“موت صغير”.. رواية أم سيرة ذاتية للشيخ الأكبر..؟ قراءة في رواية محمد حسن علوان

د. رانية العرضاوي

ورقة علمية قدمتها الدكتور العرضاوي في الصالون النسائي، ضمن نشاطات نادي جدة الأدبي الثقافي مساء أمس الأحد. وتنشر “صُبرة” الجزء الثاني من الورقة بإذنٍ منها.

يقول أرسطو: “الذاكرة فرع من الزمن”، والمخيال التاريخي، بين التذكر والذاكرة قد يولِد الوهم، وحتى ينصرف عن المتلقي مثل هذا الهاجس، يأتي النص بإجرائية (الوثيقة)، التي مثلتها رواية “موت صغير” في شكل مخطوط سيرة ابن عربي المُرتحل عبر الزمان والمكان، والمتشكّل بقلمه هو. وبتقديم الوثيقة المخطوط في النص، والشهود المتوارثين له والحافظين عليه، يكون النص قد نجح في خلعه رداء التخّيل التاريخي -تكنيكيا- ولبس ثوب المؤرخ الحقيقي الذي يوثق سيرته الذاتية، فيعقد ميثاق الصّدق الضمني في كل ما سيقوله ويسرده. إنّه النص الذي كسر أفق المتلقي المتوقع بلعبة التوثيق.

د. رانية العرضاوي

بين ميثاقين
وبذلك يطرح النصّ نفسه بين ميثاقين؛ ميثاق السيرة الذاتية وميثاق التاريخية، ويصبح تحريره من خلال البناء الموضوعي له، وفحوى ما بين الميثاقين، الذي هو مادة معتمدة على التخيل التاريخي في عمقها، وإن تظاهرت بالتخلي عن ذلك، مقدّمة عالما خياليا حكايته هي ابن عربي الإنسان، وليس الشيخ الأكبر فحسب. ومن ثمّ، يأتي التّخيل التّاريخي متشاكلا بين وعي السارد، وصورته المحرّرة من سلاسل الحقيقة، ليساهم في تقديم وَعْي المُتلقِّي، ووَعْي القارئ الذي يُقدِّس النَّصّ التّاريخي، ويُسلِّمه دَفَّة المصداقية منذ أزمنة طويلة غابرة. ويصير التاريخي في النص ليس مادة مروية لتوصيف عصر ما، بل مقاربة ذهنية، تطرح هَمّ اليوم، وهَمّ الغَد، ومن خلالها يكون القارئ قادرا على استشراف أشكال المُستقبَل.

رؤى تاريخية
إذن؛ سيكون المتلقي في رواية “موت صغير”، متلقّفا لرؤى تاريخية متخيَّلة لم يقلها التاريخ، لكنّها محايثة لأحداث التاريخ، وموظفة لمسائله وشيء من سَمْته. وهو ما يجعل النص يفارق من قريب أو بعيد نوع السيرة الذاتية، ليكون لسان رواية للتخيل التاريخي الذي أخذ ابن عربي بطلا له، عبر تقنية التحدث بضمير المتكلم (أنا)، مما يجعل القارئ في حالة تلبّس لسماع الحكائية الذاتية طوال قراءة النص.
والنصّ في ذلك يقيم حركة قرائية مضاعفة عند القارئ؛ فمن خلال حكاية المخطوط الذي هو سيرة ابن عربي، وارتحاله من بلد إلى آخر حتى يقع في يد لاجئ سوريّ يصل به إلى محطته الأخيرة بيروت، يكون قد سجّل حالة قرائية للسيرة، هي قرائية خارجية لحركة السيرة أو الحكاية نفسها تمثّلتها حركة وتنقلات المخطوط. ومن جهة أخرى، هو يقرأ السيرة ذاتها التي تتمظهر في المخطوط المحكي بلسان ابن عربي. وهنا، تتعالى تضاعيف القراءة متوازية مع تضاعيف الكتابة للنص؛ لتكون الممارسة الفعلية للكتابة على مسارين متوازيين: مسار السيرة الذاتية لابن عربي، ومسار المخطوط المترسّل بين المدن والأيدي وهو لابن عربي نفسه، فيكون القارئ قارئا للنص من داخله وبصوت أنا المتكلم، وقارئا للنص من خارجها، والمؤلف بانيا داخليا وبانيا خارجيا للحكاية. وكلا المسارين في نفسهما، يكونان في حركة دوران وتطواف، بحثا عن: الأوتاد الأربعة في مسار شخص ابن عربي المسافر الرحالة في شرق الأرض وغربها، والأمان والحفظ في مسار المخطوط. ويكون القارئ بين مسارين يسيران باستقامة متوازية خارجيا مع بعضهما، وبدوران داخلي في بنيتهما الداخلية.

