[كاتب وكتاب] الروائية المجرية أغوتا كريستوف: الحروب يخترعها الرجال

إعداد: هادي رسول

هذا حوار لم يتمّ فعلياً، مع أغوتا كريستوف؛ وهي روائية مجرية عايشت زمن الحرب، وتداعياتها، فكتبت عنها، وعاشت الهجرة، وخبرت قسوتها. كتبت رواياتها بلغة غير لغتها، فكانت تمارس الكتابة، وكأنها فعل مقاومة، نحاورها في ثلاثة أجزاء متتالية بدءًا من هذه الحلقة في روايتها ” الدفتر الكبير “.

العمل الشاق

ـ يفهم الإنسان حاجته للمأوى والطعام على أنهما استحقاقان حياتيان، لكن ماذا عن العمل؟

= العملُ شاق، بيد أن الاكتفاء بمراقبة شخص ما يعمل، دون فعل أي شيء، شاق أكثر.

تدريب الروح

ـ يستطيع الناس تدريب أجسادهم على الجَلَد، وتحمّل الألم، لكن ماذا عن الروح، هل يمكن تدريبها على ذلك؟

= نستطيع أن نحتال على النّاس كي يشتمونا، نداوم على هذه الحال، حتى لا تستطيع هذه الكلمات دخول أدمغتنا، و لا تدخل آذاننا، و نلحظ في نهاية المطاف، أننا نفلح في أن نتحلّى باللامبالاة.

إعادة

ـ تتحدثين عن الكلمات العاطفية التي ينادينا بها من يعزنا و لنا مكان في قلبه، على أنها ذكرى و ثقل يصعب حمله، في تمرين الروح على الجَلد، كيف يمكن تجاوزها؟

= نعيد تكرار هذه الكلمات على مسامعنا، و من فرط ما نعيدها، تفقد هذه الكلمات معناها، و ينطفئ ما تحمله من ألم.

حقيقة التأليف

ـ في الكتابة والتأليف، كيف يمكن الحكم على الموضوع بأنّه جيّد من عدمه؟

قاعدة بسيطة: على التأليف أن يكون حقيقيًا، أن يطابق الواقع، أن نصف ما هو كائن فعليًا.

إحساس.. ومذاق

ـ لا أفهم أنك من هذا التوصيف تقصدين الكتابة الإبداعية، ولعلك تقصدين أشكال الكتابة الأخرى، التقريرية ربما، فلعلك تعطين مثالًا يوضّح هذا المقصد؟

= قد نكتب “المدينة الصغيرة جميلة”، وقد لا يطابق ذلك الواقع، لأن المدينة الجميلة قد تكون كذلك في أعيننا، قبيحة في أعين غيرنا.

قد نكتب: “نحبّ البندق”، الفعل “أحبّ”، فعل تعوزه الدقة والموضوعية هنا، “أن نُحبّ البندق” و “أن نحبّ أمنا” صيغتان لا تنطويان على المعنى نفسه. فالصيغة الأولى تقصد مذاقًا رائعًا في الفم، بينما تشير الثانية إلى إحساس.

وصف أمين

ـ هل أفهم منك أن الكلمات التي تصف الأحاسيس لا ينبغى التعامل معها في غير وصف المشاعر،  لو استثنينا مفهوم الكتابة الإبداعية؟

= الكلمات التي تصف الأحاسيس تظل مبهمة، الأحرى الإعراض عنها، والانصراف إلى وصف الأشياء، و وصف الوقائع وصفًا أمينًا.

تداعيات الحروب

ـ تذهبين للكتابة عن الحرب، وتداعيات الحروب على الناس، هل فعلًا، النساء لم يرينَ شيئًا من هولِ الحروب، كما يدّعي الرجال؟

= نحن نقوم بكلّ شيء، و نحمل الهمّ كله : إطعام الأطفال، الاعتناء بالجرحى. أما الرجال، فما إن تنتهي الحرب حتى يصيرون جميعهم أبطالًا. إن كانو موتى، فهم أبطال، و إن بقوا أحياءً، فهم أبطال، و إن صاروا معطوبين فهم أبطال.

اختراع رجال

ـ لماذا تحدث الحروب، و من يتسبب بها؟

ج : يخترعها الرجال، إنها حربهم، لقد أرادوها، فاضطلعوا بها، لكي يصبحوا أبطالًا!!!!

