[كاتب وكتاب] مؤيد الشيباني في “ذاكرة الطين”: الفضائيات العربية أدوات هدم يومي…!

إعداد: هادي رسول

يكاد لا يوجد فرد عراقي إلا وهو معجون بطينة الحزن، الحزن الممتد في تاريخ العراق من ماضيه إلى مستقبله. والشاعر مؤيد الشيباني يخرج من أوجاع ذلك الطين ويسرد الحزن العراقي في قراءة سردية ونقدية للنص الثقافي و السياسي العراقي المعاصر.

مدخل

تقول واصفًا هذا الكتاب: ” هذه الكتابةُ لي، وقد تقع سهوًا بين يدَي قارئ ما، أرجو أن يعيدها إليّ! أو يرميها في الطريق لتبقى تقفز على الرصيف بين أذهان المارة و أقدامهم”.

نعم، وقع هذا الكتاب بين يديّ و لا أعلم إن كان سهوًا حقًا أم صُدفةً، لكن، لن أرميه على الرصيف، و إنما سأعيده إليك مخفورًا بمساورات الأسئلة.

لا يُشبهه وطن

ـ ” ذاكرة الطين “، عنوان الكتاب، الذي تذهب فيه لقراءة دلالات النص السياسي والثقافي في العراق. العراق الوطن الذي لا يشبهه وطن. كيف تصفه بإيجاز؟

= وطنٌ! يراه الحطّاب غابة من حطب، و يراه اللصوص منجمًا من ذهب! و يراه أبناءه الفقراء حُلُمًا بعيد المنال، و يراه الطغاة ملكية خاصة..! الوطن الذي نسي أن يلتفت قليلًا إلى معناه، فنسي المستقبل، وبقي هائمًا يبحث عن لُغة تعيد له فصاحته التي سقطت على طُرق الموت.

ثقافة السلام

ـ تقول : أنك اختزنت هذه الكتابة طيلة ثلاثين عامًا، أما الآن وقد اتجهت لكتابتها و نشرها عام ٢٠١٣، و كأنما توثيق لذاكرة العراقي و مستقبله في آن، هي كتابة تسلّط الضوء على عذابات العراق على مدى سنوات طويلة من الحكم الديكتاتوري، و ما تبعه من احتلال و تشظي في النسيج العراقي. ما الذي فات العراق طيلة هذه الفترة الزمنية؟

= نسي العراق أن يواكب الحداثة، نسي ثقافة السلام، لقد تعرّض فيه ذلك التصالح الإنساني – الذي علّمه للآخرين على مر العصور – لجرح في العمق..

حروف

ـ وكأن الحزن العراقي استدعاء متوارث لدى العراقيين؟

= لم يقرأ أحد الحزن العراقي جيدًا، و لم يضع أحد يده على الجانب الإنساني لما خلّفته الحروب، لم يتذكر أحد معنى أن تُمنع أسرة من البكاء على قتلاها، بينما الخطاب القاتل و التافه يطحن أرواحنا و يسمّم لقمتنا.

شاهد حالة

ـ تضع نفسك كشاهد على حالة الناس و المجتمع العراقي إثر الحرب العراقية الإيرانية، شاهد على المأساة التي لم يشهد مثلها بلد آخر كالعراق، لو أشرتَ لأحد هذه المشاهد؟

= شاهدتُ مرةً رجلًا يضع يديه متشابكتين من الخلف و يمشي بطريقة هستيرية محدّثًا نفسه، و أحيانًا يضحك، و فجأة يقف ثم يواصل السير ليعود ثانية مسرعًا إلى النقطة التي بدأ منها. راقبته جيدًا و صدمت عندما عرفته، إنه ذلك الحائك الفقير الذي لم يكن لديه هم سوى تعليم ابنه حمزة، حمزة الذي أصبح مثال الحي، عندما يعود من الجامعة يقوم والده بإخبار الجميع أن ابنه هنا! وعندما تخرّج وجاء حاملًا شهادته الجامعية، كاد ذلك الأب المسكين يُجن، ولكن القدر قال له لم يحن وقت الجنون وسوف يأتيك من حيث لا تدري.

قامت الحرب العراقية الإيرانية، وكان حمزة في الخدمة الإلزامية، ووجد نفسه في مواجهة الموت الحتمي، وإذا به يتسلل للتراجع، فما كان من فرق الإعدام الخلفية إلا أن أعدمته بوابل من الرصاص، وكتبت على نعشه (جبان) مع شهادة مرفقة بذلك، واستدعاء ولي أمره لدفع ثمن الرصاصات، وفي الحال توفيت أمه، وتم اعتقال الأخ الأصغر، وخرج الأب يستدين من الجيران ثمن الرصاصات ليسلمها للجهات المعنية!

نسخة مكررة

ـ لم يكن العراق وحده نهبًا للمآسي، فأشباهه ونسخه متكررة عربيًا وربما عالميًا؟

= صحيح إن العراق يشترك مع مناطق عربية أخرى في فصول المأساة والموت والحزن، لكن الشحنة الموغلة في جسد العراق التاريخي والعراق المعاصر وعراق الحاضر، هي الأقوى في تفاعلاتها وثبات صورتها المستديمة.

