ولكنْ سَلِيقِيٌّ يقولُ فيُعربُ…!

حبيب محمود

ربما مرّ ببعضكم ما مرّ بمثلي في أيام الشباب، حول ما أُشيع عن فصاحة محمود سامي البارودي السليقية. الشاعرُ ـ المصنَّف رائداً لمدرسة الإحياء ـ لم يكن بارعاً في نحو اللغة وصرفها. إلا أنّ في سلامة شعره شهادةً تُغنيه عن تعقيدات اللغويين والنّحاة. صحيحٌ إن كلمة “السليقة” لم تعد أخّاذةً كما كانت قبل قرنين، إلا أنها تعنيْ ـ ببساطة ـ تلك الحساسية البارعة في أداء اللغة.

النحو والصرف من المعارف. واستعمال اللغة سليمةً مهارة أدائية. لم يحتج شعراء السلف إلى النحاة قدر حاجتهم إلى تربية حسّهم وذائقتهم. لكنّ الثلمات الأولى التي أصابت اللغة؛ ولّدت حاجةً إلى تصنيف معارف مُستقرأة من الموروث النصّي الناجز. وُلدت علوم اللغة لتكون قواعدَ. وما يحتاجه المشتغل في الأدب؛ هو الإفادة من النحو في صقل حسّه وذائقته. هذا لا يعني أن عليه أن يكون نحويّاً أو عروضياً أو عالمَ بلاغة. بل عليه أن يستوعب اللغة؛ فينحت منها ما يمنح براعته القدرة على توظيف اللغة في إبداعه..!

تماماً كما يعي الرسّام الضوء والظل، والكتلة والفراغ، والمنظور، ونتائج مزج الألوان. وكما يستوعب الموسيقيُّ ثنائية الإيقاع والنغم، والسلم الموسيقي، والمقامات، وسائر مواضعات الفنّ. ثم يعمد كلّ منهما إلى ما يرفد إبداعه عملاً بالقواعد، أو خروجاً عليها عن وعيٍ ومغامرة. لا عن جهلٍ وعناد..!

لا تكن نحويّاً أيها الشاعر، وأيها الكاتب، وأيها القاص، وأيها الناقد. لا تتحدث وفي رأسك الكسائي ولا ناصيف اليازجي. بل تحدّث وفي قلبك ذلك النبض الذي يأنف أن يرى حبيبته/ الكتابة تمشي عرجاء..! ولسوف تستمرُّ عرجاءَ، ما لم يتصل نبضك بمنابع اللغة وحدائقها ونخلها وأشجارها..

ولستُ بنحويٍّ يلوكُ لسانَهُ

ولكنْ سليقيٌّ يقولُ فيُعربُ

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com