ياسر الغريب سادن الجمال واللغة قراءة في ديوان "المقفى على آثارهم"

علي مكي الشيخ

 

استهلال

بين القصيدة والشعرية مسافةُ وعي لكائن اللغة المتشح بكينونة الجمال والمتمظهر برشاقةِ الإيحاء لحظة بوحٍ رسوليٍ..

بين القصيدة والشاعر رحلة اكتشافٍ ومغامرةُ قلقٍ دائمين.. يسيران بخصومةٍ لذيذةٍ وعنادٍ باهر.. بين القصيدة والدهشة موتٌ قليلٌ ويقظةٌ بيضاء يقول أحمد بخيت:

أنا ضيفٌ على الدنيا

            وأوشك أن أودعها

ولدتُ بحضن قافيةٍ

            وأختم رحلتي معها

وغاية شهوة الكلما

            ت أن تغتال مبدعها

بين القصيدة وقارئها.. نبوءةُ انزياح المعنى، وصياغة العدم بممارسة التأويل، ومحاولة تحرير النص من سلطة الكاتب إلى تعدد القارئ وسلطته. فالقارئ مؤلفٌ ضمنيٌّ كما يشير رولان بارت بين القصيدة والقصيدة.. مشاكلة واختلاف، صيرورةُ تعالقٍ استفزازيٍ بكثير من التحرر وقليلٍ من المصالحة.. وبينهما تختمرُ لذةُ النص فيتحدثُ الكلام عن الكلام، وتمتلئ اللغة باللغة…

المقفى على آثارهم

بطاقة دخول..

ياسر الغريب.. يستضيف قارئه بكثير من الوعي، يرتبُ أشياءه التي علقها على فضاءات الكلام، يهندم اللغة داخل اللغة يتقاسمُ معه رغيف الجمال ورائحة الوحي ليسهر معه في ذاكرة النصّ وهما يحتسيان الشك الذي ينتهك الفردانية في العمل الأدبي.. وربما يطول الحديث وبينهما تدار كؤوس النشوة المغموسة ببلل الإدراك غير المتعمد..

في ديوانه “المقفى على آثارهم”

يختزل في تجربته الكثير من آليات الوعي والاختيار الإبداعي للذائقة، يستظلُّ بتقانةٍ عاليةِ المضامين ويعرضُ رؤيته برويَّة الحكيم الغارقِ في المطلق الجمالي يستغفرُ زبد اللهفة المتسكع على جدران القصيدة، ويطيل عُمْر المفردة بين مثيلاتها داخل أروقة البلاغة ويجمعُ ما تساقط مِنْ زغب ملائكة المعاني لآلئ أبكار الأفكار..

ومن خلال مسيرته الشعرية في هذا المنجز الشعري وهو يرتدي بردة فاعلية القيم الدلالية في تأصيل وتأسيس حقائقه المعرفية والأنطلوجية يحاول أن يفصح عن هُوَيته الذاتية..

يقول:

هذا أنا سادنُ الذكرى وما تعبت

عين الوفاءِ التي ترعى الهوى رعيا

ويتماهى الشاعر بمعتقده الذي ينتمي له فيصرح لنا:

تموجُ هُوياتٌ، وأسأل مَنْ ( أنا ) ؟

وتمتزج الذات امتزاجًا بمن نهوى

ويشيحُ الستار عن عقلانية النزعة وروحانيتها:

أنا: العقل والقلبُ اللذان تساقيا

وصارا معًا ورحًا بأيقونةٍ نشوى

ويؤكد في صورةٍ متجذرةٍ في حقانية الحبِّ والمبدأ رغم قساوة الغاية وبعد المسير..

أنا الولائي مازال الطريق إلى

وادي النعيم رهين الناب والظُفُرِ

هذا أنا بين أيامٍ مبعثرةٍ

وقاب بيتين شعرٍيين مِنْ قدري

أنا الولائي مهما كنت منفردًا

وحدي هناك بعيدًا مثلما الجُزُرِ

الشاعر المختلف/ المشبيه.. الذي يبحث عمَّن يشاطره الحُداء..

