بصمات العراق في المسرح السعودي

أثير السادة

 

تمنيت وأنا أطالع بفرح حضور السعوديين في معرض بغداد الدولي للكتاب أن يكون للحديث عن الحضور العراقي في التجربة المسرحية السعودية مكان في هذه الأمسيات المقررة لمقاربة العلاقات البينثقافية التي تؤسس لأشكال التفاعل والتأثير بين الضفتين، فهناك الكثير مما يمكن الاستدلال عليه من أشكال التواصل التي جعلت من تجربة المسرح العراقي رغم كل المحطات الاقتصادية والسياسية الخانقة التي مر بها هذا البلد ذات تأثير واسع وجوهري في اتجاهات الممارسة المسرحية عربيا وخليجيا.

الذين اعتادوا الحج إلى مهرجانات المسرح في الشارقة يعرفون حجم الحضور العراقي في المشهد الثقافي عموما والمسرحي على وجه التحديد في هذا البلد، حيث شهدت التسعينيات موجة نزوج لعدد من الأسماء الرائدة والفاعلة في مسرح العراق إلى خارجه، وكانت الشارقة واحدة من الحواضن الهامة التي أفادت كثيرا من استقطاب هذه الأسماء واستثمارها في تعزيز الوعي المسرحي وتطوير الممارسة الفنية على مختلف الصعد، سواء كانت الإخراج أو التأليف أو التمثيل، وحتى النقد الذي أطل من خلال المطبوعات الجادة التي ترعاها الإمارة.. لم يكن الأمر كذلك في المشهد السعودي الذي لم يذهب إلى خيار استقطاب العراقيين لتأسيس مشروعه المسرحي، غير أن التاريخ يذكرنا بمفاصل مهمة شاركت فيها بعض الأسماء العراقية، كمساهمات الفنان محسن العزاوي الإخراجية المبكرة في أواخر الستينيات، والفنان سمعان العاني في سبعينيات الرياض ومابعدها، وصولا إلى الأحلام التي أيقظها في جدة الفنان عبدالأمير الشمخي بتعاونه مع جامعة الملك عبدالعزيز.

يبقى هذا الحضور المباشر والمادي الشحيح للأسماء العراقية في مشهدنا المسرحي لا يصف تمام العلاقة مع التجربة المسرحية العراقية، فمع اتساع فضاءات الاتصال الإلكترونية أمكن للنص العراقي أن يتسلل إلى منصات العرض المحلية، عبر المهرجانات والمسابقات، وحتى المناسبات الدينية المتصلة بالاحتفالات العاشورائية، سيكون إرشيف مسابقة الدمام للعروض القصيرة الدليل الأهم على طبيعة هذه العلاقة التي جعلت من النص العراقي في ظل غياب النصوص المحلية البديل الأكثر جاذبية للذين يريديون أن يتمثلوا الصورة الحديثة للمسرح، ومنها نصوص عبدالحميد الصائح، و ناهض الرمضاني، و هادي المهدي، و عمار نعمة، كما تبنت فرقة مسرح جازان نصاً لقاسم مطرود، وعرضت الأحساء نصاً لقاسم محمد.

وفرة النص العراقي وحضوره في منصات الانترنت أتاح الفرصة للإطلاع عليه من قبل المسرحيين السعوديين، حيث مثل موقع مسرحيون الذي كان يديره الراحل قاسم مطرود نافذة للتفاعل مع هذه النصوص التي ساهمت في تحريض المسرحيين المحليين على المشاركة في هذه النافذة، الأمر الذي سبغ تجاربهم بملامح هذا الجوار الذي لم يكونوا في منأى عن التأثر به والتماهي معه.. هذه النصوص في مجموعها، بالعراقي منها والعربي على السواء، مثلت الذاكرة الجديدة للكتاب المسرحيين في المشهد المحلي، من الذين تسابقوا لاكتشاف جماليات النص الجديد، النص المليء بالفراغات والمساحات التي تتيح للمخرج مقاسمة الكاتب كتابة النص وإعادة تشكيله.

استمر المسرح العراقي حتى في لحظات تماوجه يهب الآخرين مفاتيح للإبداع والتفكير في الأبعاد والآفاق المختلفة للمسرح، يهرب الفن من الحصار والحرب والفقر ليكتب نصوصه ويقدم عروضه للحياة والناس، سنوات من العزلة لم تسطع أن تقطع الطريق على رسائل الجمال التي يرسلها المناضلون على جبهات المسرح هناك، ممن هربوا بأحلامهم للخارج، أو من تمسكوا بأقدارهم داخله، فكانوا يكتبون ما يمحوه الآخرون في مشهد الخراب الواسع.

وبس.

________

*من صفحته على الفيسبوك.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com