أهي جزءٌ من حضارتنا حقًّا؟

سالم الأصيل

 

أليس ثمة فرق بين ما يولد من صلب الحرية، من الفنون والآداب والثقافة الأصيلة بل والعلوم حين تكون بنات كريمات من نبات وبنات الحرية؛ وما يولد تحت سياط العبودية والاستعباد، الرّق والاسترقاق، السُّخرة والتسخير، لإحلال ثقافة مكان ثقافة، ودخالة تدفعُ أصالة لتستبدل مكانها؟

كثيرٌ، كثرةٌ كاثرة، تشير اليوم إلى آثار وتراث وُجد على الأرض، دون أن يكون مؤكدًا أنه ابنٌ أصيل من بناتها، يُصوّر هذا التراث، العمرانيّ على وجه الخصوص، وهو ما نقف عنده متسائلين هنا، وأخصّ بعض القلاع الضخمة التي أمست اليوم علامة من علائم الإرث “الحضاري” و”المدنيّ” الذي تُعرَف وتُعرّف به هذه المنطقة، على أنه أصلٌ أصيل من حضارة هذا المكان، وإنسانه الأول.

بينما لو بُذل أدنى النظر لوجد الواجد بعض هذا الذي يُروّج له قليله وكثيره – سهوًا أو جهلاً – إنّما هو حضارة قوم آخرين، شُيّدت لتكون حصونًا لحماية المستبد المحتلّ من المغتصبة أرضه. ويا أسفي إن كانت حضارة وثقافة احتلال، احتلالٌ وإحلال، ليس يجمع بينه وبين هذه الأرض من علاقة، إلا علاقة المُحتلّ بالمستَحَّل. المستعبِد والمستعبَد. فما يكون هذا الذي يُفاخَرُ به من بنيان وعمران إلا قائمًا على ظهور مكسورة محنية سُخرة واستعبادًا.

ليس الحديث رفضًا للجهد والكدّ والتعب والنَصَب في تحصيل لقمة العيش، ولا الجهد المبذول من أجلها، ما تفرضه الحياة في سبيلها، وإلا فهنالك النخلة، تلك السامقة الشامخة الأحرى، الجديرة بأن تمثل المفردة الحضارية العنوان حقًّا لهذه المنطقة، قولاً وفعلاً، أن تشمخ برمزيّتها العالية منذ الجذور حتى الرأس وهي تنشر ظلال سعفها وتمدّ عذوق ثمارها في سماءٍ عاليةٍ مغدقة بالثمار والظلال وكلّ مفاصل صِلَتها وارتباطها العميق بإنسان هذه الأرض، من مهده إلى لحده، دالّة على عمق ورسوخ حضارتها، لا سيما وملاحظة أنّ الزراعة هي أصل الحضارة الأول الذي أخذ إنسان هذه الأرض الأول إلى استيطانه هذه الأرض، وتأسيس علاقته الطويلة بها، علاقة الأم بابنها، أما هذه فنراها للأسف إلى اضمحلال وزوال دون أصوات تصدّ أعداءها والمستخفّين بحقها. وإن كانت الزراعة نفسها لم تخلُ – كأي نشاط بشريّ – من الخضوع لقوانين البشر التي تُحكم سلطة القوي على الضعيف.

ولا الدعوة رفضًا للتداخل الحضاري والتبادل والتناغم الحضاري الطوعيّ بين شعوب وأمم الأرض، بوضع حدودها المقبولة التي تتشارك وتتكامل نظيفة من الأهداف الإمبريالية، قهريّة قسريّة. إنّما الحديث عن الاستخدام والسُّخرة للإحلال الذي جاء على ظهور الأجداد عبيدًا وخدمًا ومسخّرين في هذا الإحلال القهريّ، ثم يجيء الأحفاد – بحسن نية – يُثنون على حضارة بُنيت لتحلّ محلّ حضارتهم قهرًا، إنسانًا غريبًا بدلاً عن إنسانٍ قريب، وكأنه نسفٌ للمكان والمكين.

رُبّما بدا هذا تعصّبًا ونزعة، لكنه يُحاول التنبيه إلى حقيقة أو ما يشبه الحقيقة التي قد تكون غائبة عن بعضنا. إنّ هذا ليذكرني بتلك الفرضيّة القوية التي تقول إنّ “التاريخ إنّما يكتبه المنتصرون”، وما أخشى إلا أن تكون الحضارة والمدنية إنّما يرسم حدودها وخطوطها ومعالمها الأقوياء، ثم يُحمل أحجارها وطوبها على ظهور المستضعفين والمستعبَدين.

لِوَهلة، قد يبدو هذا الكلام رومانسيًّا، غارقًا مستغرقًا في بحر الأنا وظلمات الذات المنعزلة غير المتفاعلة مع الحضارات الأخرى، كما ينبغي للحضارات البشرية أن تتناغم وتتكامل وتتعارف، وقد يبدو هذا بعيدًا عن سيرة الواقع التاريخي التي تقول أن لا حضارة تُبنى إلا بتدافع وتعارض في المصالح وإثبات الوجود.

لكنّ ما يؤلم هو الجهل بسيرورة بعض مكونات ما بات يُعرّف ويُقدّم على أنه حضارة تدلّ على الهوية، وكأنه جزؤها الطوعيّ الأصيل، وما ذاك في نظري إلا مشابهًا المفاخرة بأبناء لم ننجبهم، على أنّهم من أصلابنا. ولعلّ تحليل الحمض النووي – التاريخيّ هنا – قادر على كشف دحض هذا الاشتباه أو تثبيته.

لستُ متأكدًا، لكنني هنا أتساءل.!

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com