[مراجعات: 17] محمد الماجد: تحيّة لفاطمة اسبر

محمد الماجد

 

نحن الآن في الفصل الأخير، في الهزيع من ليل الوثائقي الطويل، الأروقة مضاءةٌ بألوان، وشِعْر، وأحبار صينيّة، ورقائم، وموسيقى أيضاً.
لوحات أو رقائم أدونيس كلّها بدت متخففة من العلاجات والمراهم الكلاسيكيّة المعتادة، وهي التي ومنذ زمن ليس بالقصير، كانت تبحث لنفسها دائماً عن مسار مختلف وثيمة نادرة، فكّرَت في الكولاج أولاً، ولكنها وجَدت أنه لم يكن ناجعاً بما يكفي، ذهبت بعدها بحقيبة من الألوان المحكومة بمفارقات الصّدفة وبحذائين ممزقين إلى القصيدة، فتحت بابها فوجدتها نائمة، أيقظتها، ودخلا معاً في برزخ من التجارب.
هذه باختصار رحلة أدونيس الناقد التشكيلي هذه المرة، والفنان مع اللوحة.
أدونيس الذي كان ولعقود صديقاً لنخبة طليعية من الفنانين التشكيليين العرب، ومحرّراً للكثير من أعمالهم نقداً وتنظيراً؛ لطالما بهرته أعمالهم، للدرجة التي جعلته يصنفّهم في مرتبة متقدمّة على مرتبة الشعراء.
جاليري (الأتاسي) في دمشق شهد توقيع كتاب (فاتح وأدونيس.. حوار)، الكتاب الذي انتظر عشر سنوات بعد وفاة فاتح (1999 م) ليظهر إلى العلن، حوار استمر لأربعة أيام بين العملاقَين، وشكّل ذروة ما تنطوي عليه روح أدونيس من شغف بفضاء التشكيل.
وكما استنفذت بيروت كلّ أسئلته في مرحلة من المراحل، فتحوّل منها إلى باريس للبحث عن أسئلة جديدة، الأمر ذاته حدث مع الشِّعر، وكأن الشعر استنفذ كل طاقة أدونيس من جديد، وأراد أن يطلقها ثانيةً، فذهب إلى فضاء اللوحة باحثاً عن هوامش يقيم عليها خيمته الأثيرية التي لم تذق يوماً طعم الإقامة أو الاستقرار، وكأن الشعر أخذ الدور الذي كان لبيروت في مرحلة مّا من حياة أدونيس، وكأن اللوحة أخذت الدور الذي كان لباريس.
الرقائم وهي جمع (رقيمة) أو (رَقِيم)، الكلمة التي وردت في سورة الكهف معطوفةً على كلمة (الكهف) وملاصقة لها، في دلالة بصرية بالغة على علاقة ذلك النوع من الكتابات الصخرية، بمتون الكهوف والسرد التاريخي، وأكثر من ذلك، بالرواية والقص، الأمر الذي سنجد له شبيهاً في (المسلّات) المصرية القديمة، وبصورة أقل درجةً – ولكنها أكثر رمزيّة وإشارةً – في المسكوكات النقدية، والتمائم، والأختام، والنقوش الحروفية الغائرة في وجوه الفصوص والمعادن.
ما قام به أدونيس أنه أفرغ هذا المصطلح من محتواه القديم وأعاد ملئه بالكولاج والشعر، أو بصيغة أخرى، زاوج فيه بين المهمل والهامشي متمثّلاً في قصاصات الورق والمعادن وبين الشعر، وللمفارقة أن ذلك المهمل في لوحات أدونيس عادة ما يحتل قلب اللوحة، تاركاً هوامشها للشعر يتحرك فيها كيف ما يريد، وكأن الشعر فيها حلقة من الغيوم والبروق الخافتة من حول نيزك شارد، أو أرضاً من الأبجدية التي عادة ما ترفع بيديها جسد الكولاج إلى أعلى وكأنه قربان، وكأن أدونيس أراد أن يكرر أو يشير مرةً أخرى لقيمة المهمل والهامشي التي لطالما وسَمهما بــــــ “التاريخ الحقيقي” طوال مقارباته النقدية في التراث والثقافة، يعيد هنا اطلاقهما والإشارة إليهما من جديد، أمّا الشعر فهو مجرد وعاء، ذلك الشِّعر الذي بات بالنسبة له مكرّراً، “وكأنني أعيد سماع السيمفونية التاسعة لبتهوفن” يقول أدونيس، في إشارة لافتة لموقفه الجديد من الشِّعر!، أو لأقل لتوقه الدائم للتغيير وعدم الركون لشيء مهما بلغت قيمته.
قبل أن أُغادر ..
أحببيت أن أشير إلى أن دَرس (الرقائم) الذي بدأه أدونيس، سبقه درس تونسي اعتبِرُه وسيطاً بين ما قام به أدونيس وبين الدرس التقليدي، الدرس الذي سنجد تجلياته ظاهرة في الأعمال الحروفية الممزوجة بروح التشكيل عند نجا المهداوي وعمر الجمني.
هل وصلتُ الآن وبعد كل هذا السّير إلى اسم فاطمة اسبر؟
نعم ..
فاطمة هي أخت أدونيس التي ذكر اسمها – عَرَضاً – أثناء حديثه عن تجربته مع التشكيل، وقال عن أعمالها الفنية ولوحاتها أنها أفضل من لوحاته بكثير، ومع ذلك لوحاته – والحديث لأدونيس- وجدت طريقها إلى أشهر الجاليريات من شنغهاي وحتى باريس، في الوقت الذي لم تجد أخته صالة صغيرة لعرض أعمالها!.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com