ليلة قطيفية سينمائية حضرها الشعراء وجادلوا الفنانين في تخصصهم…!

القطيف: صُبرة

الحوار والنقاش كان النقطة الأساسية في أمسية “السينما الشعرية – تاركوفيسكي أنموذجا”، التي قدمها المخرج موسى الثنيان ونظمتها تمائم أدبية، حيث نشَّط الأمسية وأدارها الشاعر رائد الجشي، الذي افتتح الأمسية بتمهيدة، مقتبساً من رولان بارت رأيه في السينما، خصوصا كونها ضد التجزئة/ ضد الهايكو. وان هذه الورقة ستكون في الاتجاه المعاكس لرأي الفيلسوف الفرنسي.

منذ أول لقطة

وحين جاء دور الثنيان تحدّث عن السينما بشكل عام منذ أول لقطة سينمائية للإخوة لومير، ورأي تاركوفيسكي بها إلى تعريفه للسينما الشعرية وعناصرها، وهو يقارب كما يقول تلك الرؤية، وكأنه يرى شخصا في الضباب يقترب من ملامحه وهيئته، ولا يصل إلى تفاصيل تفاصيله.

أوضح الثنيان الأطر العامة التي تميزها عن سواها والإشكاليات المعاصرة التي تقف عائقا أمام تلقي السينما كفن خالص. فهو يرى  أن “محاولة تكييف مقومات الأشكال الفنية الأخرى مع الشاشة سوف تؤدي الى تجريد الفيلم مما هو سينمائي على نحو مميز”، وانه من اهداف السينما الجوهرية ان تولد انطباعا محسوسا، بسبب صدمة عاطفية تفسر معنى وجود الانسان، وما يعيش من أجله. 

دراسة الهايكو

ثم تحدث عن دراسة الهايكو واثره كونه الاقرب الى حقيقة السينما، مبينا بعض خصائص السينما الشعرية ومنها “أنها تتحرر من الحبكة الجاهزة والتنامي الطولي المنطقي”،  كما أنها تنتظر من  المتفرج أن يكون مشاركا للمخرج في عملية اكتشاف الحياة، وان يكتشف منطق التفكير عند المخرج، بدون فرض مباشر أو توجيه جاهز  للألحداث، فالصورة الفنية هي دائما كناية تحمل صوت المخرج الخاص وصدقه في اسئلته.  بعد ذلك تناوب الفنانون والادباء على نقاش الورقة.  جاء في النقاش ما أشار له الناقد الفني الفوتوغرافي أثير السادة حول السينما الشعرية والتباسها بشعرية السينما “شعرية الصورة, شعرية اللغة وشعرية البناء”، التي يرجحها هو. وأشار إلى الجهد الواضح في الخروج على القالب الأرسطوي “مقدمة، وسط وخاتمة”.

رواية وسينما

الشاعر صبحي الجارودي تحدث حول مساحة تحول الرواية إلى السينما بين الفشل والنجاح ووظيفة السينما بين المطابقة والاستفادة وأضاف الشاعر المترجم صالح الخنيزي نقاطا حول تطبيق النظريات الادبية في الفلم، مثل استخدام الظل والضوء في مشهد جنائزي كتقنية شعرية للتكثيف، بدلا من الاسهاب وتحدث عن حالة التوتر والاثر الشعري وأثره.  واضاف الشاعر علي الشيخ اسئلته حول جانب الشعر السينمائي ومدى قدرة الاستفادة المتبادل والبحث عن المشتركات مع مفهوم الشعر. 

دلالات الصورة

وأشار الشاعر علي سباع الى دلالات الصورة والزمن، متحفظا على خلود السينما الشعرية، وخصوصا حركية المشاهد البطيئة بأخذ التغيرات التي طرأت على هذا الفن، والتحولات بعين الاعتبار.

