تحديات اللغة العربية بدأت مع أصوات مدافع المُستعمر نابليون الودغيري.. دعا 400 مليون شخص إلى استعمالها

 الرياض: صبرة

أوجز الحائز على جائزة الملك فيصل العالمية للغة العربية، بالمشاركة هذا العام، الأستاذ الدكتور عبدالعلي الودغيري، المخاطر والتحديات، التي واجهتها اللغة العربية في العصر الحديث في ثلاث موجات متلاحقة، وقال إن هذه التحديات، بدأت مع أصوات مدافع المستعمر الفرنسي نابليون، واستمرت تباعا، مرحلة بعد أخرى، إلى يومنا هذا، واصفا معركة اللغة العربية، بأنها معركة وجود حضاري وثقافي، وليست مجرد أداة تعبير أو تواصل، يمكن استبدالها.

وأرجع الودغيري في المحاضرة التي ألقاها يوم السبت الماضي، في دارة العرب، بعنوان: “اللغة العربية وتحدّيات الحاضر والمستقبل، وأدارها الأستاذ الدكتور محمد الهدلق، ضعف اللغة العربية، إلى تخلي أهلها عنها، بسبب ضعف الأمة العربية، وتراجعها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، داعيا إلى الثقة في إمكانات اللغة العربية، بأنها لغة علمية، يمكن أن تنمو وتتطور، بدليل وجود 3600 مصطلح علمي فرنسي، أصلها عربي. وقال الودغيري إن “الدين واللغة مرتبطان ببعضهما، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، والعربية هي لغة الأمة وليست لغة العرب وحدهم”، مؤكداً أن “الحضارات الغربية استقت علومها الحديثة من العربية بمختلف النظريات التي ارتقت بالحضارة الغربية”.

وقال الودغيري إن من مشاريعه العلمية الأساس التي شغلت حياته الثقافية واهتماماته الفكرية لمدة عقود هو “مشروع البحث في وضع اللغة العربية وما واجهته من تحديات في الماضي والحاضر والمستقبل القريب، بدءًا من وضعها في المغرب الأقصى والمغرب العربي، وانتهاءً بوضعها في العالم العربي وبقية بلدان العالم”. وتابع “اللغة العربية لها وجود في العالم كله، وخاصة في أفريقيا وآسيا، وأن الاهتمام بها وتحدياتها لم يكن منفصلاً عن البحث في قضايا أخرى مرتبطة بها؛ من قبيل الهوية والدين والسياسة والنهضة والتنمية والاقتصاد. والأمر مرتبط كذلك بتطوير الفصحى وتنميتها وتحديثها لمواكبة العصر وإثراء معجمها ومصطلحاتها، وكتابة تاريخ معجمها وألفاظها، وتبسيط قواعدها، وابتكار طرق حديثة لتعليمها لتسهيل استعمالها وانتشارها”.

ولخّص المحاضر التحديات في ثلاث موجات متلاحقة، واجهتها اللغة العربية؛ الأولى: هي التي برزت منذ بداية طريق النهضة العربية الحديثة، فبمجرد ما استيقظ العالم العربي على مدافع المستعمر نابليون وحملته على مصر والشام، وبدأ احتكاكه الفعلي والقوي بآلة الحضارة الغربية المتفوقة في كل جوانبها المادية والعلمية والتقنية والعسكرية، انكشف أمامه المستوى الذي انحدرت إليه لغته العربية في ذلك الوقت، مع بداية القرن التاسع عشر؛ متأثرة باللغات الدارجة واللغة التركية، وغيرها من العوامل التي أدت إلى جمود مفرداتها  وقصور في معجمها وجمود في أساليب تعبيرها، وتخلف في طرق تعليمها، مع تراجع الحركة الأدبية والفكرية وطغيان العاميات المنحرفة، التي تغلب عليها الدخيل الأعجمي من التركية واللغات الأخرى، فكان السؤال الكبير حينذاك: كيف يمكن مواجهة هذا الوضع في مجمله، وإعادة النهوض بالعربية التي أصبح أعداؤها يتحاملون عليها بقوة، وينعتونها بالقصور والتخلف ويتنبؤون لها بالموت العاجل، وكان الجواب عند النخبة الواعية المتنورة من رجال الفكر والعلم والوطنية، الذين قامت النهضة على أكتافهم: العمل على نشر التعليم على أوسع نطاق، وإطلاق منابر صحافية لتنشيط الحركة الأدبية والثقافية، وتأسيس المطابع لتحفيز عملية النشر، وإرسال البعثات العلمية للخارج، وبث الوعي العام بأهمية العلم والتعليم، وتجديد التأليف المعجمي، وإخراج قواميس حديثة عامة وخاصة بالترجمة ووضع المصطلحات المقابلة للأجنبية، ودعم الحركات الثقافية. وكل ذلك أدى إلى تكوين نخبة من الأدباء والكتّاب والصحافيين الأفذاذ، الذين سخَّروا جهودهم وأقلامهم للفصحى، وتجديد ألفاظها وأساليبها، وإطلاق حركة دائمة من التأليف المعجمي في كل الاتجاهات؛ حيث كان القرن التاسع عشر هو بداية التأليف المعجمي، لضخ روح جديدة في العربية. وقد اجتازت العربية تلك المرحلة الصعبة بنجاح، مقارنةً بين وضعها في القرن التاسع عشر واليوم”.

