[مقال] أثير السادة: كتب الصور ليست ألبومات

أثير السادة

لا يمكن أن نصف كتب الصور التي تندرج تحت عنوان “photobook” بالألبومات، فهذا الوصف يحمل دلالات ذات صلة بتنظيم الصور وترتيبها ضمن الدفاتر البلاستيكية التي عرفها الناس مع بدايات الاهتمام بالتصوير والصورة، هي تشبه الألبومات من جهة جمعها للصور لكنها تفترق عنها في الوظيفة، فالألبوم استقر عند حدود التخزين والحفظ للصور، حفظها من الضياع، ضياع السياق والمعنى والقيمة، فيما الكتب للانتشار وإيصال الأفكار والرؤى الفنية للآخرين ومنحها قيمة فنية وثقافية، كمن يقدم أعماله ضمن منصة عرض واقعية.

هذه المقدمة ضرورية لفهم دوافع نشر كتب الصور التي تحتضن تجارب المصورين وأفكارهم، وتعيد موضعة الصورة ضمن سياق الثقافة عموما، فكل كتب منها هو منذور بالضرورة لإنتاج قيمة ما، وتعزيز معنى ما، والتحريض على التفاعل مع محتوياته ومعطياته…ولعل العرض اليومي للصور في منصات التواصل الالكترونية يجعل من الذهاب لفعل النشر والطباعة للصور ضمن كتاب سببا لإعادة التفكير في قيمة هذه الكتب الفنية و الثقافية، أي أن الألبومات المفتوحة بلا نهاية في دروب الانترنت وهبت هذه الكتب تحديات جديدة، تتصل بطبيعة مقاربة الصورة، واستثمارها، وطبيعة تسويقها وتهيئتها.

جمال هذا النمط من الكتب المختصة بالصورة هو قدرتها على إخراج الصورة من صمتها عبر استدراجها لسياقات جديدة، تتآلف فيها مع نوايا جديدة ، ودلالات غير منحصرة في الحدود المستقلة لكل صورة على انفراد، بمعنى أن هذا الدمج المقصود للصور هو سعي صريح لإنتاج معرفة جديدة بالصور المقدمة..فمن يقدم كتابا مصورا لمدينة ما مثلاً هو يحاول إعادة كتاب هذا التاريخ وتكييفه عبر الصورة، ومن يقترب من يوميات الشارع في مكان ما ضمن كتاب هو يعيد رسم هوية المكان والناس فيه، وهكذا يصبح كتاب الصور أكثر من مجرد ألبوم صامت، بل رصداً اجتماعياً وتاريخياً وجدلا ثقافياً يجد صداه في طبيعة تلقي الناس له وتفاعلهم معه.

في عام ٢٠١٤، وفي لحظة من لحظات الاسلام فوبيا، قدم المصور والباحث في شئون الهجرة ، Nicolò Degiorgis، كتاب صور بعنوان “ الإسلام الخفي” يوثق لمواقع العبادة المؤقتة التي يرتادها المسلمون في شمال شرق إيطاليا، حيث تتصاعد الحملات المعادية للإسلام والهجرة هناك، جمع فيه صورا بالأبيض والأسود لمنظر مواقع العبادة من الخارج وبداخل كل واحد منها استكشاف للعالم المجهول في صور ملونة تصف أحوال الناس فيها.

بدا الكتاب وكأنه إعادة لتدوير السؤال عن معنى التضييق والتمييز الذي يطال هذا المكون الديني في المجتمع الايطالي، وعن معنى حرية العبادة بالنسبة للمسلمين الذين يجاوز تعدادهم المليون فيما المساجد المرخصة لهم لا تتجاوز أصابع اليد، أي أنه ومن دون كتابة أي تعليق مع الصور، عدا مقدمة Matin Parr ، سيقدم بخطابه المعلن حجاجاً بصرياً في سياق الجدل حول حقوق الأقليات المسلمة في البلدان الأوروبية، وسيقدم توثيقاً طوبوغرافياً لأفعال التهميش التي تنتهي إلى حمل هذا المكون إلى خارج حدود المجتمع.

أثار الكتاب يومها الكثير من الضجيج وكتبت حوله الكثير من التعليقات التي جمعها لاحقاً في كراس حمل عنوان “الإسلام الخفي و ٤٧٩ تعليقاً”، لتكون هي الأخرى الدليل على طبيعة السجالات الاجتماعية والثقافية في الوسط الأوروبي حول الهجرة والإسلام، ولتنجح الصورة بذلك في أن تكون منصة للحوار الفكري، بالإفادة من فكرة كتاب الصور الذي لم ينشغل فقط بالجمع والتوثيق وإنما بصناعة رؤية جدلية تحرض على التفكير والحوار.

زر الذهاب إلى الأعلى
للتواصل مع الصحيفة
إرسال إلى واتساب
صحيفة صُبرة : https://www.sobranews.com