لي غربةٌ خارج المعنى تحاصرني

مَنْ ذا يشاطرني في كربتي النأيا ؟

كأنني ( طرفة بن ( العيد) مغتربًا

مابين موجين مِنْ موتٍ ومِنْ محيا

وهو الشاعر الذي يلتحف اليقين رغم تشاجر الألوان والمشارب

فأنا ( الأعشى ) الذي مِنْ حوله

تلتطم الألوان في درب اليقين

شاعر يحرث الوقت ليكتب سيرته الذاتية على جذوع نَخْل القطيف لتمتد به أبدية الخلق والابتكار..

ما أنا إلّا ( قطيفيُّ ) الهوى

            أحرث الوقت وأستسقي الشعاعا

أنا مِنْ نسل المواويل التي

            تُشتهى نبضًا، وتُلْتذُّ استماعا

سيرتي الذاتية امتدت كما

            نخلةٍ تفترع الدَّهر افتراعا

وأٌنا أنتِ..قطيفٌ واحدٌ

            والمسافات بدت وهمُا /خداعا

هذه بعض رشحات رصعها ياسر الغريب في بطاقة تعريفية لشاعر منجذبٍ يتموضع حيث شاء له الجمال والإبداع والمكانة على أرض الحضارات.

تأملات في المقفى على آثارهم

أما الحديث عن ديوان الشاعر الغريب.. والدخول إلى عوالمه فهذا فضاءٌ واسعٌ يمتدُ بامتداد البياض على فضاءِ الخيال..

لأننا أمام شاعرٍ امتلأ وعيًا، وتدفق رؤيةً وامتزج إيقاعًا، واستوى على جوديِّ مجازه مِنْ غير سكونِ واستسلام تحتشد لديك العناوين وأنت تقرأ وتدخل هذا الديوان مِنْ أبوابه المتفرقة حيث قال لنا الشعر أنْ لا ندخُلهُ مِنْ بابٍ واحد..

فموضوعات شتى تتجلى بين ثنايا هذا الديوان الذي حوى أكثر مِنْ 52 عنوانًا توزعت كأوراق الجنة في مروج اللغة المنقوشة بأنامل الضوء..

ومن تلك العناوين التي تراءت لي وأنا بين يدي هذا المنجز..

– التناص الشعري أبعاد التعدد والاختلاف في شعر الغريب..

– شاعرالماء..وخصوبة اللغة المائية حضارة الماء واللغة.

– شاعر القيم..بين القيمة الإبداعية والعقلية الثقافية

– ببلوغرافيا الشعر في ديوان الغريب التنوع إثراء وتجديد.

– تقنيات الوعي الشعري وأسلوبية الابتكار.

لكنني لن أتحدث عن كُلِّ هذه المسارات الرائعة والممتعة في الديوان وسأقتصر على مادتين فقط..

– المادة الأولى:

تجليات اللغة في شعر ياسر الغريب..

سيتضح مِنْ خلال التحليل والقراءة الاستطلاعية لهذا الديوان أن الشاعر ياسر الغريب شاعر احتفى باللغة العربية واللغة الشاعرة بشكل لافتٍ وجَلِيٍّ لأبعد الحدود ذلك لأنه كائنٌ لُغوي أصيل وسيقسم اهتمامه وتماهيه باللغة إلى عدة صور شكلها الشاعر على مساحة الديوان بأكمله ممَّا شكل ظاهرةً شعريةً منفردة قَلَّ مَنْ يتلبسها بوعيه الأدبي.

1- الصورة الأولى: (انتقائية المعجم اللفظي)

مِنْ صور اهتمام الشاعر باللغة معجمه اللغوي الكثيف وهذا قد يشترك معه كثير من الشعراء الذين نضجت تجاربهم واكتست لغتهم بعمق اللغة ولكن الغريب يتجه لأبعد من ذلك نجده يستخدم بعض الالفاظ بتصريفٍ لغوي خاص قد لا يشترك معه أحد في استخدامها بشكل ملحوظ ونقرأ له قوله:

1- تأنسن فيك الطيبُ حتى كأنه

لديك صديقٌ مِنْ أجلِّ الأصادقِ

– فلفظة”الأصادق”صيغة ( أفاعل ) جمع صديق

وقوله:

2- أتيتك بالشعر الرسالي حاملاً

 عقيدة غصنٍ بين جنبيَ وارق

هنا كلمة ( وارق ) أي مورق جاءت على وزن ( فاعل )

3 – تضمُّ على اسم الله مختلف الرؤى

  قبائل شتى مِنْ عديدِ المعارق

لفظة المعارق.. مرادفة للأعراق – عرق.. امتداد النسب

4- سلامًا أبا الزهراء.. دنياك سيرةٌ

 معطرة تُهدى إلى كلِّ”ناشق”

ناشق.. مِنْ نشق أي شمَّ الشيء..

