[مقال] سالم الأصيل: صورتك ليست أنت.!

سالم الأصيل

 

“لا تنظر إلى صورتي في البطاقة.. أبدو كمطلوب!”.
أما صاحبه فقال: لا تنظر إلى صورتي إذًا. فأنا أبدو فيها كَسَجِين، قضى من محكوميته ردحًا من الزمن، وينظر في انقضاء الجزء الآخر منها.

لا يبدو هذا منسحبًا على صور البطاقة المدنيّة؛ أو أيّ صورة رسميّة أخرى فحسب، بل كلّ صورة يستجلب مُصوِّرُها التفاتنا كي يضغط زرّ التصوير من الكاميرا، حتى لو كانت تلك الصورة مأخوذة ساعة الاستجمام على الشاطئ.
فالمُصوَّر يبقى رهن الاعتقال، سجينًا طيلة تلك اللحظات التي لا يكون خلاصه منها إلا بنزول الكاميرا من مقابلة حَدَقة المصوِّر.

يقودنا هذا الموقف العفوي رغم تكراره، إلى تأملٍ ما، مفاده ظنًّا أنّ هذا السَّجن للذات يشتمل على كلّ صورة تُلتقط لنا بقصدية والتفات، بمجرد تحوّلنا إلى (موضوع) في صورة. الاستعداد لأن تكون صورة، صورة لجسد، لا جسدًا حقيقيًا. صورة لابتسامة – إن شئتَ أو شاء المصوِّر إليك التبسُّم – لا باسمًا أو ضاحكًا من موقف أثار مشاعرك فتبسمت وضحكت.

يكون هذا التحوّل، أغلب الظنّ، من ذات إلى صورة عنها، مهما بلغت براعة هذا الموضوع المؤقت في الهروب من كونه موضوعًا، أو الجري بين نقطتي/ ضفتي (الموضوع) و (الذات)، هربًا من الأولى ليصل إلى الضفة الأخرى؛ ذاته الحقيقية.
مهما بلغت إجادته أو براعته وبذله جهده في تقمص دور العفوية التي لا تكون بتمامها إلا في حال جهله وغفلته من كونه موضوعًا للصورة.

شرارة هذا الخاطر أشعلها الناقد الفرنسي رولان بارت في تأملاته في الفوتوغرافيا، هو الذي أشار في كتابه المعنون بـ (الغرفة المضيئة- تأملات في الفوتوغرافيا) إلى تأرجح المصوَّر بين (الذات) و(الموضوع).

لستُ من الفوتوغرافيين، لكني أظنك لو سألت بعضهم، لأجابك بأنه تحدٍّ كبير، يواجهه دائمًا قبل أن يضغط زر التصوير، حال التقاط الصور الحية للناس، رغم تحفظ بارت على تسمية “الصور الحيّة”، فهو يعتقد أنّ الانجذاب الذي أوجدها “إحياءً”. لذلك دعنا نسمي هذا التحدي الإبقاء على روح المصوَّر في هذه الصورة أو تلك، ألا يجرّده من روحه، ألا يحوِّله من روح إلى لحظة تشبه الموت.

الفوتوغرافيا في نظر بارت حوّلت الذات إلى موضوع، خصوصًا وهو يشير إلى معاناة البدايات الأولى للفوتوغرافيا من التحول إلى موضوع، مشبّهًا إياها بمعاناة العملية الجراحية.

الكثرة الكاثرة من الناس تَسعدُ وتستعّد لتظهر في أبهى حُلة حين تُحضّر الكاميرا لالتقاط صور للذكرى والذاكرة. لكن ألن يكون مُفزعًا أو غريبًا على الأقل تخيل ما يقذفنا به بارت في مواجهة صريحة مع الذات وهو يتحدث عن البورتريه المصوَّر.
بأننا حين نكون أمام العدسة، فإنّ الواحد منا يتمثل ويتزلف الشخص الذي يعتقد أنه هو، والشخص الذي يريد للآخرين أن يعتقدوا أنه هو. الشخص الذي يعتقد المصوِّر أنه هو، فـ “لا يكفّ حينئذ عن تقليد نفسه”. ما يولّد ذلك الشعور “بانعدام الصدق، وأحيانًا الخداع”.

أليس عسيرًا أن يقلّد المرء نفسه، ربما أصعب من أن يُقلّد غيره؟!
الصورة ليست هي أنت، أو بحسب تعبير بارت نفسه عن الصورة الفوتوغرافية بأنّها حضوره نفسه بوصفه آخر: “انفصال مراوغ للوعي بالهوية”.

هذا معلوم، لكن المُحبِط، هو أننا كلما حضّرنا أنفسنا، واستعددنا للصورة، لأن نكون الموضوع، صارت الصورة لا تشبهنا أكثر فأكثر؛ ذلك لأنّ استحضار الذات أصعب شيء، الركض من حيّز الموضوع إلى ساحة وفسحة الذات. لتكون الصورة الفوتوغرافية في “تفرّد لحظتها” وأثرها ما يُشبّهه بارت بحركة الطفل وهو يشير بإصبعه إلى شيء ما حركّ فيه أو أثّر كجرحٍ بالغ: “هذا. هو ذلك. هو ذاك!”
على الأرجح، سيبدو سيئًا إنزال كلّ فنٍّ إلى ساحة الواقع بالأثقال التي يفرضها هذا الواقع؛ ومراقبته وهو يكبّل أجنحة الخيال الذي لن يقصيه عن دائرة الحقيقة، بل يمنحه البُعد الجمالي والقدرة على التحليق في فضاء التأويل.

نعم، كذلك قد يبدو سيئاً تحويل الإنسان من ذات إلى موضوع، وقد يبدو ذلك شرًّا أحيانًا، إذا ما وقع في موقع السؤال الأخلاقي قبل الفني، لكنه يبدو شرًّا لا بُدّ منه، بالنظر إلى وظائف الصورة، وغاياتها النهائية التي تتجاوز اللحظة والموضوع إلى تخليد الذات.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com