[كاتب وكتاب] الروائية المجرية كريستوف: واصلوا الكتابة حتى وإن لم تُثيروا اهتمام أحد

إعداد: هادي رسول

 

هذا حوار لم يتمّ فعلياً، مع أغوتا كريستوف؛ وهي روائية مجرية عايشت زمن الحرب، وتداعياتها، فكتبت عنها، وعاشت الهجرة، وخبرت قسوتها. كتبت رواياتها بلغة غير لغتها، فكانت تمارس الكتابة، وكأنها فعل مقاومة.

بعد الحوارين السابقين، نحاورها هذه المرة في سيرتها الذاتية، و نستكشف معاناتها عن قرب، و نتلمّس نضالها الثقافي و عصاميتها في تكوين ذاتها. في كتابها (سيرة كاتبة)

هَوَس

ــ بدأتِ فعل القراءة في سن مبكرة ، في الرابعة من عمرك تحديدًا، كيف بدأ هذا الهوس بالقراءة؟

= الأمر أشبه بالمرض، أقرأ كل ما تقع عليه يداي أو عيناي: جرائد، كتب مدرسية، ملصقات، قصاصات ورق مطروحة في الطريق، وصفات مطبخ، كتب أطفال، كل شيء مطبوع.

الجَد

ــ هل تذكرين موقفًا في ذلك العمر، يشير لتلك العلاقة المبكرة مع القراءة؟

=عندما نذهب لزيارة والدَي أمي، اللذين يسكنان مدينة قريبة، يأخذني جدي من يدي و نجول بيوت الجيران.

يُخرج جدّي جريدةً من جيب كنزته و يقول للجيران:

انظروا، أنصتوا. و يقول لي اقرئي.

و أقرأ بطلاقة، دون خطأ، و بالسرعة التي تُطلَب مني.

الجَدّة

ــ الميول نحو السرد ربما تظهر مبكّرًا أيضًا، هل لاحظتِ ذلك، أو لاحظها عليكِ أحد المقربين؟

=و أنا بعد صغيرة كنت أحب رواية القصص، قصص من نسج خيالي.

أحيانًا تزورنا جدتي من المدينة، و مساءً تحاول تنويمنا بحكايات سمعناها مرارًا. أقول لجدتي: أنا من سيروي الحكايات.

تضعني على حجرها و تهدهدني: إحكِ إذن، إحكِ.

أبدأ بجملة، أية جملة، و يتوالى السرد، و تظهر الشخصيات، أو تموت أو تختفي…، لا نهاية للسرد.

أتثائب في حجر جدتي:

و بعد .. و بعد ..

تضعني في مهدي و تنصرف.

و أنا بدوري أنام، و تستمر الحكاية في حلمي، جميلة و مرعبة.

مُعترَك

ــ ككاتبة، كيف يواجه الكاتب في بداياته معترك الكتابة؟

= ينبغي في البداية أن نكتب، ثم ينبغي الاستمرار في الكتابة. حتى حين لا يثير الأمر اهتمام أحد. حتى حين يتملّكنا الانطباع بأن كتاباتنا لن تثير قط اهتمام أحد. حتى حين تتراكم المسودات في الدرج و ننساها بينما نكتب أخرى.

تشويه ثقافي

ــ في أوروبا تتباين اللغات و ربما تتقاطع، بالنسبة لبلدك المجر الذي وقع تحت سطوة غرب القارة فترة من الزمن وتحت سطوة شرقها فترة لاحقة، ما تأثير هذه السطوة على الشعب؟

=عندما بلغت التاسعة، سكنّا مدينة على الحدود، حيث ربع السكان يتحدثون الألمانية، و بالنسبة لنا المجريين كانت تلك اللغة عدوًا، لأنها تذكرنا بالاحتلال النمساوي لبلدنا.

ثمّ احتُلّ بلدنا من طرف الروس، فُرضت اللغة الروسية، و مُنع تدريس اللغات الأخرى.

كنا نشهد عملية تشويه ثقافي على المستوى الوطني، و مقاومة سلمية طبيعية غير مركزة، حيث لم يكن للناس رغبة في تدريس و دراسة تلك اللغة.

فتور

ــ تبقى اللغة الروسية و آدابها من أبرز اللغات العالمية و حمل كتّابها منجزات عالمية، ألم يتم استثمارها كفرصة؟

= واجهها الناس بالفتور، كان يتم تعليم و تعلّم جغرافية الاتحاد السوفيتي و تاريخه و آدابه. و بسبب هذا الفتور تخرّج جيل من الجَهَلة.

