الشاي و القهوة عماد المجالس

محمد زكي العوامي

أينما التقى جمعٌ من أبناء البشر في مجلس فإن الطعام و الشراب عادة ما يكونان حاضرين، و تتفاوت الأطعمة و الأشربة حسب الأعراف و مقامات المجالس و القدرات المادية، لكن ثمة شيئاً قد لا يخلو مجلسٌ منه، و إن خلا مما سواه من سائر الأطعمة و الأشربة، و أستطيع أن أطلق على هذا الشيء لقب (ركن المجالس الرئيس)، أعني المشروبات الكافيينية أي الشاي و القهوة، تلك المشروبات المنبّهة التي تترك أثراً قوياً في الدماغ فتزيدَ من تركيزه و ترفعَ نشاطه، و القارئ لتاريخ هذه المشروبات يتلمّس أثراً لهذه المشروبات في صناعة تاريخ المنتديات الثقافية و السياسية و سنسلط الضوء على شيء من هذا لكن قبل ذلك دعنا نتعرف على ماهية الكافيين وطريقة عمله في الأبدان.

عقار منشّط..!

يُصنّف الكافيين كعقّار منشط، و بذلك يُعد أكثر العقاقير استهلاكاً في العالم سواءً من ناحية الكمّية أو مدى الإنتشار، تُقدّر نسبة المستهلكين للكافيين بشكل شبه يومي بـ 90% من سكان العالم البالغين[1]. إن تفاعل الكافيين مع المستقبلات الحيوية في الدماغ يتشابه من حيث المبدأ مع العقاقير المسببة للإدمان كالنيكوتين و الكحول و الحشيش حيث إن التغيّرات الطارئة على المستقبلات الدماغية و التفاعلات الإستقلابية المصاحبة لها تؤدي إلى الإدمان بحيث أن الإقلاع عن أحدها فجأة يسبب ما يعرف بأعراض الإنسحاب من توتر و رعاش و ألم في الرأس و نحو ذلك، و لحسن الحظ أن الكافيين هو الوحيد بين تلك العقاقير التي لا يترتب على إدمانها آثار اجتماعية أو قانونية أو دينية، أما من الناحية الصحية فإن العلماء لم يجدوا دليلاً يُعتدُّ به لتعزيز أو لتثبيط الناس من تناول الكافيين، و حيث أن أغلب الدراسات حولها هي دراسات بالملاحظة تعتمد على تقرير الأفراد المشاركين فيها و ذلك يعتريه عوامل متشابكة تجعل الحكم في مثل هذه الأمور صعباً، لكن القدر المتيقن منه أنها لا تضر بالمجمل إذا ما استهلكت بكميات آمنة و التي تقدر بـ 400 ملجرام يومياً في أغلب الأحوال أي ما يعادل أربعة أكواب قهوة سوداء أو سبعة أكواب شاي بحجم 235 مليلتر[2].

عبور الحاجز الدموي

يمتص الجسم كافة الكافيين في هذه المشروبات بسرعة و سهولة كما يمكنه عبور الحاجز الدموي الدماغي بسهولة أيضاً، و يمر في عمليات الأيض التي ينتج منها إفراز نواقل عصبية منبّهة للدماغ من جهة مثل الأستيل كولين أو جالبة للسعادة من جهة أخرى بتأثير الدوبامين أو محسّنة للمزاج من جهة ثالثة بتأثير السيروتونين[3]، لذلك فإن الشعور الناتج من تناول هذه المشروبات لا يأتي من فراغ و إن الحنين و اللهفة لتلك المشروبات في أوقات الحرمان مثل أيام الصيام الأولى لشهر رمضان المبارك خاصة لمن تعود عليها لا يأتي من فراغ أيضاً حيث أنها قد تسبب أعراض الإنسحاب بتأثير حيوي في الجسم يتجاوز البعد النفسي.

خلال ساعتين

وهنا أود الإشارة إلى جانب صحي يتعلق بالمجالس الليلية التي يستهلك فيها الكافيين بكميّات كبيرة، فبعد أي تناول لها تظهر آثار الكافيين بسرعة و تبلغ ذروتها في الساعتين الأولى و الثانية لكن تخلص الجسم منها يستغرق عشر ساعات على الأقل[4].