وقال الدكتور الودغيري: إن “الموجة الثانية من التحدّيات تتلخص في جملة من العقبات الجديدة التي وقفت في طريقها خلال مرحلة الاحتلال الأجنبي الاستيطاني، الذي سيطر على كل البلاد العربية والإسلامية؛ مما جعل العربية في وضعية صعبة، لا تُحسد عليها؛ إذ انضاف إلى جملة مشكلاتها السابقة نوع آخر من التحديات، وهو مواجهة لغات الأجنبي المحتل، التي فرضت عليها خوض معركة المقاومة والمدافعة، وإثبات الذات داخل بيئتها ومجتمعها، وبلغ المخطط الرهيب إلى حد إصدار قوانين تجرِّم استعمال الفصحى، وتحرمها في المدارس والصحافة من قبل المستعمر في بعض البلدان العربية، وهذا أخطر ما يمكن أن تصله إليه سموم هذه الخطة، مثل ممارساتهم في المنطقة المغاربية، وكان المخطط انتزاعها من كل البلدان الإسلامية. إلا أن المخلصين من هذه الأمة، تمكنوا من التصدي لهذه الخطة الاستعمارية، حيث بدأت المدارس الخاصة بتعليم اللغة العربية بأسلوب عصري، يتواكب والتطور الحضاري، واستدعى ذلك مساعي العربية استرجاع شيء من مكانتها في عدد من المناطق الإسلامية غير العربية التي أُخرجت منها، لا سيما في أفريقيا الغربية وجنوب الصحراء وآسيا وجزء من أوروبا، حيث كانت العربية تستعمل في كل المجالات العلمية والقضائية والتعليم والمراسلات وغير ذلك، والمدرك اليوم سيجد أن العربية استعادت الكثير من مكانتها في مختلف دول العالم، ويبشر ذلك بمستقبل واعد لهذه اللغة في تلك البلاد الشاسعة الأطراف.

وأما الموجة الثالثة من التحديات الصعبة ـ والحديث للودغيري ـ فقد ظهرت في “فترة ما بعد الاحتلال الاستيطاني من عدد من الدول العربية، وكان من المفروض أن تعود العربية اللغة الرسمية الأولى لكل الدول العربية، ولكنها وجدت نفسها مرةً أخرى تواجه أنواعًا جديدة من التحديات والعراقيل التي كانت أصعب من الموجات السابقة، خاصة في منطقة الشمال الأفريقي، فلم يغادر الاستعمار الأرض التي كان مسيطرًا عليها قبل أن يغرس لغته في كل المرافق، وسعى لغرسها حتى في النفوس، واستمر في تنفيذ مشروعه لنبذ العربية وتحويلها إلى لهجات محلية، لا تصلح إلا للتواصل الشفهي، ولكن هذا لقي مقاومة عنيفة”.

