الأقزام والعمالقة 1/2

سالم الأصيل

 

وجد نفسه ضخمًا عملاقًا وهو بين صغار الأحلام والألباب، وقزمًا ضئيلاً حين كان بين ذوي الآمال العريضة والآفاق الواسعة.

في القصص؛ وسائر ضروب الفنون والأدب خاصة، يتمُّ التصوير والاستعارة والإرماز بالأقزام والعمالقة.

هذا ما أشار إليه الدكتور زكي نجيب محمود وهو يسوق مُقدِّمًا لحديثٍ مُعبِّرٍ في نكتة أدبيّة أراد أن يوصلها بطريقته الفذّة، وهو الذي جاز للبعض نعته أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء؛ في إثر هذا الوصف المسبوق الذي كان قد أطلقه ياقوت الحموي على أبي حيان التوحيدي في الغابرين.

سَاقَ الدكتور زكي نجيب محمود حديثه عن الأقزام والعمالقة في كتابه “قصة نفس” الذي غاص من خلاله فيما يشبه السيرة الذاتية النفسيّة، لحياته، مُعدِّدًا نفسه “مثلثة الأركان” في ثالوثٍ من الشخصيات، إحداها كان إبراهيم.

منطلقًا في حديثه هذا عن الأقزام – على لسان إبراهيم- من التمثيل الأدبيّ بالقصة الشهيرة التي قرأها كثير منّا صغارًا “رحلات غوليڤر” لكاتبها جوناثان سويفت.

تلك التي يُحدّثنا عنها بأن كاتبها حين كتبها، إنما فعل ليسخر من أوضاع الحياة في وطنه من زمنه مستهدفًا إثارة عقولهم وأحاسيسهم و”قلقهم”، مُنبِّهًا إياهم من الوضع القائم، ولم يعلم أن الأمر ينقلب إلى تسلية القراء!

وهل أثقل من مصيبة تنزل على قلب الكاتب، مهما كان مؤمنًا بتعدد القراءات تبعًا لتعدد المدارك، هل أشقّ عليه من أن يغرق معناه في بحر من ظلمات الأفهام؟ أو تطفو شباك صيده على سطح تموج فيه الأوهام دون أن تصطاد عقولاً نبهة حاذقة المغزى، ثم لا تلبث أن تعود إلى الساحل خاوية على عروشها من فكرته التي أودعها طُعمًا.

الشاهد الذي نريد من سوق هذا الحديث، هو عرض رمزية الأقزام والعمالقة، كما عرضها “إبراهيم”، بين جوناثان وشخصيته “غوليڤر” في رحلاته، وزكي نجيب محمود وشخصيته “إبراهيم” في انتقالاته المتماهية بين ثالوثه في قصة نفسه، فلدى غوليڤر وانتقاله بين أرضَيّ الأقزام والعمالقة، أولئك الذين صوّرهم سويفت – أقزام وعمالقة- تِبعًا لحجم أفكارهم وضيق أو سعة آمالهم وتطلعاتهم ورؤاهم وعقولهم، وموقعهُ وحجمه وهو ينتقل بينهم.

مَضْرَبُ المَثَلِ لدى سويفت في موضع اهتمام الأقزام في أرضهم، قصة الطريقة التقليديّة لديهم في كسر البيض إذا ما أرادوا أكله، إذ كانوا يكسرونها من طرفها العريض، وهكذا فعل صغير الإمبراطور الذي جرح إصبعه وهو يكسرها بهذه الطريقة التقليدية. ما دفع والده الإمبراطور إلى إصدار مرسوم يأمر فيه أبناء الشعب بتغيير التقليد القائم، بأن يكسروا البيضة من طرفها الدقيق، وإلا عوقبوا عقابًا شديدًا.!

الأمر الذي أثار الشعب وأشعل فتيل الثورات المتتالية، ودفع لتأليف مئات الكتب في موضوع الخلاف، ومصادرة مؤلفات “أنصار كسر البيض من طرفه العريض”، وحرمانهم بحكم القانون من تولّي المناصب العليا.

لا شك أن هذا كله أضحك الرحّالة غوليڤر، هذا الذي ما إن انتقل إلى بلد العمالقة، حتى وجد نفسه قزمًا ضئيلاً، مقيسًا إلى اهتماماتهم وأفكارهم وآمالهم الكبيرة.

ما أشبه الأمر؛ وهكذا يكون الأدب، بين تلك القصة الخاصة المتخيَّلة، وبين ما هو واقع، بين ما جرى على غوليڤر في رحلاته، وما يدور في حياة وخَلَد كل واحدٍ مِنّا، وهو يقايس نفسه، بين هؤلاء وأولئك، بين موقعه من هذا الضئيل ومكانه من ذاك العظيم، أو بين ما يراه ضئيلاً، أو ما يراه عظيمًا، بتعبير أدقّ كما سنرى إثر فحصٍ أعمق.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com