إن المرجل العراقي ليس مجرد حالة عابرة أو حالات متقطعة أو ظرف محدد في الزمان والمكان والأشخاص، إنما هو رحم ولود لأشباح الحرب والموت والدم. حتى إن نهرًا ثالثًا أحمر يجري بأقوى وأغزر من دجلة و الفرات.

لحظة تناقض

ـ استشهدت بلحظة تناقض عراقي على قناة bbc في برنامج يناقش محاكمة رموز نظام صدام حسين، بين متصلين عراقيَّين، الأول يستعرض ما ناله والده من تعذيب و تنكيل وعن مصيره في الموت الذي لم يُكتَشَف إلا بعد سقوط النظام، و متصل آخر يتحدث بإيجابية عن حزب البعث وأن فترة حكمه هي الأكثر سعادة بالنسبة إليه، ويتهم شريكه في الوطن – الذي سبقه بالاتصال – بالخيانة واستحقاق التنكيل الذي طاله وأسرته. كيف تنظر لهذه التناقضات الموجعة، التي ليست سوى نموذجًا من نماذج متعددة؟

= لا أعلم كيف سيعيش هؤلاء تحت سقف واحد؟ ومن الذي يؤرخ لهذه التناقضات الصارخة؟ ومن ينصف الأول ويقنع الثاني؟! سنجد ثمة فئات وشرائح واسعة، تتخندق في رؤاها المختلفة ليظهر التناقض اليومي والتاريخي والمستقبلي بشكل يصيب المواطنة في مقتل. والمتتبع للوضع العراقي سيجد كارثة الكوارث في جميع مناطقه ومختلف أطيافه، سيجد مفقودين وقتلى و مظلومين وفقراء. إنها ليست سوى معادلة الموت الناتجة – بطرفيها – عن التسلط و الاستبداد و التفرد.

مجاميع جهَلة

ـ في الأحداث و الأزمات، تطفح مواقع التواصل بآراء مرتاديها، كيف تقيّم هؤلاء المرتادين لمواقع التواصل و آراءهم؟

= مجاميع من الجهلة، وناقصي التأمّل والرؤية البعيدة، يجتمعون في باحة دار واسعة، و يطبلّون بكلمات ناقصة مبهمة دون نهاية. فارغوا أعمال، لديهم فائض من الوقت ورغبة في الشهرة.

هدم يومي

ـ كيف تقيّم أداء الفضائيات العربية في الموضوع العراقي خصوصا، والموضوع العربي عمومًا؟

= إنها أدوات هدم يومية مفتوحة على مصراعيها، دون رادع أو معيار رسمي أو مهني. إنها كائن متوحش بامتياز.

تقلب المعنى

ـ إذن أنت لا ترى أدوات الحياد أو الموضوعية متوفرة في الإعلام العربي؟

= القول بحيادية الإعلام العربي أمر مُحال، ولا يمكن تحقيقه. إنّ صناعة المشهد ليست صعبة على صاحب الهدف المحدد، بسهولة شديدة يُغيّب الإيجابي ويُبرز السلبي، و بسهولة أيضًا يقلب المعنى إلى العكس. الإعلام العربي سلاح فتّاك بيد القتلة.

خارجك

ـ كعراقي خصوصًا، وكإنسان عاش تجربته ثانيًا، ما تعليقك على السؤال الذي يعايشه الناس في بلد متعدد الطوائف، حين يقول أحدهم لنظيره في الحياة، من أي طائفة أنت؟

= لا تسأل صديقك هذا السؤال.. فإنّك إن فعلت فسوف تحيّزه خارجك، سوف تضعه في منطقة سوداء خلف وعيك، سوف تخرجه من وعيك بالحياة وتحرم نفسك قبل أن تحرمه، من متعة المحبة في فضائها الإنساني الجميل.

لا شيء

ـ كيف يمكن تجاوز هذه الحالة، إلى الفضاء الإنساني؟

= أعطه حرية الحركة في مسافاتك و سوف يخجل أن يطأها، سوف يحترمها جدًا و لو كان في داخله غرس إجرامي، أو تراكم جاهل، إنك سوف تنقذه من فقده لنفسه و وعيه و نظرته، إنك لست الغالب حين تدخل معه في صِدام من أجل لا شيء، سوى ذلك الوهم البعيد الذي ورثته عن وهمك الضيّق، وربما عائلتك البسيطة الطيبة التي لم يكن أفرادها على ما أنت عليه اليوم من وعي و حركة و تعليم و حداثة.. إنك ستخسر و تجبره معك على الخسارة، و يصبح لدينا خاسران يتكاثران في المحيط المكاني الأول ثم الأوسع..

إرهاب

ـ لعلنا يمكن أن نتفهم الاحتقان من بعض الكويتيين ضد العراقيين كشعب و إن لم يكن مبررًا بالطبع، لكن هل رصدتم حالات غير كويتية؟

= في الأردن، لم يكن أحد يتبرأ من الزرقاوي في وطنه، و لم تصدر إلا إشارات الفخر و الاعتزاز. لكن حين بدأ الزرقاوي يقوم بأعماله الإرهابية في الأردن، أدانه الأردنيون.

