[40 حكاية: 8] هل قضى المجتمع نفسه على “الزواج الجماعي”…؟!

مصطفى الشعلة

18 ربيع الأول 1420هـ، أي قبل عقدين من الزمن قررتُ الزواج!

كنتُ حينها غضًّا يافعًا لا يتعدّى عمري الواحد والعشرين ربيعًا، وفي عامي الأول من حياتي الجامعيّة. أتذكّر مشرفي الأكاديمي في شركة أرامكو حذّرني من مغبّة الخطوة الجريئة، وسرد لي قصصًا لطلّابٍ سابقين قرّروا الزواج مُبكراً للحصول على المكافأة الإضافيّة، لكنهم “تعثّروا وفشلوا في دراستهم بسبب قرارهم الخاطئ”، على حدّ تعبير المُشرف.

لا أدري إن كان قراري خاطئًا أم صائبًا، ولا أستطيع أن أعمم تجربتي على الآخرين.

لكن ما أتذكره أن أفضل تحصيل جامعي لي هو في عام دخولي القفص الزوجي! يبدو أنّ الزواج المُبكر حقق لي الاستقرار العاطفي.

مرةً أخرى لا أستطيع تعميم تجربتي على الآخرين، فكلّ له نظامه العاطفي وقدرته الخاصة في التوفيق بين دراسته وعمله وبين حياته الخاصة والزوجيّة.

أعتبرُ نفسي محظوظًا لأنّي عشتُ في حقبة ذهبية كانت مناطق القطيف وقُراها تتسابق في تنظيم مهرجانات الزواج الجماعي في أحلى صوره. شعورٌ لا يوصف عندما أرى كلّ أبناء قريتي يعملون بجدّ في ليلة زفافي بمعيّة نيفٍ وعشرين عريّسًا وكأن القرية بأكملها زُفّت لعريسها!

قبيل المهرجان بشهورٍ عديدة تُشكّل لجنة تطوعيّة خاصة لتنظيم المهرجان، ينخرط فيها العشرات بل المئات من المُتطوعيّن من أبناء المنطقة. ينتسب المتطوعون إلى لجان فرعية مثل لجنة الإعلام، ولجنة العلاقات العامة، ولجنة الضيافة، ولجنة التغذية، ولجنة التشريفات، ولجنة الاحتفال، واللجنة المالية، واللجنة الثقافية وغيرها يعملون ليل نهار استعدادًا لتلك الليلة الموعودة!

تتنافس المهرجانات في مُختلف المناطق على مُستوى التنظيم بدءًا من تزيين المُخيم، وخطّة حركة السيارات والمواقف، واستقبال الضيوف، وتنظيم الأفواج من الضيوف، وتقديم وجبة العشاء، وفقرات الاحتفال وتكريم الرعاة، والاهتمام بالمعاريس وذويهم. كلّ هذا مُقابل مبلغ بسيط لا يتجاوز ستة إلى عشرة آلاف يقدّمه كلّ عريّس!

لا أظن أن اثنين يختلفان في أهمية أصل فكرة مهرجانات الزواج الجماعي، ليس فقط في مساعدة المتزوجين وتوفير المصروفات، بل أيضًا في تأصيل مبدأ العمل التطوعي الجماعي، وتعزيز مبدأ التعاون المُشترك بين الأهالي، وتقليص مظاهر الإسراف والبذخ في المُجتمع.

 إذًا لماذا اختفت هذه الظاهرة الاجتماعيّة في القطيف وطويت في صفحات الذكريات؟

لعل هناك من يلقِي اللوم على اللجان المُنظَّمة ذاتها التي ربما لم تهتم بعنصر الاستدامة في عملها، والتخطيط إلى تفويض العمل الإداري إلى دماء شابة وجديدة، أو لعلّها ا نحرفت نوعًا ما عن الهدف المنشود وبروز مظاهر البذخ في تنظيم المهرجانات.

قد أتّفق نسبيًا مع هذه الأسباب، لكنّي أرى السبب الرئيس هو المجتمع نفسه، وليس القائمين على المهرجانات. يبدو أن مستوى الوعي في محاربة البذخ في مناسبات الزواج في انحدار، خصوصًا مع العنصر النسائي، فأصبح من المُحال ـ تقريبًا ـ إقناع العرائس في تجميعهن في صالة واحدة بحجة “هذي ليلة العمر” أو “أبغى زوجي يشوفني على الكوشة” و و من الأسباب التي لا تُعد بالمرّة.

أسباب جوهرية تستحق النظر إليها مقابل خسارة المجتمع ظاهرة اجتماعيّة ذهبية! وللأسف أصبح الفرد لا يستطيع مقاومة الرأي العام والأعراف الجديدة فترى الأهالي يتحمّلون الديون الباهظة فقط حتى لا “يكسر أحد خاطر بنته”!

وحتى لا أكون سلبيّا في طرحي؛ هناك في المُقابل ظواهر جديدة وإيجابية مثل في ضيافة “البوفيه المفتوح” التي تُعتبر فكرة ذكيّة في الضيافة فهي أفضل بالتأكيد من تقديم الكيك وأيضاً أوفر بكثير من تقديم صحون الرز مع اللحم!

يبقى مُجتمع القطيف مُتفتّحًا وقابلًا للتغيير، والمعوّل على عقلاء المنطقة والناشطين الاجتماعيين في عودة مهرجانات الزواج الجماعي مرّة أخرى بحلّة جديدة وذكيّة.

#أربعونحكايةفيأربعونعامًا

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com