[مراجعات: 16] محمد الماجد: كُتُبٌ ملغومةٌ

محمد الماجد

الذاكرة التاريخية العربية والإسلامية عموماً تعاني من ضعف في قدرتها على التوثيق فيما يتعلق بالفنون. وكأن السياسة وهي في طريقها لترويض (العقل)، عطّلت فيه كل الملَكات القادرة على الفِعل، “أين تاريخ اليد … أين تاريخ الحياة اليوميّة في بغداد” يقول أدونيس. الحياة اليومية أو التاريخ الشفاهي (اللسان) مضافاً إليه ما اصطلح أدونيس على تسميته بتاريخ (اليد)، كلاهما من الموضوعات التي لم تعرف طريقاً إلى الفهرسة والحفظ إلا في فترات قصيرة نسبيّاً ومتقطّعة!. رحلة ابن بطوطة، ورحلة ناصر خسرو، ومساهمات الرحالة الغربيين، أو “قافلة الحِبر” كما يطلق عليها الكاتب سمير عطا الله، تجوال القافلة الطويل في الجزيرة العربية في الثلاث قرون الماضية، يمكن أن تكون مثالاً، وما دمنا في الجزيرة العربية، يمكن أن نضيف إليها (أساطير) عبد الكريم الجهيمان و(أمثلته الشعبيّة) كمثال متأخر، ولكن كل هذه الجهود على ثرائها ما زالت غير كافية.
غير أنها سترسم لنا صورةً لما يمكن أن تعطيه الحياة اليوميّة للاجتماع البشري من طاقة، فماء الزمن الذي يجري في أودية التاريخ ليس أعمى كما نتصوّره، سلسلة من الكروموسومات العائمة دائماً ما كانت تحمله على الجريان وعدم التوقف، هو أشبه بنهر من الحيوات الشّفافة والمجنّحة، حيوات قائمة على مبدأ التناسخ وكأنها زيوت طيّارة، وكل موجة من ذلك النهر وكل ذرة أوكسجين هي ذاكرة لأحداث وأرواح، ربما مضت، أو ارتطمت بجدار قرن من القرون المظلمة ثم انطفأت، هكذا تخيّلنا خطأً، بينما هي تركت خبرتها أمانة في يد النهر ليوصلها للمستقبل، ثم تركتها للمستقبل بعد ذلك ليجعل منها مصبّاً من مصبّات الأبدية الخالدة.
السؤال: كيف تبدأ الرحلة من جديد ومتى؟ في ظلّ ذلك الشحّ في المصادر، في ظل الغموض الذي يلفُّ سلوك ذلك النهر على مرّ التاريخ العربي.
الأمر ليس بالسهل، ليس الآن على الأقل، وليس بعد ما طمسته السلطة من آثار ومناقب اللسان، ربما خوفاً من تحوّل كل تلك الآثار والمناقب إلى كتب ملغومة بخبرات قاتلة.
ومن الشفاهة التي أهمَلَت بغداد وسواها من الحواضر المدينية، انتقلُ للحديث عن (تاريخ اليد)، ينقل المسعودي في (مروج الذهب) بيتاً منسوباً لآدم:
تغيّرت البلادُ ومن عليها/ووجه الأرض مغبرٌ قبيحُ
وبدّلَ أهلُها خمطاً وأثلاً/بجنات من الفردوس فيحُ
حسناً، من سيرصد تغيرات البلاد تلك وتبدّل أحوال أهلها عبر الزمن وانتقالها – إذا صح التعبير – من حياة الإثل إلى حياة الجِنان والقصور، من سيرصد كل تلك التحوّلات غير تلك الأصابع البارعة للفنون: الصناعات، الزينة، النسيج، العمارة، النحت… الخ. كلها أشبه بدفاتر ضخمة من الصخور، ومن أنوال الحرير، ومن عيون اللون، كانت في انتظار من سينقلها إلينا، غير أن الحروب التي لم تتوقف طوال التاريخ العربي، وعادات النسيان الأثيرة عند العرب، كلها لم تترك من سواد تلك الدفاتر إلا العناوين.
وما دمنا في حضرة كلام أدونيس، لا ينبغي القفز على المساهمة الكبيرة لتلميذه شربل داغر ومحاولاته الإستثنائية لردم ولو جزء يسير من تلك الفجوة.
كتابه المعنون بـــــ (مذاهب الحسن : قراءة معجمية-تاريخية للفنون العربية)، وكتابه الآخر(الفن الاسلامي في المصادر العربية: صناعة الزينة والجمال)، الكتابان المجهريّان إذا صح التعبير، يستحقان أكثر من شارةٍ من ألومبياد الفنون – لو تخيّلنا أن هناك ألومبياداً للفنون -، تلك التي ما زالت تقيم واحدةً من أبهى ألعابها في أقبية الماضي، في صمت مطبق، وفي مستعمرات فنية مطمورة، وبالرغم من أن كوليسيوم ضخم من مدرجّات الغبار كان يسوّر باحتها الرئيسية خوفاً من الغزو والغارة طوال الوقت، لكن ذلك لم يمنع شربل داغر، المقاتل الذي لم يكن يملك سوى مقلاع وإيمان لا حدود له؛ لم يمنعه ذلك من اقتحام أسوارها وأخذها سبّية، لم يستعبدها، لم يسلبها شيئاً من زينتها، بل سرعان ما حررها بكتابين، نجحا في انقاذ ما تيسّر لهما من هوامشها ومتونها الفنّية واللسانية من الاندثار.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com