5- ومِنْ مُغرِقٍ في كأسه كلَّ رأسه

إلى مصبحٍ بالمحكمات وغابقِ

غابق: فاعل مِنْ غبق.. والغبوق ما يُشربُ بالعشي..

6- قصائدي فلذات الروح أرسلها

 مدموغةً بدمائي واشتغالاتي

– مدموغة = مصبوغة

7- حين اصطفته الأبجدية مخلصًا جعل السماء له مثابة طرسه

8- لم تذقْ أرشوفة رغم الظَّما  وتزودت مِنَ الإيثار نهلا

– أرشوفة = أي رشفة

9 – أهواك في صورة الغيب التي اتحَّدتْ

 فيها الحقائق في أبدوعةِ الصورِ

– أبدوعة.. في بدعة الصور وإبداعها..

10- الرفضُ أحفورةٌ في بطن أزمنةٍ مَنْ ذا

  يرى بُعدها النائي ويكتشفُ ؟

– أحفورة..”بقايا أثر أو بقايا نباتات أو حيوان كان يعيش منذ آلاف أو ملايين السنين”

11- فروسية الضوء انتشت بين جنبهِ

  فلم يقتعد إلا براقًا مُطهَّما..

الفعل ( يقتعد ) مصدره اقتعاد.. واقتعد الدابة: اتخذها مطية ومركبًا..واقتعد صاحبه عن العمل: حبسه عنه وهي تفيد المغالبة.

إذن هذا الملمح يتضح فيه اهتمام الشاعر الغريب باللغة مِنْ خلال انتقائه للمفردات اللغوية وتعامل معها برهافة الحس دون إشعارك بأي نشاز بل كانت منسابة مع تركيب البيت وتناسق الفكرة.. إذن للمفردة انتقاؤها هنا وللمفردة خصوصيتها في معجم المقفى على آثارهم.

2 – الصورة الثانية: التي يحتفي الشاعر باللغة الشاعرة هو استخدامه المكثف للمصطلح التخصصي في جميع مناحي الآداب العربية حيث أعطى كلَّ مسارٍ ألفاظه بكلِّ أمانةٍ وتقانه فحين تقرأ عن الشعر ستجده يستحضر المصطلحات الشعرية والعروضية والبلاغة حاضرة برموزها وإشاراتها ومرجعياتها المصدرية ونلحظ النحو ومفرداته تحضر بكلِّ وضوح وألق.. وحتى دروس النقد الأدبي نجد رائحة اللغة الناقدة في مفرداتها تتكشف بين يدي مدرسها الشاعر حاضرة.

– فمن مفردات الشعر والعروض..

1- من نص: ( ماتيسر من كرْمَة الشعراء )

سريتُ إلى المعنى،وفي كلِّ رحلةٍ

(فعولن مفاعيلن )لكي تزن الدربا

وسافرتَ في (البحرالطويل) إلى المدى

لتحصد مِنْ أعماقه اللؤلؤ الرطبا

كأنَّ (الفراهيديَّ)أوصاك راجيًا

فوفَّيتَ لم تهجرْ ( عروضا)ولا ضربا

تجودُ على كلِّ (التفاعيل)رأفةً

فتفعيلةٌ ظمأى، وتفعيلةٌ سغبى

2- وفي نص أنت إلا العراق:

عمرك الآن.. عمر القصيدة في زحفها المتدارك مفعمة بالصهيل

3- ومن نص ( في خيمة الفراهيدي ):

هذا العروضُ مزارٌ حين تدْخُلُه

تحسُّ بالوقت في ساعاتنا وَترا

تأنسن الشعر في أبهى ملامحه

فحين يبدو ترى أبياته بَشرا

لا وزن للشعر إلاّ وزنُ قافيةٍ

تُعيدُ مِنْ خرزِ الأيام ما انتثرا

أما القوافي فلم نختر نهايتها

فهي التي ترتمي في دربنا قدرا

مابين ( شطرين) مِنْ أرضٍ إلى أفقٍ

نمتدُ حيث رؤانا تتبعُ الأثرا

لا يصبح الشعرُ شعرًا في حقيقتها

إلاّ إذا صار فينا السمع والبصرا

– ومن معجم البلاغة ومفرداتها..