وهذا يعني أن أعماله في العراق لا تعنيهم و لعلهم فرحون بها. مثلما فعلت أسرة أحد الانتحاريين من جماعته حين أقامت عرسًا لذكراه بعد أن أحال نهار مدينة الحلة العراقية إلى ليل دموي.

 سيف مسلط

ـ يبدو أن العراق عصيٌّ على التمييز بين أزمانه، فدائمًا هناك دكتاتور، وسيف مسلّط على الرقاب، وتشتبه على المتابع الأحداث لفرط ما تتشابه بين عصر أموي وعباسي، و بين عثماني و صدّامي؟

= إن هذه الأحداث تؤكد حقيقة التميز الذي أُصيب به هذا الحيز الجغرافي الذي نسميه العراق، بلاد ما بين النهرين، أو بلاد بين سيفين. هذا التميز جعله في أصعب مناطق التاريخ و ليس الجغرافيا و حسب.

تعطيل

ـ تشير إلى حالة الطقوس والمهرجانات الدينية الجماهيرية في العراق إلى شيء من ضرورة المراجعة، و تصف كثير منها بالحالة المهرجانية الساذجة، مثل ظواهر إحياء مناسبات عاشوراء و غيرها؟

= لا بد من تساؤل واعٍ  وليس طائفياً أو متحيزاً، أما يكفي إحياء المناسبة بشكل علمي وثقافي، كالندوات الفكرية و الأمسيات الشعرية و مظاهر العطاء و البناء؟

بعيدًا عن التعطيل الواسع لحياة المجتمع الحديث، الذي يتطلب حركية سريعة تناسب المعطى الجديد في الألفية الثالثة.

ليسوا وحدهم

ـ ما مأخذك على طريقة الإحياء هذه بهذا الشكل الجماهيري المهرجاني؟

= من أبرز معالم هذا السلوك هو التقوقع في حيز ضيق اجتماعيا وفكريا، و حتى سياسيا و اقتصاديا. لأن هؤلاء الناس ليسوا وحدهم يعيشون في هذه الحياة، فثمة آخرون لهم رؤية مغايرة.

أهداف الإنسان

ـ ما الذي حفّز هذا النقد لهذه الظواهر لديك؟

= المرارة التي خلفتها حادثة جسر الأئمة في سبتمبر ٢٠٠٥م. تلك المرارة خلقت لدي العديد من الأسئلة:

هل اكتفى هؤلاء الناس من الحياة بكل متطلباتها وحققوا أهداف الإنسان الجديد؟

هل أكملوا دوراتهم في العلوم و ألبسوا أطفالهم و علموهم؟

هل شبعوا من الماء الصالح للشرب؟

هل فهموا أهمية الفرد في المجتمع وأهمية قدراته الذاتية لتحسين الظروف بدلًا من الانسياق جماعات متسخة بعرق الجهل والضياع هتافًا و صراخًا و لطمًا و شعارات؟

تحريض

ـ ربما يتلقى هؤلاء هذه الأسئلة على أنها تحريض ضدهم؟

= معاذ الله أن تكون هذه الأسئلة تحريضًا ضد أحد، لكنها تحريض على الحياة. و أن الموقف التاريخي للإمام الحسين(ع) لا يستدعي هيستريا البكاء و اللطم و إراقة الدماء طواعية، و إنما يستدعي البناء و التقدم.

خصوصية كاملة

ـ يُنسب إلى الموسيقار محمد بن عبدالوهاب قوله: “إن معظم الأغاني العربية تدور في فلك الأغنية المصرية باستثناء الغناء العراقي “، لماذا في رأيك؟

= إنها خصوصية كاملة، من ناحية الروحية و الحنجرة و النغمة المرتبطة بالمكان، بما يجعلها خارجة منه و ليست آتية إليه. المطرب العراقي لا يريد أن يغني لأجل الغناء، إنه يعبّر عن حالته الحقيقية وهو جزء من أسباب التفرد في عموم النتاجات الإبداعية.

ذاكرة واسعة

ـكيف تيسّر لك سرد كل هذه الذاكرة الواسعة، التي تتسع باتساع تاريخ العراق و جغرافيته، و تجري مع الزمن كجريان رافديه؟

= الذاكرة تفتح نوافذها فجأة، حين يشتغل الإنسان في فضاء الكتابة! كل شيء يأتي دفعة واحدة، و عليك أن ترتب الرفوف قبل سقوطها في التلاشي.

مأساة العراق

ـ أخيرًا، أشرت إلى معاناة العراقيين مع أشقائهم العرب الذين لا يريدون فهم المأساة العراقية بكل فصولها، و دائمًا ما يجدون مبررًا للدكتاتورية، و مخرجًا للإرهاب، و حجة لنزف الدم. هل لديك ما تريد أن تقوله للقارئ و لهم و لأي عابر يقرأ مفردة العراق بتشظياتها المختلفة؟

= أنتم لا تعرفون لماذا العراق مرتفعٌ مثل مسيح على صليب أبدي!

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com