مشاهد

ـ هل تذكرين مشاهد موجزة من الحرب المدمرة على الناس بما فيها من ألم و تناقضات غريبة؟

= المشهد الأول: لا يمنع أن تسقط قنبلة، من حين لآخر على أحد المنازل، يحدد الناس موقع الحدث بملاحظة الدخان، يذهبون لمعاينة ما دُمِّر، وإذا ما فضُلَ شيء يستحق الأخذ أخذوه.

المشهد الثاني: دائمًا يموت الناس في الأقبية، الناس الذين يحتمون بقبو منزل و تمّ قصفه، يلقون دائمًا حتفهم. بالمقابل، تكاد المداخن تظلّ قائمة دائمًا.

المشهد الثالث: تنقضّ الطائرات لتطلق الرصاص من رشّاشاتها على الناس في الحقول و الأزقة.

في الحرب

ـ للليل هدأته، لكن غالبًا ما يأتي ثقيلًا على الروح القلقة، كيف كانت ظروف الليل في الحرب؟

= يُمنع إشعال المصابيح ليلًا قبل إغلاق جميع النوافذ وتعتيمها. البعض لا يشعلها مطلقًا. تجوب المدينة ليلًا دوريات للتأكد من تطبيق القانون.

قساة

ـ ما تأثير الحرب في مشاعر الناس؟

ج : يصيرون قساة، يحبون القتل.

هزيمة وانتصار

ـ في الحروب تتفاوت المعايير، بين الهزيمة و الانتصار و الحياة و الموت. لكن ماهي أقل الخسائر بالنسبة للإنسان بعد الحرب؟

= من الأفضل أن يكون الإنسان مهزومًا، على أن يكون ميّتًا.

يأس

ـ لكن، أيضًا في الحروب، تتناقض المشاعر، و تصل حالات اليأس في الناس إلى طلب الموت؟

= آنذاك، الموت عندما نطلبه لا يأتي، فقط يتسلّى بتعذيبنا.

جنود أجانب

ـ ماذا بعد الحرب، بعد تحرير البلاد من الغازين، و المُحرّرون جنود أجانب، كيف تعود الحياة في البلاد التي تتحرر بهذه الطريقة؟

=  محرّرونا يسيّرون حكومتنا و جيشنا، يرفرف علمهم فوق كلّ المباني الحكومية، كما تُعرَض في صور زعيمهم في كل مكان، و في المدارس صارت لغة المُحرِّرين لغة إلزامية!

وشايات

ـ إذن، تتحول البلاد إلى بلاد محتلّة من الجنود التي حررتها؟

= لا يُسمح بأي مزحة ضد محرّرينا، و ضد حكومتنا الجديدة، تكفي وشاية بسيطة ليُلقى يأيٍّ كان في غياهب السجن، دون تحقيق أو محاكمة.

بلادنا

ـ ماذا عن الحدود مع الدول المجاورة التي شاركت في الحرب؟

= أُعيد بناء الحدود، وصارت ممتنعة الاجتياز. صارت بلادنا محاطة بسياج من الحديد الشائك، صرنا معزولين تمامًا عن العالم.

جميلة.. وثرية

ـ بعيدًا عن الحرب. يتفاوت جمال النساء، لكن، هل يمكن أن تصنع المرأة جمالها؟

= من السهل أن تكون المرأة جميلة، عندما تكون ثريّة.

سؤال

ـ سؤال مفتوح، دون إجابة: لأنك تنتمين للقارة الأوربية، و أنت تذهبين للسرد عن الحرب سأستحضر كقارئ الحروب العالمية و ميدانها الأوربي بالتحديد، لكنك تقدّمين في رواية  “الدفتر الكبير ” إشارات عامة للأماكن بعيدًا عن تحديدها، تقولين مثلًا  : المدينة الكبيرة و لا تحددينها، تقولين الحدود، لكن لا تشيرين للدول، تقولين البلاد لكن لا تسمّيها، و حتى الشخصيات لم تعطها إلا أوصافًا، هل هو تكتيك فني و حالة من التلغيز الروائي، أم تعميم يشير لأي بلاد عاشت الظروف نفسها؟

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com