لُغة مُركّبة

ــ لكنك حين كتبتِ رواياتكِ، ذهبتِ لكتابتها باللغة الفرنسية و ليس لغتك الأم؟

= في سن الواحد و العشرين، حين وصلت سويسرا، ألفيت نفسي في مدينة يتحدث سكانها بالفرنسية، واجهت لغة مجهولة تمامًا بالنسبة لي، وًهناك بدأ نضالي لقهر تلك اللغة المركبة، نضالًا محتدًّا و طويلًا، استمر طيلة حياتي.

اللغة العدو

ــ ألم تشعري أن اللغة الفرنسية عدو، كالألمانية و الروسية؟

= أتكلّم الفرنسية و أكتب بها، مع ذلك ما زلت لا أعرفها حق المعرفة. لا أستطيع التحدث بها دون أخطاء، و لا أستطيع الكتابة دون الاستعانة بالمعاجم.

لهذا هي أيضًا لغة عدو، و السبب الأخطر أنها تقتل لغتي الأم.

تحدّي

ــ ألهذا اعتبرت الكتابة بالفرنسية تحدّياً؟

= لم أختر الكتابة بالفرنسية، لقد فرضتها علي الصدفة، فرضها القدر، فرضتها الظروف.

مكرهة أنا على الكتابة بالفرنسية، إنها تحدّ، تخوضه امرأة أميّة.

لُغة حديث لا لغة كتابة

ــ لكن مازلتِ تتحدثين اللغة الهنغارية أو المجرية، رغم سنوات المهجر الطويلة؟

= مازلت أتحدث بالهنغارية لكني لا أكتب بها، و عندما بدأت كتابة روايتي الأولى “الدفتر الكبير” كان الأمر أشبه بمشاهد مسرحية أصِفها.

سيرة

ــ هل رواية الدفتر الكبير كانت بمثابة سيرة ذاتية لك؟

= في البداية أردت أن أكتب سيرة، ثم تدريجيا تغير الأمر، لم أكتب ماعشته أنا و أخي، و إنما ما شهدناه، و ما روي لنا، و ماكان يجري حولنا. ما كُتب يحل محل الحقيقة، لكنها على كل حال شخصيات من نسج الخيال، لا فائدة في البحث عن الحقيقي من الزائف.

ضرر

ــ ألم يؤثر الحكم الروسي على بلدان شرق أوروبا ثقافيا، أو على صعيد الفنون على الأقل؟

= ما لا نستطيع الإحاطة به هو مدى فداحة الضرر الذي ألحقه الحكم الديكتاتوري بالفلسفة و الفن و الأدب في شرق أوروبا، عندما فرض الاتحاد السوفييتي إيديولوجيته على تلك البلدان، لم يُعق تقدّمها الاقتصادي فحسب، و إنما سعى إلى قتل ثقافتها و هويّاتها الوطنية.

صحراء سويسرا

ــ ذهبتِ إلى سويسرا مع عائلتك و العديد من المَجَريين كلاجئة، كيف كان تأثير هذه البلاد الجميلة عليكم كلاجئين روحيًا و نفسياً؟

= سويسرا جميلة، لكن لم تكن تمثّل لنا نحن اللاجئين سوى صحراء، ينبغي علينا أن نقطعها حتى نستطيع بلوغ ذاك الموضع الذي يسمّونه “التكيّف”، آنذاك ما كنت أعلم بعد أنّ بعضنا لن يتمكن من ذلك.

انتحر أربعة من رفاقنا الذين هاجروا مثلنا من هنغاريا، حيث لم يستطيعوا تحمّل المنفى.

حياة

ــ هل نستطيع أن نعتبر الحرب أسوأ مرحلة حياتية مررتِ بها؟

= لم تكن حياتي تعيسة، كانت طفولتي مرحة كثيرًا رغم الحرب، و بعد ذلك أطفالي هم من تكفّلوا بجعلها سعيدة. أسوأ ماكان في حياتي هما زوجاي.

كُتُب النساء

ــ ربما بسبب تجاربك الزوجية الفاشلة لم تكتبي عن الحب؟

= قصص الحب لا تستحق أن يُكتَب عنها، إنها تافهة.

إن كتب الحب هي ما أسميه كتب النساء، إنها كتب بلا أهمية تُذكر .

حُلُم

ــ الكتابة و الحلم متلازمان، هكذا يرى الشعراء، لكن ماذا عنك كروائية؟

= أن تكتب يعني أن تنقاد لشيء شبيه بالحلم، كما أن الأحلام تعود إلى الظهور في الكتابة.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com