يبتكر ذاته قابلاً لتعدد القراءات التفسيرية والتأويلية..

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com