1- من نص ( الحسين خارج الأقواس ) يقول:

 هي الطفُّ تنمو في خلايا قصيدتي

  كأنَّ حصانًا في المجاز امتطيتُهُ

2- ومن نص ( بكاء خارج المعنى ):

تراءت لروحي ( كربلاء ) بِقُدْسها

حقيقية المعنى”مجازية المهوى !!

فَلَمْ ألفُ فيها غير ذات تجاوزتْ

حدود المعاني، ماوجدتُ لها صنوا !!

3- وفي ( كليم النهر ):

  يا مجازيًّا حقيقيَّ الرُّؤى

  ما رأت عين المرايا لك مثلا

4- أما في نصه ( هواجس ناضجة ):

ثوبي الذي نسجتْهُ كف حقيقتي

يحلو به مِنْ تورياتي مِعْطفُ

وأما النحو ومفرداته فكثيرة أيضًا ومتنوعة:

يقول:

1- مُذْ تفهمتُ دروس ( النحو ) أحْسَسْتُ بأني

 في هواك العذب أصبحتُ ( المضاف )

2- مِنْ نص ( بشارة استسقاء ):

ناديتُ رَمْزَكَ في خضمِّ تشتُّتي

عذرًا إذا سقطتْ حروفُ ندائي

* ومن مصطلح النقد نتذَوَّقُ بعض استخداماته:

1- أنا العقل والقلبُ اللذان تساقيا

 وصارا معًا روحًا بأيقونةٍ نشوى

معادلة ( الفتح المبين) تكوَّنَتْ

بحرية المسرى،وبوصلة التقوى

2- من نص ( الضفة الأخرى من القمر )

حريتي شعلةُ الإنسان أحملها

خلف المسافاتِ رمزًا خارج الأطُرِ

3- سماوات معاصرة:

فجِّرْ بنا طاقة المعنى مكوثرةً

وأسرج اللغة العلياءَ قنديلا

4- سيرة مرصعة بالنجوم:

وأحرفي بانزياح الشعر هائمةٌ

مِنْ فرطِ حبك ناداك الفؤاد أبي

5- النجف اللحظة المشتهاة:

تأنسنت الأرض

حتى سمعت النخيل – تنيمُ عصافيرها في

  مهادِ السكون –

مِنْ كل ما سبق نستشفُّ أننا أمام شاعرٍ متجذرٍ في اللغة احتفى بها وأخلص لها فامتزجت بنسيج كتاباته حتى صارت مختمرة به وأصبح متلبسًا بها..

شاعرٌ امتلأ وعيًا فتدفق أريحيةً فارعة، يمارسُ النقد بلغته الشاعرة ويسبرُ المنهج المعرفي بذائقةٍ جمالية يتجانسُ مع حرفه بأدواتِ الفن الشفيفة..

فالقصيدة لدى الشاعر ياسر الغريب مشحونةٌ بالكثير من الرؤى والوعي الثقافي، القصيدة قراءةٌ ابستملوجيةٌ متنوعة حيث يتنوع الواقع وتنمو المعرفة وتتطلب المرحلة، فهو شاعرٌ مشغولٌ بثقافته.. إذ يقول:

  صُبَّ لي مِنْ حليب الثقافة كوبًا

  لأسرج روحي به في الصباح

  وحتما سأصبو لنكهته بعدما أنتهي

   مِنْ صلاة العشاء

وجديرٌ بنا أن نلقبه بسادن اللغة والذكرى والجمال يقول عن نفسه:

 حَسْبُ روحي بـ ( آل النبيِّ ) افتخارًا

  بأني نذرتُ حياتي لأبقى لهم

   سادن الذكريات

– المادة الثانية:

كان الرسام الأمريكي واشنطن ألستون هو أول مَنْ استخدم مصطلح المعادل الموضوعي قرابة عام 1840م، لكن إليوت أحياه مِنْ جديد في مقالته المؤثرة عن هاملت في عام 1919م.