نص صوفي
كلّ هذا وغيره، يتفق كثيرا مع طبيعة النصّ الصوفي الذي يحمل دوما حركية باطنة للمعنى، وسكونا ظاهرا لذات المعنى. ومن ثمّ يجئ النصّ مطبقا شيئا من الرمزية التي قرر توظيفها من التاريخ، ويعايش القارئ ذلك معه طوال ستمائة صفحة، تقسمت على اثني عشر سِفرا، كل سِفر له فصول ما بين الستة إلى الثمانية. وهكذا يتشوّف القارئ للخوض في غمار الأسفار ليكتشف هوية جدلية، من أول اختيارها كسرت أفق توقعه، وفاجأته.

ثم الموت الصغير
يقوم ابن عربي غريبا في نص “موت صغير” من فاتحة النص؛ إذ تبدأ الحكاية بسبر مجاهل الاغتراب العرفاني الذي يناقشه النصّ، اغتراب بدأت قصته الأولى كما يرى بعض الباحثين من شعور آدم عليه السلام حين نزل إلى الأرض من الجنة (زهران: 103). وهكذا يجد القارئ نفسه بين يدي ابن عربي مناصفا لذات التجربة الاغترابية، وهي ظاهرة من مكوّنات الحياة نفسها، حيث تكون الغُربة بالنزوح من الوطن ومغادرته، أما الاغتراب فرغم أنه يحمل النزوح والابتعاد إلا أنه نزوح عكسي أي نحو داخل النفس الإنسانية بسبب التمرد ورفض الواقع (البرغوثي:111-140). هذا التمرد الذي يخرج على شكل الإنسان الصوفي الكامل في ذات ابن عربي عندما تكون الذات المقدّسة عند أتباعه، فيبدو كرامة وولاية، وهو ذاته التمرّد الذي جعل من مخالفيه يعدّونه زنديقا خالف المُتبَّع فابتدع. وبين هذا وذاك تتراوح أحداث الرواية، لتخوض بالمتلقي مجاهل القبول والرفض لإنسان ابن عربي من خلال طرح الجانب الإنساني غير المكشوف للقارئ. فالنص يولد داخل رحم الإنسانية، ويتشيّأ رويدا رويدا في مخاض أوّله حقيقي، وأوسطه مجازي، بدا في مراحل حياة ابن عربي المختلفة؛ من ضعف بشري، ومزالق إنسانية، وأحزان وأفراح، وحب وعشق وكره، يمرّ به كلّ إنسان عادي بعيدا عن هالة القداسة أو الزندقة. حتى يأتي النصّ في آخره وقد ترقّى بابن عربي الإنسان ليوصله إلى إطاريه القابضين على صورته: الولي الأكبر أو الزنديق الكافر.