أما الشاعر غسان الخنيزي فقد أشار الى جدلية التعريف والهوية وتناقض الوحدة بدمج عدة عناصر فنية في ذات الفلم قبال البحث عن الخصوصية. وأشار الشاعر عدنان المناوس إلى طريقة “تاكوفيسكي” في جعل كل لقطة خلاصة للقطات سابقة، وليست رصاً فيزيائياً متسلسلاً منطقيا.

.. ورسالة الفن

التشكيلي بشار الشواف تحدث عن أهمية وجود رسالة في الفن، وتناقض رؤية السينما الشعرية، حيث إن كسر القواعد في الفن مبني على تأسيس قواعد أخرى وبالتالي هناك قواعد جديدة قبال المكسورة، كون الفن يقدم فكرة تحتوي قواعدها. 

بينما أشار الشعر محمد شيف إلى جدلية الفن وسؤال السينما الشعرية والتباسها في كونها تشبه الشعر الجاهلي وتتقاطع معه في اعتماده على رؤيته للأشياء، لا محاكاته للواقع. واضاف الفنان الفوتوغرافي نسيم علي تصوره عن واقعية المشهد الشعري الطويل، الذي قد يصفه بعض المنظرين بالطويل، لو الممل ودلالة ذلك التي تسمح بتشكل مشاعر المتلقي بكل أريحية في النص. 

عن الماهية

ومن زاوية أخرى تحدث المخرج السينمائي محمد سلمان عن أهمية البحث عن ماهية ذات الفن ملاحظين  أسئلة الفن ذاته وما يراه تاركوفيسكي. يجب على الفنان أن يركز أولا على الخطوة المفقودة، في التعاطي مع الفن، فالأصل أن نشعر أولا ثم نحاول الذهاب إلى منطقة الفهم.  وختم الشاعر هادي رسول بالإشارة إلى كم الشعر المتسرب كإحساس داخلي شعري من النص ذلك الشعور الذي لم يقل بالكلمات بل وصل بتداعي الصور.. وعدم استخدام الموسيقى التصويرية بتاتا في بعض السينما الشعرية، وذلك يعاضد ما ألمح له منشط الأمسية من كون عناصر الطبيعة لها بطولة مهمة في الفلم، مثل مشهد المطر في نستلوجيا أو الصمت في أحد أفلام المخرج موسى الثنيان (بقايا طعام)، الذي حصد به جائزة أفلام الإمارات عام 2008 وكان فاتحة لسيرته الحافلة بالإنجازات الفنية السينمائية.

مداخلات

كما أضاف الجمهور النوعي إلى الأمسية بمداخلاته وأسئلته، فأشار علي الأحمد إلى صعوبة تلقف السينما الشعرية كون المشاهد مبرمحة؛ يبحث عما يعرفه هو ونظرته للحياة في الفلم أكثر مما يقدمه الفلم المغاير.

وشرح الكاتب سالم الأصيل رؤيته للسينما الشعرية معتبرا تاركوفسيكي – كونه قريبا من الشعر- أفضل من يمثل السينما الشعرية، معززا ذلك ببعض الإقتباسات المهمة وأشارت التوستماستر حليمة درويش إلى مفهوم الشعر المغاير لتاركوفيسكي كونه (الوعي بالحياة)، بل الحياة ذاتها وعمقه الفلسفي.

وأضاف المخرج عبدالله المطرود اشارة إلى التغير بين جمهور ذلك الوقت وهذا الوقت ومسبباته وأثره على التلقي للفلم وسبب عدم ميله نحو المشهد الطويل.

وانتهت الأمسية بكلمة للمخرج موسى الثنيان، وتعليق على التعليقات. انتهى وقت الامسية، إلا أنها  لم تنته فعلا، فالضيوف استمروا بالنقاش وتبادل الآراء وكأنهم كانوا مثل تاركوفيسكي، ينحتون الوقت ويقتطعون منه بحيث لم يشعر بمروره.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com