والمعادل الموضوعي له مستويات في الاستخدام أولها الاستخدام الاستعاري كقوله تعالى ( واشتعل الرأس شيبًا ) وهو إبدال شيءٍ بشي وهو ( امتلأ ).. وهنا استبدال مفردة يدل أخرى وقمة المصطلح أنه الأداة الرمزية المستخدمة للتعبير عن مفاهيم مجردة كالعواطف التي لا يمكن التصريح بها فيقدمها مِنْ خلال أدواته الرمزية التي يلجأ إليها.

ولن نطيل في استقصاء النظرية وتأسيسها ولكن لمجرد فتح نافذة على هذا المصطلح وندخل به لتجربة الأستاذ ياسر الغريب في إبراز ملمحٍ أسلوبي مِنْ خلال الممارسة الشعرية والتي شكلت شبه ظاهرة بارزة في شعره نلحظه في حديثه عن شخصيات مهمةٍ في حياته نراه يعادلها بشخصيات تاريخية لها نفس العمق والامتداد الفني والثقافي..

وسأقف عند أربعة نماذج أبرز فيها الغريب معادلاته الموضوعية لدى ممدوحيه…

الشخصية الأولى:

“شاعر التين والزيتون

الشاعر معتوق المعتوق يعادله الشاعر بدعبل الخزاعي فيقول:

أراك ( دِعْبل ) تمشي، تلتظي حممًا

حتى حملت على أكتافِكَ الخشبا

– الشخصية الثانية:

في نصه ( فلسفة الجذر) في السيد عدنان العوامي يعادله بطرفة بن العبد:

والأرض ( خولةُ ) و ( ابن العبد ) مُتَّسعٌ

مِنَ الغرام وأمواجٌ مِنَ النجوى

– الشخصية الثالثة:

الشيخ عبد الكريم آل زرع في نصه

“ما تيسر مِنْ كَرْمةِ الشعراء”حيث يعادله بدعبل / وبالخليل بن أحمد الفراهيدي.. فعن الأول يقول:

 حملتَ المرايا منذُ خمسين نجمةً

 كما (دعبل) يمشي وَ ينتظر الصبا

وعن الخليل يصرح:

كأنَّ ( الفراهيديَّ ) أوصاك راجيًا

فَوَفيت لم تهجر (عروضًا ولا ضربا )

تجود على كلِّ التفاعيل رأفةً

 فتفعيلةٌ ظمأى، وتفعيلةٌ سغبى

 سريت إلى المعنى، وفي كلِّ رحلةٍ

 (فعولن مفاعيلن) لكي تزن الدربا

 وسافرت و(البحر الطويل) إلى المدى

 لتحصد مِنْ أعماقه اللؤلؤ الرَّطبا

– الشخصية الرابعة:

أنت إلاَّ العراق”في مظفر النَّواب”

وهنا لا يعادله بشخصٍ أو برمز تاريخي وإنما يعادله بالعراق لأنه تشابه والعراق بل يعتبره هو قامة العراق فيقول:

لا أسميك إلا المناضل

يطوي الدروب ويستشرف الأفق مِنْ فوهات الجراح..

حينما كنت في مدلهم النوى

تلتظي ساعة النفي معلنةً

أنت إلا العراقْ

في الختام يتضح لنا جليًّا أننا أمام كتابٍ مفتوح وفضاءٍ رحب، وذاكرة مملوءة، وملهمٍ يهندسُ إبداعه وحكيم تشجر باللغة العليا.. يطهو لك أرغفة المجاز لتستمرئ دهشته وعذوبته بشهية الأبد..

فمن روائعه:

يابن الأولى ارتفعوا في الكون منزلة

قدسية اللحن مِنْ قدسية الوتر..

تجددُ العشقُ في قلبي..وتمنحني

غواية الشجر الملتف بالشجرِ

وقوله:

أتسأل مخمورًا ترنح وافتنَا

وقد صار لا إنسًا تراه ولاجنّا

أتسألني عن فرقدين أراهما

مثنى الهوى سبحان سبحان مَنْ ثَنَّى

أسمي عليًّا في هواي محمدًا

ففي لغة العشاق يتحدُ المعنى

عرفتهما ذاتًا بذاتيهما معًا

كما يعرف الباري بأسمائه الحسنى

زر الذهاب إلى الأعلى

للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com