كشف الذات

ومن الجدير بالذكر، أنّ رواية “موت صغير” تمارس كشفا آخر، غير الكشف الذي اصطلح عليه المتصوفة، فألبسوا مرات، وأُلبسَ عليهم أحيانا، إنه كشف الذات الواعية بذاتها. فذروة “الإحساس بالذات، تنكشف بكل أبعادها الإنسانية في الحقب التاريخية التي تشهد انتقالات من أوضاع معينة إلى أخرى، أو تعرف اضطرابات وهزات اجتماعية، أو سياسية أو فكرية وغيرها”( وفكوح: 23).
هذا الترقي والانتقال، لا يكون على مستوى الذات الداخلي فحسب، بل يأتي مصاحبا لارتحال وسفر تخوضه ذات ابن عربي في مهمّة مقدسة، يحكي عنها بلسان حيّ، وجسد ميّت، قدّمتها الرواية من معجم المتصوّفة فيما عرضته بالبحث عن الأوتاد الأربعة للولي ابن عربي. والأوتاد الأربعة عند المتصوفة هم من يحتاج الوليّ ليتثبت إيمانه، والرواية تجعل ذلك واقعا حدَثا يحرّك النص في حركة مائجة رحّالة، إذ تجعله باحثا عنهم في شرق الأرض وغربها وشمالها وجنوبها. حتى يصل إليهم جميعا، ليتفاجأ القارئ بأنّ أحدهم هي (النظام) المرأة التي عشقها ابن عربي، وأبدى في عشقها كلّ قلق الإنسان العادي.

الموت مرّتين
وهنا، يكون إجراء السفر حبكة يلعبها النص ليوصل القارئ إلى حوزة “الموت الصغير”، وهو ما عرفه بالحب. وقد خاض النقاد والدارسون كثيرا في هذا الاسم، وربطوه بفلسفة الصوفية عن الموت وأنواعه، وكيف أنّ الحب بمعنى التماهي مع المحبوب يكون صورة لموت الذات (الأنا-Ego) في قلب المريد، وبالتالي، يموت المريد الولي مرتين، مرة بتخليه عن ذاته لأجل محبوبه، ومرة بموته الجسدي الذي يكون بَعده في حياة تامة مع محبوبه.

تحرير ابن عربي
وفي هذه الدائرة يطوف النص مع طواف ابن عربي في الأرض باحثا عن مراده، ويعرّج بالقارئ على مدارك ابن عربي النفسية، وتكوناته الإنسانية التي تغادر التقديس مرة وتغادر الزندقة مرة أخرى. وكأنه بذلك يحرّر ابن عربي الإنسان من الحكم الاستباقي الماثل في تلقيه من التابعين والمختلفين عليه، ويحرّر في ذات الآن القارئَ من سجن الحكم القَبْلي الاستباقي الذي حرّمه وعي الدرس الإنساني الذي يمكن استكناهه من إنسانية بطل الرواية. فيكون النص المُحرَّر في آخر الرواية ليس ابن عربي فحسب؛ بل حتى القارئ التخيّلي الذي صمد بين يدي التخيل التاريخي، واستجاب لوظيفته الجمالية. وبحصول التخلّص من الحُكم القَبْلي الذي ظل بمثابة عدَسة حاجبة أيديولوجيّة بسبب المذهبيّة، ينجح النص في حياة حرة، تكون كبيرة في مقابل الموت الصغير الذي تربّع على عتبته الأولى في العنوان المَركز. ليُشكِل على القارئ ويُفهِم في آخر الأمر المعنى الإنساني الأكبر للشيخ ابن عربي أو الزنديق، إن شئت.