الغالب الأعم من (مدمني الكافيين) لا يشعر بأن هذه المشروبات تؤثر على سرعة دخوله في النوم أو عدد ساعات نومه بل إن البعض قد يحتاج شيئاً منها ليطردَ ألماً في الرأس كيما ينام و هم محقون في ذلك، و لكن مما أثبتته الدراسات قديماً و حديثاً أن الكافيين له أثر سلبي على مرحلة النوم العميق[5] و التي تحدث فيها عمليات دماغية هامة فتؤثر سلباً على جودة النوم و تثبيت المعلومات في الدماغ التي يتلقّاها الفرد في يومه.

كل مكان.. كل يوم 

يُستهلك الكافيين في العصر الحالي في كل مكان وفي كل يوم، و تنتشر المقاهي اليوم في كل بقعة من بقاع العالم، و لا نعلم أين و كيف بدأت فروايات المؤرخين حولها متضاربة و كلٌّ يدّعي الأسبقية و يجر النار إلى قرصه، ففي القرن العاشر الهجري (السادس عشر ميلادي) افتتحت المقاهي في مكة و دمشق و كبريات المدن العربية و لعلها تكون بدايات المقاهي في مناطقنا العربية، و كثيرٌ من هذه المقاهي أصبحت منتدياتٍ أدبية و ثقافية و كثيرٌ من روادها هم من أهل العلم و الأدب الذين اتخذوها مقرّاً لتجمعاتهم و كان حب الكافيين جامعهم، و لعل تأثير الكافيين الذي ذكرناه كان له الأثر في إشعال نار الأدمغة و تدفق الأفكار و الآراء منها فصار الناس يجتمعون و يتكلمون في أمور قد تزعج الحكّام مما حدا بـ (خاير بك) ناظرالحسبة في مكة وقتها بإغلاق المقاهي هناك لما لها من تأثير كالمسكرات! و كانت هذه الخطوة مدعومةً بفتاوى تقول بحرمة القهوة، و ظلت هذه المسألة محل جدل بين علماء ذلك العصر فمنهم من ألف رسائل و كتباً حولها ككتاب (عمدة الصفوة في حل القهوة) لعبد القادر الجزيري، و لم تنتهِ هذه المعركة إلا بعد عشرات السنين بانتصار الفريق القائل بحليتها[6] الذين لم يتوانوا بإبداء الإعتراض و المواجهة و التهديد حيث قال قائلهم:

قـهـوة الـبـنّ حــرّمـت

فاحـتسـوا قـهوة العنب

و اشربوها و عربدوا

و العنوا من هو السبب[7]

وقد يتعجب القارئ من ذلك التحريم و من العلل المستندة عليها كتشبيه القهوة بالمسكرات[8]، و لكن ذلك شأن البدايات التي تُواجه عادةً بالرفض حتى تتكون صورة أوضح و يتجلى عنها الضباب فيعيدَ الناس النظر فيها، فترى من كان بالأمس رافضاً فكرة أو أمراً ما لا يرى بأساً فيها اليوم، و ربما كانت هناك شبهات في بادئ الأمر ما لبثت أن انجلت، و في هذا الشأن خصوصاً كانت هناك ريبة تحيط بالأمر كارتباط تعاطي القهوة بأناس تحيط بهم صورة نمطية معيّنة أو استصحاب بيوت القهوة (المقاهي) بأدوات اللهو المحرم و الإختلاط المريب، و لكن شتان بين القهوة و الخمر، و ما أجمل وصف الشاعر ايليا أبي ماضي للقهوة:

لـهـا مـن ذاتـهـا سـتـرٌ رقـيـقٌ

كما صبغَ الحـياءُ جـبـين بكرِ

إذا دارت على الجلّاس هشّوا

كـأنّ كـؤوسـها أخـبارُ نـصـرِ

و يمضي أبو ماضي في قصيدته فيقارن بين القهوة و الخمر فيقول:

فـما فـي شـربـها إثـمٌ و نـكـرٌ

وشـرب الخـمر نكرٌ أيّ نكرِ

وليسـت تسـتخـفّ أخـا وقـارٍ   

و بنت الدنِّ بالأحـلام تـزري

وتحفظ سر صاحبها مصوناً

و بنت الكرْمِ تفضـح كل سـرِّ

وللشاي أيضاً طقوسه في المجالس وحظوظه من الشعر والحب أيضاً، فكثير من المجالس يكون الشاي عنوانها و هو المحرك فيها الذي يثير العقول فتنتج روائع الأفكار، و يملأ المجالس نشاطاً و اتّقاداً، و من طريف ما يذكر حادثة حصلت في مجلس الشيخ عبدالحميد الخطي القطيفي إبّان دراسته في حوزة النجف حيث أبدع الحاضرون لديه من طلبة العلم بالتناوب في نظم أبياتٍ إرتجالية على ما يبدو في وصف شاي مجلسه[9]:

إنّ هذا الـشّـاي لو يـشـربــه

مـيتٌ فـي قـبـره أحـيا عـظـامـه

وكـــذا لو ذاقــه ذو ســقــمٍ

برح السقـم مـنه، أبـرا سـقـامــه

ولـَوَ اْنّ الحـور ذاقــته لمـا

طمعت في شرب شهدٍ و مُدامـَه

وكـذا لو ذاقـه أهــل لـظـىً

لـنسوا الـنار و ما مـلّوا الإقـامة

صورتان

هناك صورتان ذكرتا لعلاقة الكافيين بالحركات الفكرية و المنتديات الثقافية، الأولى صورة مجلس خاص كان الكافيين ركناً فيها و الثانية صورة مقهى جذب أهل العلم و الأدب ليكون الجامع لهم، و من أمثلة الصورة الثانية في العالم العربي مقهى الرشيد في دمشق الذي كان مقر تجمع الأدباء و السّاسة، بل يحكى أنه كان مقرّاً للمؤتمر التأسيسي الأول لحزب البعث العربي عام 1947م. و من تلك المقاهي أيضاً مقهى الفيشاوي بالقاهرة الذي تأسس قبل أكثر من مائتي عام و لا زال يعمل و له تاريخ طويل مع أهل العلم والأدب و نشاطاتهم فيه، و أيضاً بالقاهرة مقهى الحرافيش الذي كتب فيه و بين أركانه أدباء مثل نجيب محفوظ روائع أعمالهم حتى أن هذا المقهى كان موضوع رواية للأديب الكبير الحائز على جائزة نوبل، كما اهتمت بعض هذه المقاهي بتوفير مكتبة فيها لخدمة زبائنها و جلب المثقفين إليها. و في بغداد أيضاً كان للمقاهي دور في الحركة الأدبية وقد اشتهر شارع الرشيد فيها بالمقاهي التي كان بعضها مقصداً و ملتقىً للأدباء.

———–

[1] Bordeaux B et al (2019). Benefits and risks of caffeine and caffeinated beverages. In L. Kunins (ed).  UpToDate. Waltham, MA. UpToDate Inc. https:// www.uptodate.com (Accessed on Feb 22, 2019).

[2] Poole et al. Coffee consumption and health. BMJ. 2017; 359:j5024.

[3] Nehlig et al. Caffeine and the central nervous system. Brain Res Rev. 1992 May-Aug; 17 (2): 139-170.

[4] Hartley TR et al. Hypertension risk and effect of caffeine on blood pressure. Hypertension. 2000; 36(1): 137.

[5] Brezenova et al. Effect of caffeine on sleep. British Journal of Clinical Pharmacology. 1974; 1(3): 203-208.

[6] للمزيد من هذا الموضوع انظر: الأرناؤوط، محمد: من التاريخ الثقافي للقهوة و المقاهي، الكويت، جداول، 2012م.

[7] الكردي، محمد طاهر: أدبيات الشاي و القهوة و الدخان، جدة، الدار السعودية، 1984م، ص33

[8] بعض المصادر تشير إلى أن القهوة أساساً من أسماء الخمر لكن أصبح المراد بها اصطلاحاً قهوة البن

انظر: المصدرالسابق ص27

[9] الحسن، يوسف أحمد، قراءة في كتاب: كشكول الهجري، مجلة الواحة، العدد الستون، السنة الحادية عشرة، شتاء 2010 م.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com