وأضاف: “ففي المغرب ـ على سبيل المثال ـ بعد الاستقلال، بدأت المساعي لإعادة المطالبة بإعادة العربية إلى ما قبل الاحتلال لوضعها الطبيعي، وواجهت العديد من الضغوط من الخارج، واستبعادها عن العلوم الحديثة والشركات والبنوك والاقتصاد وغيرها، ودخلت اللغة العربية في صراع مع الفرانكفونية في المغرب والأنجلوفونية في المشرق، وإن كان الأمر مع الأنجلوفونية أخف وأقل ضررًا؛ لأن الاحتلال الفرنسي كان احتلالاً ثقافيًّا ولغويًّا أكثر منه استيطانيًّا. وتم فتح جبهة داخلية للصراع اللغوي بجانب الجبهة الخارجية؛ ففي المغرب العربي على سبيل المثال، تم تشكيل حلف لغوي صامت وقوي بين التوجه الفرنكفوني والتوجه العرقي، الذي كان الاحتلال قد نمّاه وغذاه وحقنه بسمومه وأحقاده، ثم استخدمه أداة لإنهاك العربية، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أُعيد إحياء جبهة ثالثة، وهي استخدام العامية في التعليم، عوضًا عن الفصحى، بدعوى إن الفصحى لا تمثل اللغة الأم، التي يجب استعمالها في التعليم، وأنها وافدة ولغة كتابة لا لغة خطاب، وغير قابلة للتطور، وغير ذلك من الدعاوى والتهم الباطلة”.

وقال الدكتور الودغيري إن “موجة العلم التي قامت على أسس اقتصادية وتجارية، ثم ما لبثت أن تحولت إلى عولمة لغوية وثقافية، تكون السيادة في العالم كله للغة واحدة، هي الإنجليزية، رغم أن رتبة العربية من حيث مستخدميها والناطقين بها في العالم، هي رتبة متقدمة على عدد من اللغات الأوروبية، كالفرنسية والإيطالية والألمانية والروسية، إضافة إلى رصيدها العلمي والثقافي والتاريخي الكبير”.

وقال المحاضر إن “كل ذلك لم يشفع للغة العربية لدى العرب والمسلمين في رد الاعتبار لها وتنميتها وتحصينها، وقد امتد تأثير المد العولمي إلى السيطرة على مجال الإعلام والتكنولوجيا، وما يرتبط بها من تقنيات ذات الأثر المباشر على إعادة تشكيل الفكر والهوية، فأصبحت العربية مدعوَّة لإثبات حضورها بقوة في كل هذه المجالات”.

واختتم الودغيري محاضرته بما اعتبره أخطر التحديات، مؤكدًا أنه “من الطبيعي أن تحتاج اللغة إلى تطوير مستمر، ولكن الآفة هي تخلي أهلها عنها، وهذا راجع لعوامل كثيرة؛ منها نفسية واقتصادية، والوضع العام للعالم العربي، والتفكك الذي نعيشه، والنكسات التي مرت بالعالم العربي والإسلامي، جعلتنا ننسلخ عن ذاتنا، ولا نعطي قيمة لتراثنا وهويتنا ولغتنا”. وقال إن “التجارب الماضية دلت على أن اللغة العربية هي اللغة التي نقلت الحضارة والعلوم من اليونان والأمم الأخرى إلى الشعوب الأوروبية، التي بنت عليها نهضتها”. وأضاف إنه في بعض بحوثه أحصى “أكثر من 3600 لفظ في اللغة الفرنسية من أصل عربي، وأكثرها علمية؛ إما فلكية أو طبية أو في الفيزياء والرياضيات والعلوم الطبيعية، وهناك عالم فرنسي جمع معجمًا فلكيًّا فيه أكثر من 300 مصطلح عربي، وهذا يسقط دعاوى القائلين بأنها ليست لغة العلوم”، مؤكدًا أن اللغة “تنمو وتتطور بالاستعمال، وتموت وتنتهي بالإهمال”، داعيًا إلى “ضرورة الاهتمام بها واستعمالها في كل المجالات، فالناطقون بالعربية أكثر من 400 مليون من أهلها، فضلاً عن أكثر من مليار مسلم تهمه العربية واستعمالها”.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com