ثنائية الرواية والتاريخ
ومن هنا، يمكن الختم بأن التخيل التاريخي في النص قد نجح في فكّ ثنائيّة الرّواية والتّاريخ وأعاد دمجهما في هُويّة سرديّة جديدة، قدّمت نصا حرّا على مستويات حكائية وسردية عميقة. استطاعت أن تحيّد أمر البحث في مقدار خضوع التّخيّلات السّرديّة لمبدأ مطابقة المرجعيّات التّاريخيّة، وهو ما أخرج نصا منفتحا على كتابة لا تحمل وقائع التّاريخ ولا تُعرّفها، إنّما تبحث في طيّاتها عن العِبر المتناظرة بين الماضي والحاضر.
ومثل هذا التناظر، هو ما يمكنه أن يرسل للقارئ رسالة مهمة، مفادها ما فسر فيه عبدالله إبراهيم في مقدّمة كتابه حين قال:” إنّ التاريخ لا يُتوقّع منه تمجيد الماضي ووضعه في علبة المُقدّس؛ ولكن العمل عليه من أجل فَهم المفاصل التاريخية المهمّة التي يُمكن للرواية الاستناد عليها”. وبطريقة ما، سيساهم مثل هكذا طرح، ببذر بذرة الاعتدال في تقبل الآخر المختلف في المجتمع، فاختيار علوان لرمز جدليّ كشخص ابن عربي، هو بحدّ ذاته صورة لتحرير المُؤلّف السّعودي الذي حرّر ابن عربي من الكُره والبُغض، وقدّم الاعتدال الثّقافي في طرح المُختلف، بل والمُضاد ربّما، وهذا ما يمكن أن يرقى بالوعي الثّقافي إلى منازل خارج الحُكم القَبْلي والسَّطْوة التّاريخيّة حتى مستوى المُصالحة التّأمّلية للمُختلف، وخلْق الرّحابة الحداثيّة الفكريّة العميقة، وليس المظاهر الهَشَّة القلقة اللاواعية.
إنّ “موت صغير” تخلق من التّاريخ مادّة مرنة، تُدرّب المتلقي اليوم على النّظر إلى الأشياء بعين الوعي، الذي يستطيع أن ينتقي ، ويُفكّر ويُحلِّل، ويأخذ ويترك، ويعبر قوالب الجمود الفكري، والرفض العدائي لأجل ثقافة الرفض فقط.


لمزيد من الاطلاع والتوسّع يُنظر إلى 

  • إبراهيم، عبدالله (2011) التّخيّل التّاريخي: السرد، والإمبراطوريّة، والتّجربة الاستعماريّة، ط1، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
    أبو زيد، نصر حامد (2006) هكذا تكلم ابن عربي، ط3، المغرب: المركز الثقافي العربي.
    أجهر، عبدالحكيم (2011) سؤال العالم: الشيخان ابن عربي وابن تيميّة من فكر الوحدة إلى فكر الاختلاف، ط1، المغرب: المركز الثقافي العربي.
    البرغوثي، مريد، ومشعل، نداء ( ) تجليات الاغتراب النفسي في كتاب رأيت رام الله.
    بندحمان، جمال (2015) سيمياء الحكي المركب: البرهان والعرفان، ط2، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع.
    دهب، عمرو منير (2017) تبًا للرواية: عن حظوة فنون الكتابة، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون.
    ريكور، بول وآخرون (2015) الكتابةالتاريخية، ترجمة: محمد حبيدة، المغرب: أفريقيا الشرق.
    زهران، سناء حامد (2004) إرشاد الصحة النفسية لتصحيح مشاعر ومعتقدات الاغتراب، ط1، القاهرة: عالم الكتب.
    شطاح، عبدالله (2017) “تسريد الذات بين الرواية والسيرة الروائية: المراجع والمتخيل”، عالم الفكر، ع 171، يناير-مارس، (ص ص: 7-28)، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
    الصادقي، أحمد (2010) إشكاليّة العقل والوجود في فكر ابن عربي: بحث في فينومينولوجيا الغياب، ط1، بيروت: دار المدار الإسلامي.
    علوان، محمد حسن (2016) موت صغير، ط1، بيروت: دار الساقي.
    الفراع، سعيد (2010) ” جمالية التلقي وتجديد تاريخ الأدب”، عالم الفكر، ع 39، يوليو-سبتمبر، (ص ص7-33)، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
    كندي، محمد علي (2010) في لغة القصيدة الصوفية، ط1، بيروت: دار الكتاب الجديد المتحدة.
    ماي، جورج (2017) السيرة الذاتية، تعريب: محمد القاضي وعبدالله صوله، ط2، القاهرة: رؤية للنشر والتوزيع.
    منصف، عبدالحق (2007) أبعاد التجربة الصوفي: الحب- الإنصات- الحكاية، المغرب: أفريقيا الشرق.
    وفكوح، عبدالفتاح (2016) أدب السيرة الذاتية: إضاءات وإضافات، ط1، المغرب: فضاءات للنشر والتوزيع.

زر الذهاب إلى الأعلى

لإعلانك هنا ـ مربع

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com